الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة تحمّلَ انقطاع الرواتب وما ترتب عنه من جوع وفاقة، لأكثر من ستة شهور. وأظن أن هذا يكفيه، ومن حقه بل من واجبه أن يُضرب. أن يُضرب من الآن وحتى إشعار آخر. فإما أن تُلّبي الحكومة مطالبه العادلة في لقمة الخبز وشربة الماء (وهي بالطبع لا ولن تستطيع، لأسباب ندركها جميعاً) وإما أن تستقيل، وما من حلّ آخر، عمليّ، للخروج من عنق الزجاجة، اللهم سوى الذهاب إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، تسعى جاهدة لكسر هذا الحصار الأبشع: حصار الأمعاء الخاوية، ومنْع المدد الخارجي عنها، بكل السبل.

هذا هو حالنا الآن. ولا داعي لدفن الرؤوس في الوحل، فهذا شعب بأكمله، يُحاصر ويُجوّع، على مرأى ومسمع من العالم كله، ويُرهَن مستقبله السياسي بلقمة الخبز. فماذا نحن فاعلون؟ إنّ العالم لا يمزح معنا من سوء الحظ، بل هو جاد تماماً في لعبته هذه، فإما أن نحقق له بعض مطالبه، وإما أن يستمر التجويع إلى ما لا نعرف. وللأسف، فحكومة حماس، ما زالت تراهن على صمودها الإنشائي العبثي أمام الضغوط، على أمل أن ينجح هذا الصمود في كسر الحصار أخيراً. لكن هذه الحكومة لم تسأل نفسها، ذلك السؤال البسيط والعادل: إلى متى يتحمّل شعبها الفقير في غالبيته؟ إلى متى سيظل quot; يأتي على نفسه quot; فلا يجد حليباً للأطفال ولا قطناً طبياً للمرأة البالغة ولا دواء للشيخ؟ فلا يوجد شعب ممكن أن يتحمّل للأبد، ولا حتى لأربع سنوات قادمة هي المدة الدستورية لهذه الحكومة. لقد تعبَ شعبنا من ستة شهور، فما بالك بأربع سنوات؟ هذا مستحيل بداهةً، وهذا ليس من المنطق في شيء. فالناس لم تعد قادرة على مزيد من الاحتمال، والناس تراجعَ مستواها المعيشي إلى مستويات مرعبة، حتى صرنا إذا تناولنا وجبة الفطور، نهكل الهمّ كيف سنتدبّر وجبة الغداء، فهل هذا معقول؟ وهل هذا ممكن أن يستمر؟

إن إضراب المعلمين والعاملين في مجال الصحة، هو أكبر مؤشر على أننا وصلنا إلى لحظة الحقيقة. وعلى أنه لا بد من حلول. فهذان القطاعان هما الأكبر عدداً بين الموظفين. وهذان القطاعان هما عصب الحياة في فلسطين، فلا مدارس ولا تعليم ولا صحة بدونهما. بل هو الشلل الكامل، يطال معظم مناحي الحياة المهمة. ومع هذا، نسمع أصواتاً تُشكّك في مشروعية الإضراب الكبير، وتوحي بأنه إضراب سياسي لا مهني. وهذا يعني، مرة أخرى وأخرى، زجّ شعبنا، في ثنائية الاستقطاب الفصائلي المنبوذة. كلا، حتى لو كانت بعض الجهات في فتح، من وراء المسألة، فلا يمكن لأي مراقب محايد، اتهام كل الموظفين المضربين، بأنّ لهم أهدافاً سياسية، فالجوع وصل إلى أمعاء جميع الموظفين، لا موظفي فتح فحسب، والخرق اتّسع على إمكانيات حماس وغيرها في الرتق. فحماس محاصرة وستظل محاصرة، لذا فالأفضل لها ولنا، أن يجلس الجميع، وأن يبحثوا عن حل جذري لمشكلة اقتصادية هي الأصعب على شعبنا منذ عقود، بل منذ ما قبل عام النكبة.

أما حصر الصراع، على من سيحكم فقط، وكأننا تحررنا وصرنا دولة مستقلة، فهذا عبث طفولي سياسي لا أكثر. إذ لا سلطة لدينا ولا سيادة ولا أي مقوّم من مقوّمات الدولة. حماس جاءت بانتخابات شرعية إلى كرسي الحكم، ولا أحد يشكك في شرعية حصولها على هذا الحكم، لكن المسألة أكبر وأشد تعقيداً من ذلك. المسألة أن العالم كله لا يريد لحماس النجاح في تجربة الحكم، وحماس تعي ذلك جيداً، لكنها إلى الآن، لم تفعل شيئاً، لتجنيب شعبنا ويلات هذا الحصار. ولقد طالبنا وطالب العشرات من كُتابنا وصحفيينا، فلسطينياً وعربياً ودولياً، بتشكيل حكومة وحدة وطنية، منذ البداية، فما من مخرج آخر لتلافي ويلات الحصار، لكنّ حماس لم تسمع من أحد، وضربت بمناشدات الجميع عرض الحائط، ظانة ربما في البداية، أن بمقدورها لوحدها إدارة دفة السفينة. وربما نعذرها على هذا المسلك، لقلة خبرتها في السلطة، فماذا عن الآن وهذه اللحظة الحاضرة؟ ماذا عن استخلاص العبرة من الشهور الستة الماضية؟ وهل يمكن الاستمرار في ذات النهج: نهج انتظار أن يرضخ لنا العالم، وأن يتنازل أمام صمودنا الأسطوري، فنكسب نحن ويخسر هو والعاقبة للصامدين؟ وهل هذه هي الصورة حقاً أم أننا نتوهم فقط لا غير؟

إنّ التبسيط في علم السياسة، ليس من السياسة. فالسياسة، وبخاصة في هذه المنطقة الصراعية من العالم، هي أمر شديد التعقيد والتركيب، ومن الكارثي التفكير بحصرها فقط في ثنائية إما أن نرضخ نحن أو يرضخ العدو. فالعدو لديه دولة قوية ومتقدمة، ولديه اقتصاد متين، فماذا لدينا نحن بالمقابل؟ لا شيء غير وجودنا العاري، لا شيء قياساً بما لدى إسرائيل. لذلك فالتعويل اليوتوبي على هزيمة إسرائيل وفك الحصار، هو محض تعويل يوتوبي: محض المراهنة، كما في كل الأنظمة الأيديولوجية، على quot;صواب الفكرةquot; لا على حقائق ومُعطيات الواقع المادي والعياني. وبين الفكرة والواقع، يضيع الناس، وتدلهّم مصائرهم، وتأخذهم الحيرةُ والتوهان، فلا يعرفون ما هو الصحيح وما هو الخطأ.

إنني، أحياناً، حين يفيض بي الغضبُ على أحوال شعبي، وحين أرى كم خسرنا في سنوات الانتفاضة الأخيرة، التي ما يزال البعضُ ينعتها بـquot;المباركةquot;، أشكّ بأن هذا الشعب، وعلى خلاف كل ما قيل وسيقال عنه، هو شعب، حقاً، يعيش في حالة quot;الدرجة الصفر من الوعيquot;! كل شيء يتدهور: كل شيء يتراجع إلى وضع بدائي هرطوقي، وعلى الصعُد كلها، من أكبر الأمور حتى أصغرها. تمشي في الشارع، فلا تعرف من أين تأتيك سيارة، وتوشك على دهسك (مع أن في بلدك أكثر من ستين ألف رجل شرطة) تذهب إلى مقر عملك، فتجد الفوضى ذاتها. المجتمع ينكفىء من وضعية quot; المجتمع البشري quot; المنظم أو شبه المنظم، إلى وضعية غريبة أقرب إلى مجرد بشر جمعتهم الصدفة، ويفيض عن طاقتهم المكان، دون أن يربطهم قانون مكتوب أو تقاليد شفهية. كل شيء نهب الصدف، نهب العشواء، نهب التسيير الذاتي الفطري، وكأننا لسنا من سكان هذا الكوكب، ولا من مُتنفسيْ هواء قرنه الحادي والعشرين. بل بشر خارجون من ظلمات العصور الوسطى، لديهم الكثير من الأسلحة والقليل من المكان والماء والطعام، وأقلّ القليل من الحكمة. بشر محشورون في مكان ضيق، يتنافسون على تحصيل ما يقيم الرمق، فإن فشلوا، والأغلب أن يحالفهم في مسعاهم هذا المصير، انكفأوا على أنفسهم، ليُفرّغوا فيها، إحباطاتهم وعذاباتهم.
إنهم ضحايا، وكما هو شأن الضحايا، إذا عجزوا عن التفريغ، انقلبوا إلى نهش الذات، الفردية والجماعية، تحت أوهى حجة وأقل سبب.

وصدّقوني: إن ما يحدث الآن في بلادنا فلسطين، هو شيء قريب جداً من الصورة أعلاه، إن لم يكن متطابقاً معها تماماً. رأينا خلال السنوات الست الأخيرة، ما لا نتمناه لأحد. كل ما حصّلناه عبر تاريخ طويل من الدم والمعاناة، يتبخّر في لحظة. مكتسباتُ شعبنا في تأسيس أول سلطة له على الأرض، توشك أن تذهب أدراج الرياح. ليس فقط نتيجة ما تفعله إسرائيل بنا على مدار الساعة، بل أيضاً نتيجة ما نفعله نحن بأنفسنا، على مدار الساعة كذلك. وإلا فلتقولوا لي: لماذا لم نشكّل حكومة وحدة وطنية أو حكومة إنقاذ وطني حتى هذه اللحظة؟ وكيف نفسّر ذلك؟ أهو التلكؤ؟ التطنيش؟ البلادة؟ أهو حساب الفصيل الأهم من حساب الوطن الجريح كله؟ أم ماذا؟ وهل بالفعل لا أمل فينا في التوحّد، وتحمّل المسؤولية كما يليق بشعب من غرارنا يواجه أعتى وأثقل التحديات؟ ماذا ينتظر قادة هذا الشعب؟ أن يموت الناس من الجوع، ثم بعد هذا يجلسون ويتفقون؟ ما هذا الذي يحدث حقاً؟ وبحق الشيطان: ماذا تنتظرون!

لا ماء لا كهرباء لا غذاء لا حليب للأطفال لا سفر لا خروج لا أمن لا أمان لا حاضر لا مستقبل لا صحة لا تعليم لا نظافة شوارع لا وظائف لا لا لا ، فماذا ينتظر قادة فلسطين الأشاوس؟ التعويل الأبدي على تحمّل الناس؟

إن قطاع غزة يبدو الآن أقرب ما يكون إلى مزبلة كبرى. النفايات في كل زقاق وشارع وزاوية. عمال البلديات مضربون هم أيضاً. فلا أحد تقاضى منهم راتباً، باستثناء سُلَفٍ هزيلة صُرفت لهم مرة أو مرتين على مدى 200 يوماً. طفحُ المجاري يُغرق كل شبر في القطاع، فعلى ماذا يتناكف قادةُ فتح وحماس؟ أعلى حُكْم مزبلة؟
لقد أثبت الطرفان بالتجربة، أن آخر شيء يعنيهما حقاً هو معاناة هذا الشعب.
وتلك هي المصيبة الأعظم.
بل تلك هي الطريقة العربية في حكم الناس!