الهيمنة بالحرب تجر ردوداً من طينتها
لم يكن مقدراً لاجتماع وزراء الخارجية العرب الطارئ الذي انعقد في القاهرة لمعالجة الأزمة اللبنانية ان يخرج بنتائج افضل من تلك التي خرج بها. زيارة عمرو موسى والوفد الوزاري الذي يرأسه وزير خارجية قطر حمد بن جاسم إلى بيروت في مثل هذه الظروف التي يمر بها لبنان تعطي اللبنانيين املاً في شيء من الهدوء. رغم ان أمر الهدوء كان مشكوكاً فيه، بعدما دفعت مغامرة "حزب الله" وحركة "أمل"، للهيمنة على لبنان، البلد بجميع طوائفه إلى فم الهاوية. ذلك ان الهيمنة التي يتوخاها الطرفان بدعم واضح من أركان الطائفة الشيعية تتوسل العنف المسلح وسيلة للقبض على مقدرات البلد جميعاً والتحكم بقراراته السياسية كافة. ومثل هذه الوسيلة لا تلقى اعتراضاً إلا من طينتها. بخلاف الوسائل الأخرى التي حاولت طوائف اخرى ان تهيمن على البلد من خلالها. سواء في تاريخه البعيد، منذ ما قبل نظام المتصرفية والقائمقاميتين وحتى التاريخ القريب مع اطباق المقاومة الفلسطينية على قرار البلد السياسي بدعم من فئات لبنانية وازنة واستقواء طرف آخر باسرائيل لتحقيق حلم الهيمنة.
في كل مغامرة من هذه المغامرات كان الطرف المحلي الطامح إلى الهيمنة يستقوي بالخارج على خصوم الداخل، لكنها المرة الأولى التي لا يملك فيها الطرف الطامح للهيمنة أي اواصر مشتركة مع الأطراف الأخرى. وبصرف النظر عن الحديث المتكرر عن الانقسام السياسي في لبنان، ونفي حصول الانقسام الطائفي، إلا ان واقع الأمر وما اثبتته الاحداث الأخيرة يثبت ان ليس ثمة من انقسام سياسي ولا من يحزنون. وان الانقسام طائفي حتى العظم. بل ان الحديث عن انقسام سياسي وتصديق بعض اللبنانيين هذا الأمر يكاد يعصى على الأفهام، حين يكون الطرف المهيمن في المعارضة من مواليد الحرب الاهلية السابقة التي امعنت في تمزيق اواصر البلد ومحاربة اجتماعه المتنوع وكل ما هو مشترك بين الفئات اللبنانية. وليس من قبيل الإعتداد والحصافة ان يلجأ المرء ليثبت سياسية الانقسام اللبناني بين عملاء اميركا وعملاء ايران، ان يستند في علمانية الانقسام وسياسيته ونفي الطائفية البغيضة عنه، إلى رحابة احمدي نجاد وعلمانيته، وعمق اتصاله بالحداثة. هذا فضلاً عن ان "حزب الله" لم يوطد سيطرته على المناطق التي تؤول السيطرة فيها إليه، إلا بعدما خاض في سياسة تطهير مذهبي وطائفي طويلة النفس، ادت في ما ادت إليه إلى تحويل مناطق سيطرته، المدينية منها خصوصاً، إلى مناطق ذات غلبة مذهبية كاسحة.
وشهدت الأيام الاخيرة من الاشتباكات في لبنان ما يجعل هذه الصورة اوضح كثيراً. حيث كان عنوان الاشتباكات المعلن التي حصلت في قضاء عاليه، وصل الضاحية الجنوبية ببلدتين شيعيتين في عاليه تفصلها عنهما قرى وبلدات درزية ومسيحية، وتأمين طريق الضاحية الجنوبية إلى البقاع للحزب. الامر الذي يعني ان شعار "مقاومة اسرائيل وحماية هذه المقاومة" الذي ترفعه المعارضة، لا يقيم وزناً يعتد به لمن يريد مقاومة اسرائيل من الطوائف الأخرى. مما يجعل الطائفة الشيعية مختصة بالمقاومة باعتبار انها احدى وظائفها الحيوية في لبنان.
معضلة محاولة الهيمنة بالقوة العسكرية وحدها تتأكد في انها تستدعي ردوداً مماثلة من الطوائف الأخرى. ومغامرة الطائفة الشيعية التي دخلت حيز التنفيذ الفعلي قبل ايام تؤدي بلبنان إلى مهالك لن يكون من نتيجتها حماية المقاومة ولا ما يتجاوز المقاومة إلى اهلها وجمهورها. ذلك ان مقاومة الهيمنة لا بد ان تأخذ طابعاً مسلحاً، مما يعني ان الطوائف الأخرى ستباشر البحث عن اطراف خارجية مستعدة للدعم العسكري والتدريب والتمويل لمواجهة التحدي الذي تفرضه عليها مثل هذه المغامرة، وهذا ما سيجعل لبنان مرة اخرى خاضعاً بكامله لنفوذ اجنبي مباشر في القريب العاجل، وهذه المرة لن ترى القوى الرافضة للهيمنة، والتي باتت في طور التشكل لدى الطوائف الأخرى التي يريد مشروع "حزب الله" اخضاعها، في اسرائيل شراً مطلقاً، بل سيكون الباب مفتوحاً على مصراعيه لعلاقات وثيقة.
في هذه الحال يثبت "حزب الله" نظريته في ان الطوائف الأخرى متعاونة مع اسرائيل والولايات المتحدة الاميركية لكنه يكون قد خسر كل اسباب قوته ومنعته. وتكون المقاومة التي بذلت تضحيات لا حصر لها في مواجهة اسرائيل قد اعادت اسرائيل إلى لبنان من ابوابه السبعة بعدما اخرجها "حزب الله" من شباك المقاومة.
أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه