في اطار التأقلم مع الوضع الجديد، وفي محاولة للتخلص من ارث ثقافة المعارضة وخلع جلدها واستبداله بثوب السلطة والحكم، وتماشيا مع ما جاء به الدستور العراقي الجديد الذي اكد على ان العراق دولة ديمقراطية فيدرالية، وكرسالة للدول الصديقة المعنية بالتغيير الديمقراطي في العراق، اقدم كل من حزب الدعوة (الاسلامية) والمجلس الاعلى (للثورة الاسلامية) في العراق على خطوة هامة وشجاعة وبشكل منفرد.
فاما الحزب والذي يعتبر المدرسة الام للحركة الاسلامية الشيعية فقد تمثلت خطوته_ التي عبر عنها البيان الختامي لمؤتمره العام_ بتبني الديمقراطية والفيدرالية، حيث كان الالتباس هو السمة البارزة في خطاب الحزب السياسي والاعلامي طيلة السنوات الماضية فيما يتعلق بهاتين القضيتين. أما الديمقراطية فقد تعاطى معها الحزب بخجل وحياء سببه الخشية من نقمة المتشددين الذين يرون في الديمقراطية (عمل من رجس الشيطان) لانها تتعارض مع مبدأ (الحاكمية) الذي ينص على ان ( الحكم لله) انطلاقا من قوله تعالى ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فآولئك هم الفاسقون)، ولان الديمقراطية لغة تعني حكم الشعب اي حكم الانسان فهي بذلك تتعارض و حكم الله.
على ان الامانة العلمية تقتضي القول ان حزب الدعوة ومنذ تشكيله في نهاية الخمسينيات كرد فعل على تصاعد المد الشيوعي والقومي في العراق كانت تغلي في مرجله موضوعة الديمقراطية، ومع مرور الايام بدأت تظهر للعيان كتابات (دعوية) متناثرة هنا وهناك تناولت الموقف من الديمقراطية، واستمر الحراك الفكري حول هذه القضية بالذات وتطور بشكل ملحوظ حتى عبر عن نفسه في مطلع التسعينيات من خلال البيان السياسي الذي اصدره الحزب بعد انتفاضة أذار، وعبر فيه عن رأيه بالديمقراطية من خلال التعاطي معها على انها (آلية) لتنظيم امور الحكم والدولة وليست نظاما .
وبهذه الطريقة يكون الحزب قد وفق_مؤقتا_ بين التزامه العقائدي الذي يدعو الى تحكيم الاسلام في الارض، وبين الضغوط التي كان يتعرض لها نتيجة التطورات التي شهدها المجتمع الدولي والتي تمثلت بسقوط جدار برلين، وانهيار منظومة الدول الاشتراكية، ونهاية عصر القطبين، وبداية عهد القطب الواحد الذي عبرت عنه الديمقراطية الليبرالية التي قادتها وتقودها الولايات المتحدة الامريكية. لهذا كله ولما ُعرف عن الحزب من نظرة تقدمية _طبعا بالمقارنة مع اقرانه من الاحزاب الاسلامية التقليدية_ قرر في بيانه المذكور تبني الديمقراطية في خطابه السياسي والاعلامي ولكن كما تقدم كـ(آلية) وليست كنظام سياسي.
اما الفيدرالية فقد ُعرف عن الحزب تحفظه عليها، وطرح بدلا عنها مفهوم (الولايات) باعتباره مفهوما اسلاميا عُمل به في عهد الخلفاء الراشدين وتحديدا في عهد الامام علي (كرم الله وجهه)، حيث كان العراق من الناحية الادارية مقسما الى ولايتين هما الكوفة والبصرة، وكان يسمى آنذاك بالعراقين اي عراق الكوفة وعراق البصرة، ومن هنا وجد الحزب نفسه ملزما في التحفظ على مفهوم الفيدرالية باعتباره مفهوما (غربيا) وتبنى بدلا عنه مفهوم (الولايات) باعتباره مفهوما ذو اصالة اسلامية. وعلى اي حال، فان ما يُسجل للحزب هو تحليه بالمرونة عند التعاطي مع الجديد، ومحاولة التوفيق بين هذا الجديد وبين المفاهيم التي يتبناها كحزب اسلامي. ومما تقدم نصل الى ان تبني الحزب لكل من الديمقراطية والفدرالية بشكل صريح يعد خطوة ايجابية تسجل للحزب وان كان هناك من داخل الحزب من يقول ان الحزب لم يتحفظ على مضمون الفيدرالية بل على نوعها وشكلها.
لكن مع كل ما تقدم تبقى هذه الخطوة ناقصة، ولا تكتمل من وجهة نظري الشخصية الا بخطوة جريئة وشجاعة تتمثل بتغيير اسم الحزب الى آخر يعطي مصداقا واقعيا على تبنيه الديمقراطية كخيار استراتيجي وليس كتكتيك، حتى يفوت الفرصة على من يتصيد بالماء العكر، وحتى لايضع نفسه في حرج سياسي مثلما هو حاصل الان مع الاحزاب الشيوعية في العالم العربي والتي رغم سقوط الشيوعية فأن بعضها لايزال يصر على الاحتفاظ بأسمه، وهذا ما فعله المجلس الاعلى (للثورة الاسلامية) في العراق حينما اقدم مؤخرا وبكل براغماتية على رفع كلمة (الثورة) من اسمه وتغييره الى المجلس الاعلى الاسلامي العراقي،وفكه الارتباط بمرجعية(الولي الفقيه)غيرالعراقية،واستبدالها بمرجعية أية الله السيستاني في اشارة واضحة منه على تبني الخيار الوطني وسد باب الذرائع، والقام كل من يتهمه بالتبعية لمرجعيات خارج الوطن حجرا، وهذه هي الخطوة الايجابية والصحيحة التي اقدم عليها، لكنها هي الاخرى تبقى غير مكتملة، وذلك لانه_ اي المجلس_ في هذه الخطوة يبدو وكأنه يصر على زج المرجعية الدينية في الشأن السياسي وتحويلها من مرجعية عامة الى خاصة، اي من مرجعية روحية لكل العراقيين على اختلاف انتماءاتهم الى مرجعية حزبية في الوقت الذي ترفض المرجعية ذاتها مثل هذا الامر لانها تعتبر نفسها _وهذا هو الواقع_ خيمة لجميع العراقيين.
الذين يعتروضون على ذلك، ينظرون الى خطوة المجلس الاعلى على انها استقواء بالمرجعية الدينية في العمل السياسي، وهو الامر الذي يتناقض مع مفاهيم الديمقراطية وبناء المجتمع المدني الذي لايخضع لسلطة الكهنوت. نعم يمكن تفهم الاسباب والدوافع التي جعلت من المرجعيات الدينية تتدخل في الشأن السياسي العراقي وذلك بسبب الفراغ الذي حصل بعد عملية التغيير، وكذلك لما تمتلكه المرجعيات الدينية من احترام وتقدير وثقة لدى اغلب شرائح المجتمع العراقي، فكان تدخلها عملا ً حكيماً وسليماً حقنت من خلاله دماء العراقيين. ولابد من التذكير ان تدخلها كان مؤقتا، والدليل على ذلك أن مرجعية السيد السيستاني رفضت مؤخرا التدخل ببعض القضايا ذات الطابع السياسي، مما يؤكد على ان ليست لديها النية او الرغبة في مزاولة العمل السياسي لانه يتضارب ونهجها القائم على الرعاية الابوية للمجتمع والترفع عن النزول الى عالم السياسة الملئ بالتناقضات مما يفقدها _اي المرجعية_ مكانتها التي اكتسبتها من حياديتها وموضوعيتها وأبوتها الروحية.
بقي ان نقول ان دعوتنا للاحزاب الاسلامية للتخلص من ارث الماضي وتبنيها للديمقراطية على مستوى اسمائها وأقوالها وافعالها، يأتي من اجل أخراجها من شرنقة الايديولوجية الدينية والطائفية الضيقة ونقلها الى خانة الاحزاب المدنية ذات الطابع الانساني المتحضر، الامر الذي سيساعدها على التأقلم والتكيف مع المتغيرات الحاصلة في المنطقة بشكل عام وفي العراق بشكل خاص مما سيحفظ لها بالتالي تضحياتها عبر تاريخها النضالي الطويل، وهذا وفاء منا لها ولشهداءها وعملا بقوله تعالى( وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) وتطبيقا للحديث الشريف (انما الدين النصيحة) والسلام ختام.
[email protected]