دراسات في تاريخ بلاد الرافدين (الحلقة 8)

في سنة 1700م، عادت الجيوش العثمانية إلى البصرة ولكن عودة الجيوش لم تعد الأمور إلى نصابها، ولم يشاهد القرن الجديد إلا المزيد من ضعف الإدارة وارتباكها، وكان من مظاهر ضعف الحكم العثماني، في السنوات الأولى من القرن الثامن عشر الميلادي غياب السلطة في جنوب العراق(1).
في سنة 1704م توفي والي البصرة محمد باشا القبطان فعهدت الدولة بالمنصب إلى والي بغداد علي باشا غير أنه عزل بعد فترة قصيرة، وتوفى وهو في طريق العودة إلى بغداد. بعد عزل علي باشا ظلّت البصرة بدون والي يدير شؤونها.
استغل الأمير مغامس بن مانع رئيس المنتفك، ضعف الحكم العثماني وغياب السلطة في تلك الفترة فتقدم برجاله واستولى على البصرة، وأقام فيها حكومة عربية برئاسته، تمكنت من بسط نفوذها على أغلب المناطق الزراعية في جنوب العراق. اقتطف العزاوي ما كتبه المؤرخ العثماني يوسف عزيز المولوي صاحب كتاب (قويم الفرج بعد الشدة) يصف رجال المنتفك في تلك المرحلة التاريخية من القرن السابع عشر التي شاهدت تداعي أركان الحكم العثماني في العراق ، فقال عنهم:
أن عربان المنتفق أصل الفتن و الاضطراب ببغداد والبصرة. فهم جمرة الحرب، وأشجع العربان، ومنشأ القلاقل ... في رؤوسهم المغافر، وعلى أبدانهم الدروع الذهبية، وأن خمسة عشر منهم يقابلون ألفاً، اعتادوا الرمي بالقوس على ظهور الخيل، يلعبون برماحهم في الهيجاء بصورة لا مثيل لها. وفرسانهم نحو أربعة آلاف. فكل واحد منهم بألف ... وقوة ظهرهم الشيخ مانع، به يصولون و يجولون. وعلى قلتهم لا يوازيهم أحد. فالفارس منهم يهاجم الصفوف دون مبالاة ...
في تلك الفترة كانت سلطة المنتفك توحد تحت رايتها ثلاث مجموعات عشائرية كبيرة، أغلبها من العشائر النهرية التي تعمل في الزراعة في حوض نهر الفرات وتفرعاته جنوبي السماوة والتي تمتد إلى الأطراف الجنوبية لنهر الغراف مع عدد من العشائر التي تنتشر في مناطق الأهوار أو العشائر التي ترتبط مصالحها الرعوية في تلك المناطق. ولما كانت خصوصيات الزراعة النهرية في وادي الرافدين تفرض على تلك العشائر التعاون فيما بينها، ضمن مصالحها المشتركة التي ترتبط بالماء والرعي وإدارة ذلك المجتمع الزراعي، فإن تلك الخصوصيات أدّت في تلك المرحلة التاريخية إلى تكتل عشائر الجنوب في تلك الأثلاث التي كان كل ثلث منها يمثل مصالح مجموعة من تلك العشائر.
في نفس الوقت فإن طبيعة الصراعات المريرة التي خاضها عرب جنوب العراق من أجل البقاء والتمسك بالأرض، والوقوف بوجه مشاريع الإقطاع العسكري العثماني، أدت إلى اتحاد تلك المجموعات العشائرية تحت راية رئاسة المنتفك، فصاروا يعرفون بأثلاث المنتفك وهم:
ـ ثلث الأجود
ـ ثلث بني مالك
ـ ثلث بني سعيد
ثلث الأجود
الأجود من بني عقيل أخوة المنتفك، ملك جدهم أجود بن زامل الأحساء لفترة من الزمن قبل الحكم العثماني وفي القرن السادس عشر ميلادي توالى ورودهم على جنوب العراق وانضموا إلى عشائر المنتفك. كان ثلث الأجود في تلك الحقبة يعد أكبر وأقوى أثلاث المنتفك، إذ كان يجمع عدداً كبيراً من العشائر منها غزية، وآل أزيرج، وخفاجة، وبني ركاب، والحميد، والعصوم، وشويلات، والتيوس، والرغيم، والجوارين وغيرهم.
ثلث بني مالك
وهم أخوة بني المنتفك أولاد مالك بن عوف. كان يجتمع في ثلثهم عدد أخر من العشائر منها بني سد (بني أسد)، وبني حطيط الذين شاركوا في ثورة عرب العراق بقيادة السيد محمد الموسوي المشعشع(2)، والحجام، وآل إبراهيم، وعبادة، والعمايرة، والبوصالح، ومطيرات، وآل جميعان، والشواليش، والحساوية وهم من الأحساء، وغيرهم.

ثلث بني سعيد
من العشائر الكبيرة، تفرقت أغلب عشائرهم بعد إلغاء سلطة المنتفك. ومنهم آل فهد، والدريع، والعيسى، وآل معيوف، وآل مريان الصلبية، والبزون.
ومن استعراض أسماء هذه المجموعة من العشائر العراقية التي كانت تجتمع في حلف المنتفك آنذاك، نجد بينها عشائر بدوية وردت العراق مع أبناء المنتفق أو ربما بعدهم، وأخرى زراعية كان لها وجود قديم. فمثلاً نجد مع ثلث الأجود عشيرة خفاجة، وهؤلاء من قبيلة خفاجة الكبيرة التي سادت على القبائل العراقية قبل ظهور المنتفك. ومع ثلث بني مالك نجد عشيرة بني أسد، القبيلة العربية الكبيرة التي قضى عسكر المماليك الترك على دولتهم في منطقة الفرات الأوسط وأجلوهم من ديارهم فإنحدروا جنوباً واستقروا في أهوار جنوب الفرات في أراضي الجبايش المعروفة بالجزائر أو البطائح. نستنتج من كل هذا أن حلف المنتفك تكون عبر سنين طويلة ومر بمراحل عديدة تمكن أثناءها رؤساء المنتفك من بسط سلطتهم على عدد كبير من العشائر النهرية والرعوية التي ارتبطت مصالحها بالزراعة الحوضية في تلك المناطق.
ومن الجدير بالملاحظة أن أبناء المنتفك كانوا تحت نفوذ قبيلة قشعم التي سادت على جنوب العراق قبلهم، ولكن يبدو أن ظاهرة تحول مجاري الأنهار كان لها أثر كبير في أضعاف شأن قشعم في المنطقة، مما ساعد رؤساء المنتفك في التخلص من نفوذهم، وتكوين أمارة قوية بسطت نفوذها على تلك المناطق العشائرية في جنوب العراق بما في ذلك مناطق قشعم.

حكومة مغامس بن مانع
كان الشيخ مغامس طيلة تلك المدة يدير شؤون حكومة البصرة ويبت بالأمور بصورة مستقلة عن حكومة بغداد التي أستلم مقاليد الحكم فيها الوالي الجديد حسن باشا، وعلى هذا الأساس كانت الجهات الأجنبية تتعامل مع حكومة الأمير مغامس بما يخص مصالحها بالبصرة.
وللاضطلاع بمسؤولياته، أقام الأمير مغامس أجهزة إدارية وعسكرية تابعة لحكومته مباشرة وعين في البصرة قاضياً للشرع للبت في المسائل الشرعية، كما قام بإنشاء مدرسة عربية في أطراف البصرة كان الطلاب فيها يزودون بالمسكن والمأكل ويتلقون فيها مختلف العلوم. كتب العزاوي عن تلك المدرسة التي سماها بالمغامسية فقال:
أن حكم المنتفك في البصرة لم يكن عشائرياً، وإنما كان هناك قاضي شرع. وأن من بقايا أعمال الأمير مغامس المدرسة المغامسية منسوبة إليه. ولا نعرف عنها تفصيلاً أكثر من أنها كانت في أقاصي البصرة، أسست لتدريس العلوم وإطعام الطعام للطلاب. ولما اندرست آلت موقوفاتها إلى المدرسة الحللية من تأسيس أحد آل المفتي من الحللين بحكم من قاضي البصرة في 8 ذي الحجة سنة1244هـ (1828م).(3)
ومن بين الوثائق المتبقية التي تدل على وجود تلك الإدارة العربية بالبصرة، عقد صادر من إدارة الأمير مغامس مع جهة هولندية مصدق من قبل قاضي البصرة quot;الشيخ سلمانquot; بتاريخ الثاني عشر من تشرين الثاني عام 1705م وما يلفت الانتباه في هذه الوثيقة بعض النصوص الذي جاءت فيها كقوله:
quot;...الواقفون على كتابنا هذا من كافة خدامنا وعمالنا وضباطنا ...quot; وكذلك quot;... وقد أسقطنا عن خدامه وترجمانه الجزية والخراج...quot;(4)
نستدل من تلك النصوص أن الأمير مغامس كان يتصرف كرئيس حكومة لها مؤسساتها وإدارتها وقواتها العسكرية، وعلى هذا الأساس كانت الجهات الأجنبية تعترف بها وتتعامل معها.
إن قيام ذلك الحكم المستقل بالبصرة واتساع نفوذه، كان يمثل أخطر تهديد للسلطة التي كان حسن باشا يواصل تشيدها ببغداد. ولابد أن القضاء على الحكومة العربية بالبصرة التي قامت عشية وروده العراق كان أهم أهداف حسن باشا في تلك الحقبة المضطربة التي كانت تمر بها الدولة العثمانية بصورة عامة وحكومة العراق بصورة خاصة، ولكن بالرغم من أهمية ذلك الهدف كان حسن باشا يدرك خطورته، ويعلم بأن حكومة بغداد لم تكن تملك الوسائل الكافية لتحقيق ذلك الهدف.
مع حلول عام 1708م وبعد أن أحكم حسن باشا سلطته على بغداد ووسط العراق توجهت أنظاره إلى جنوب العراق. كان حسن باشا يدرك أن القضاء على حكومة عرب جنوب العراق برئاسة الأمير مغامس يحتاج إلى قوات عسكرية كبيرة لم تكن متوفرة لديه، وأنه بحاجة إلى دعم عسكري كبير من حكومة السلطان.
على هذا الأساس أجرى حسن باشا مشاورات واسعة مع السلطات العثمانية العليا في اسطنبول للحصول على قوات عسكرية عثمانية إضافية توضع تحت تصرفه، ليتمكن من قيادة حملة عسكرية كبرى باسم الدولة للاستيلاء على البصرة، والقضاء على حكومة المنتفك برئاسة مغامس بن مانع آل شبيب.
تحمست المراجع العليا في اسطنبول لمشروع احتلال البصرة، وقررت أن تضع تحت تصرف حسن باشا ما يمكن جمعه من فرق عسكرية لإنجاز تلك المهمة. باشر حسن باشا بتجهيز قواته العسكرية وبعد فترة أخذت الوحدات العسكرية العثمانية تتوارد إلى بغداد. فوصلت قوات كبيرة من كركوك بقيادة محافظها يوسف باشا، ووردت قوات أخرى من ديار بكر بقيادة الوالي رجب باشا، وفرق عسكرية من سلحدارية السلطان بقيادة حسن باشا(5). ووصل لواءان من الموصل بقيادة الوالي شهسوار زاده. في تلك الأثناء أرسلت الدولة فرمان يولي حسن باشا على البصرة (بالإضافة إلى ولاية بغداد).
في أول رجب 1120هـ (16 أيلول 1708م) خرج حسن باشا إلى جانب الكرخ لاستكمال الاستعدادات لتلك الحملة العسكرية الكبيرة، وفي 23 أيلول بدأت الجيوش العثمانية بقيادته التوجه جنوباً باتجاه الحلة، ومنها سارت نحو السماوة فوصلتها في غرة شعبان (منتصف تشرين الأول). من هناك سار حسن باشا نحو ديار المنتفك فوصل إليها في 6 شعبان 22 تشرين الأول.
من ديار المنتفك بدأ حسن باشا بإرسال دورياته لمهاجمة مختلف المناطق بهدف الاستيلاء على بعض المواقع، ونهب ما فيها من محاصيل زراعية وحيوانات لإطعام عساكره. أما القوة الرئيسية فقد استمرت في تقدمها وفي 22 شعبان (7كانون الأول 1708م) وصلت إلى ضواحي البصرة.

جيش العشائر العراقية
أدرك عرب العراق أهمية المعركة القادمة حول البصرة وما يمكن أن يترتب عليها من نتائج سياسية وعسكرية، فهبوا لنجدة البصرة والدفاع عن حكومتها، هكذا سارت جموع العشائر من مختلف أنحاء العراق نحو ساحة المعركة، فوردت نجدات القبائل من قرب بغداد، ومجموعات كبيرة من المقاتلين من قبائل الفرات الأوسط التي انضمت إلى قوات الشيخ سلمان رئيس الخزاعل الذي سبق وأن التجأ إلى أمير المنتفق منذ حرب الفرات الأوسط. وجاءت قبائل عربية من الأحساء وأخرى من الحويزة. والتحق بذلك الجمع عشائر السراج (من ربيعة) وعشائر زبيد وبني خالد، وقبيلة غزية وعشائر المياح (منطقة الغراف)، وعشائر شمر. وقد ملأت جموع المقاتلين العرب، السهول والوديان وجاوزت أعدادهم المائة ألف مقاتل.
أشار العزاوي إلى جموع العشائر العربية التي هبت للدفاع عن البصرة، نقلاً عن كتاب قويم الفرج بعد الشدة فقال:
أن عشائر المنتفق لا تتجاوز العشرة آلاف إلا أن النجدات توالت إليهم من كل صوب فبلغت جموعهم الكثرة الزائدة. جاءهم المدد من بغداد ومن الأحساء والحويزة، وممن انتصر لهم الشيخ سلمان الخزعلي، كان مقيماً عندهم من أمد بعيد، والتحق بهم كل من آل سراج، وزبيد، وبني خالد، وغزية، ومياح، وشمر ... ملأوا تلك السهول، وانتشروا في ساحات البر ... وكل واحد منهم مدجج بسلاحه.

المعركة الفاصلة
تركز حشد القبائل العربية في منطقة تدعى quot;دكاكينquot;. أما جيش حسن باشا فقد استحكم على نهر عنتر، وبعد أن وزع حسن باشا فرقه العسكرية وقسم المهام بين الوزراء، أمر بسد نهر عنتر، ثم شرع بالحرب.
دامت الحرب لعدة أيام، كانت سجالاً بين الطرفين، وبالرغم من تفوق نيران أسلحة الجانب العثماني، كان المقاتلون العرب يهاجمون قوات حسن باشا ويشتبكون معهم بالسيوف والخناجر، ويبدون في هجماتهم ضروباً من البسالة بالرغم من الخسائر الفادحة التي كانوا يقدمونها. وعلى هذا المنوال استمرت تلك المعارك الدامية حتى 19 رمضان (5 كانون الأول 1708م).
يبدو أن عنف المقاومة وطول أمد الحرب أثرت على معنويات جيش حسن باشا مما أثار مخاوف الوزير وجعله يبحث عن طريقة لحسم الموقف لصالحه بأسرع وقت، فقام بإعادة تنظيم قواته وباشر في هجوم واسع ومركز، وبعد قتال دموي مرير أخذت نيران أسلحة العثمانيين تزحزح رجال العشائر من مواقعهم، إذ بدأوا بالانسحاب ليعيدوا تنظيم صفوفهم لمواصلة القتال.
تكررت عمليات الكر والفر بين المقاتلين العرب وعساكر حسن باشا، واستمرت المعارك الدامية، وأثناء ذلك شن حسن باشا سبع هجمات كبيرة، كانت القبائل العربية تستميت أثناءها في الدفاع عن مواقعها، وكانت كل عشيرة تقاتل تحت رايتها.
في تلك المعارك الرئيسية، كان فرسان المنتفك يمثلون قلب المقاومة وبالأخص فرسان الأجود الذين كانوا يقاتلون بقيادة رئيسهم الشيخ تركي، الذي كان يلازم الشيخ مغامس في تلك المعارك. وفي عنفوان الهجوم السابع اندفع الشيخ تركي على رأس فرسان الأجود لصد ذلك الهجوم، ولكنه أصيب أثناء القتال إصابة بالغة خرّ على أثرها صريعا.ً بعد مصرع الشيخ تركي حدث ارتباك كبير في جبهة القتال ثم بدأت عملية الانسحاب والهروب من ساحات المعارك.
كتب العزاوي عن تلك الساعات الحاسمة فقال:
توالت المغلوبيات عليهم إلى سبع مرات وحينئذ وفي المرة الأخيرة تداخل بعضهم في بعض وصارت المضاربة بالسيوف والخناجر ... وكان الشيخ تركي شيخ الأجود سقط في المعركة. وكان يلازم الشيخ مغامساً وهو أشد منه، كان جباراً قاهراً. فلما رآه الشيخ مغامس سقط صاح واه عليك ! فاستولى عليه الخوف فاضطر إلى الفرار والهروب. كان تركي شوكتهم، وبموته خذل الكل وفروا جميعاً. هلك في هذه المعمعة نحو العشرة آلاف بقيت أشلائهم مطروحة في ساحة القتال ...

يبدو أن معركة حسن باشا مع عرب العراق لم تنته بمقتل الشيخ تركي وهروب رجال العشائر من ساحة المعركة بل أمر عساكره بتعقيب رجال القبائل وقتلهم أينما وجدوا، و وعدهم بجزيل العطاء. انتشر العسكر في كل مكان وباشروا بقتل من عثروا عليه من رجال العشائر. كانوا يقطعون رؤوس الرجال ويحملونها إلى خيمة الباشا ليقبضوا ثمنها بالذهب والفضة، ويبدو أن بعض العسكر تكدست لديهم جثث كثيرة وبعدت المسافات فتعذر عليهم نقل الرؤوس إلى مقر القيادة، فقبل حسن باشا منهم أن يجلبوا له قلوب المقاتلين، وهكذا أخذ عساكر حسن باشا يشقون صدور رجال العرب وينتزعوا القلوب ويحملونها إلى الباشا. أشار العزاوي إلى تلك المذبحة التي اقترفها حسن باشا ضد عرب العراق فقال:
... وحينئذ أنعم الوزير على الغالبين، وكان يبذل الذهب والفضة لكل من يأتيه برأس أو قلب. لم يراع اقتصاداً أو تقتيراً ...
بقى الوزير في موقعه ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع مضى إلى البصرة.
دخل حسن باشا البصرة في آخر شهر رمضان 1120هـ (13 كانون الأول 1708م) واحتفل هناك بالعيد ووزع الهدايا على الوزراء وقادة العسكر الذين ساهموا في تلك الحرب، وأمر السكان بلزوم الطاعة. بعد أيام قام بزيارة مقام طلحة و الزبير قرب البصرة ثم قفل راجعاً إلى بغداد.
قرر حسن باشا أن يعود إلى بغداد عن طريق منطقة الجزائر، وكان هدفه مطاردة الثوار من رجال العشائر الذين نجوا من تلك المعركة واعتصموا بأهوار تلك المناطق، وذلك للتنكيل بهم ولكنه لم يتمكن من العثور عليهم، إذ كان الطريق عبر تلك الأهوار وممراتها المائية بالغ التعقيد والصعوبة، لكثرة المياه والعوائق مما أنهك الجيش. من الجزائر سار حسن باشا نحو منطقة الفرات الأوسط ماراً بالحلة، ثم إلى بغداد حيث أقيمت له الأفراح.
خرج أركان المؤسسة العثمانية لاستقبال حسن باشا ليباركوا له ذلك الانتصار، وكان على رأس المستقبلين نقيب بغداد والمفتي وبقية الأعيان. وقد نظم المؤرخ والأديب العثماني يوسف عزيز المولوي قصيدة طويلة مجد فيها الوزير حسن باشا، واستعرض انتصاراته على القبائل العربية، وكتب بعد ذلك كتابه الذي سماه quot;قويم الفرج بعد الشدةquot;، استعرض فيه تاريخ العراق في تلك الحقبة وبالأخص أعمال حسن باشا وانتصاراته ضد عرب العراق، باعتبار أن حسن باشا أنقذ في بحر أربع سنوات عنيفة ودامية السلطة العثمانية من الشدة التي واجهتها في العراق منذ أواخر القرن السابع عشر ميلادي، بعد أن كادت قوى عرب العراق أن تطرد العثمانيين وتقضي على حكومتهم ببغداد.
تعد معركة البصرة نقطة تحول في تاريخ العراق لصالح الحكم العثماني، بعد أن تمكن حسن باشا من إعادة تنظيم أجهزة السلطة ببغداد، والقضاء بالقوة العسكرية على كيانات عرب العراق، التي كانت في جوهرها كيانات لإدارة وتنظيم الحياة الزراعية في وادي الرافدين والتي بلغت مع نهاية القرن السابع عشر مراحل متقدمة. ففي الجنوب تمكنت القبائل العراقية من إقامة إدارة مستقلة عاصمتها البصرة بعد طرد الحكام العثمانيين منها. وفي الوسط تمكنت قبائل الفرات الأوسط بزعامة الخزاعل من السيطرة على مناطقها وتنظيم حياتها الزراعية والاجتماعية باستقلالية كبيرة. وكذلك كان الحال بدرجات متفاوتة مع بني لام وربيعة وزبيد. في تلك الفترة زادت مشاعر الخوف والهلع في أوساط المجتمع العثماني الحاكم ببغداد. خاصة بعد أن بلغت غارات بعض القبائل العراقية مشارف العاصمة، وفي أثناء ذلك ارتفعت أصوات عدد من الزعماء العراقيين مناديتاً بطرد quot;الأروامquot; (أي العثمانيين) من بغداد، وإقامة حكومة عربية فيها.
إن الوقائع التاريخية تشير إلى أن التحولات الاقتصادية والسياسية في القرن السابع عشر، أوصلت المجتمع العراقي مع نهاية ذلك القرن، إلى مشارف تحولات تاريخية وشيكة، وأن أحداث تلك الحقبة مثلت بمجموعها، إرهاصات مرحلة جديدة كان جوهرها، إنهاء الحكم العثماني في العراق.
وعليه فإن انتصارات حسن باشا في تلك الحقبة الزمنية العصيبة كانت بمثابة انتكاسة تاريخية للشعب العراقي، وبعث جديد للحكم العثماني الذي كان يحث الخطى نحو الانهيار. ولعل عنوان كتاب quot;قويم الفرج بعد الشدةquot; كان خير تعبير عن مشاعر ذلك المجتمع العثماني الحاكم الذي عاش سنوات الشدة والضنك الاقتصادي، والخوف من المصير المجهول، وعن مشاعر العرفان التي سادت تلك الأوساط الحاكمة بقويم الفرج الذي حل ببغداد بورود المنقذ حسن باشا. وفي هذا السياق كتب عباس العزاوي فقال:
ونرى من مجرى هذه الحادثة أن العشائر كانت متذمرة من إدارة الحكومة وكذا الأهلون. تجمعوا عليها من كل صوب وقاتلوا قتالاً عنيفاً. ... ولو كانت هذه الحرب نجحت لصالحهم لاستقلوا من ذلك الحين، ولأخفق سعي الدولة ولما بقى لها أمل في كل العراق. وما ذلك إلا إنها لا تريد التحول عن سياسة واحدة مع كل الأقوام. وهذا أحد أسباب الفشل وإن التغلب لم يثن العزم. ودامت الوقائع مستمرة ومتوالية... قارعهم العرب بعدها مقارعات وبيلة، رأوا العطب منهم وصاروا يخافون من ظل العربي وخياله، ومن عرف أن المنتفق قارعوهم اكثر من مائة وسبعين سنة بعد هذا الحادث علم درجة هذه المطاحنات ومقدار النفوس الهالكة في هذا السبيل بل أمتد ذلك أكثر واكثر... ولا ينكر أن أكابر السلاطين أسسوا لهم ملكاً عظيماً، وسيطروا على البلاد سيطرة لا مثيل لها، ولا يزالون إلى أمد قريب يعيشون بتلك النعمة وفي كل هذه يجادل العربي عن استقلاله والقوى الفائقة لم تفل عزمه، ولا فترت من حبه لوطنه ... والمصيبة أن نرى مؤرخينا المتزلفين للحكومة يعدون هذا غائلة، أو فتنة، أو خيانة، أو ثورة، ... وفي كل هذا لم يحذروا الحكومة من سوء العاقبة لتحسن سلوكها. بل مدحوها بقصائد وقووا عزمها للوقيعة بالعشائر ... فكانت نفوسهم ذليلة وخضوعهم بالغاً حده. والتاريخ سجل ما هنالك. وغالباً ما يعزى ذلك إلى سوء إدارة الموظفين وإلا فأصل الدولة لا تقصد الإضرار....

هوامش:

(1) عبد الأمير الرفيعي ndash; العراق بين سقوط الدولة العباسية وسقوط الدولة العثمانية،
ج2ص255
(2) نفس المصدر ، ج1ص214
(3) عباس العزّاوي ndash; تاريخ العراق بين احتلالين، ج5ص180
(4)أنظر نص الوثيقة في تاريخ العراق بين احتلالين (عباس العزاوي-ج5، ص168).
(5) كان شركسياً تخرج من بلاط السلطان.

[email protected]
http://www.geocities.com/kutub_alrufaiy/kutub-alrufaiy-main.html