كامل الشيرازي من الجزائر: يقرع السيناريست والمخرج المسرحي الجزائري البارز "محمد شرشال" أجراس الإنذار، ويقول في هذا الحوار الخاص بـ "إيلاف" إنّ "المسرح في الجزائر يعيش أسوأ أزماته"، وينتقد بشدة السياسة الثقافية المعتمدة في بلاده، قائلاً إنّ الفن الجزائري صار يفتقد أيضًا إلى جمهور، ويعد "محمد شرشال" الجمهور العربي بمفاجأة خاصة في غضون الفترة القادمة.
كيف جئت إلى الفن؟ وهل أنت سعيد لمزاوجتك بين الإخراج المسرحي وكتابة السيناريو؟
جئت لهذا الفن من باب الفضول والرغبة في المغامرة، كالذي يدخٌن أول سيجارة وهو في أوجٌ طيش شبابه... لا أستطيع تحديد متى وكيف أصبحت مدمن مسرح... الذي أعرفه أنّ خطواتي الأولى في مجال المسرح (كهاوٍ طبعًا) كانت في بداية ثمانينات القرن الماضي، إثر مبادرتي لإنشاء فرقة مسرحيٌة بالثانوية التي كنت أزاول دراستي الأدبية فيها، فرقة كنت منشٌطها، كاتبها ومخرجها العصامي طبعًا.
أما في مجال كتابة السيناريو فهي تعود لسنة 2001 حين ساهمت بكتابتي لحوارات مسلسل الغائب الذي أخرجه المخرج التلفزيوني الجزائري الأستاذ دحمان أوزيد، وبخصوص مزاوجتي بين الإخراج المسرحي وكتابة السيناريو، فأنا محظوظ جدًا، فلقد جمعت بين تخصٌصين يستفيد كل من الآخر، فالإخراج أهلني لأكتب بشكل ومضمون صحيحين، أما العكس جعلني أوظف الكلام في محله.
هل حقًا الفنان لا يكتب في حياته سوى عمل واحد مهم وذي قيمة؟
نعم، إذا كان هذا العمل الواحد المهم وذا قيمة هو الرصيد الفني.
ما المسافة الفاصلة الآن بين الفن والمتلقي في الجزائر، تحديدًا المسرح، ما الذي يمكن لمخرج مثلك أن يقوله هناك، هل هناك عودة واردة أو أكيدة للمسرح والسينما في الجزائر بشكل آخر أم هناك تبني مطلق ونهائي للممارسات السائدة حاليًا؟
لقد أنجبت الرداءة التي يعاني منها المسرح في بلدي، نوعًا غريبًا من الجمهور، جمهور أعمى، مستهلك ساذج، يُصفق ويُهلل ويزغرد على لاشيئ.. هذا النوع من الجمهور أعتبره دخيلا على الميدان، جمهور يشبه إلى حد كبير بساطة وسذاجة المسرحيٌات المقترحة، فالجمهور الحقيقي هجر قاعات المسرح المسكينة.. مسرح الدولة أصبح يشبه إلى حد ما المؤسٌسات المفلسة الأخرى، العاملون به موظٌفون وغير مطالبين بأكثر من الحضور الجسدي.
أنا أرى أن المسرح في الجزائر يعيش حاليا أسوأ أزماته، فالممارسة المسرحيٌة أصبحت رهينة جهل القائمين على الشأن الثقافي، كيف لا والمناصب التكنوقراطية ما زالت منذ الاستقلال مناصب سياسية، كيف لا ومدير أحد المسارح العريقة المشهورة في الجزائر لا يحمل شهادة ابتدائية.
لقد تمكن الجهلة من السيطرة على مواقع القرار والتنفيذ في الممارسة المسرحية، وأقصي كل من له صلة بالعلم والإبداع والتمكن من الحرفية المسرحية، ولقد صدق شاعر الثورة الجزائريٌة مفدي زكريا حين قال:
وبعضهم أغربوا في السخافة... وبالجهل يحتكرون الثقافة
النتيجة واضحة ميدانيا لكل مبصر يرى أمور على شاكلتها، مسرحيات رديئة، جمهور يصفق على طول، إعلام متواطئ، الاستغلال البشع للفنانين، استعمال الفن للربح المادي والمعنوي، وأقصد بالمعنوي المنصب السياسي الذي تكلمت عنه آنفا، فضائح، إختلاسات وفواتير مضخمة، لا يمكن للمسرح أن ينتفض في ظل غياب قانون أساسي يحمي الفنٌان، دون وجود نقابات حرة.
من المستحيل أن يكون المسرح بخير والتكوين المسرحي أعرج، دون أي أرضية وإستيراتجية ثقافيٌة واضحة المعالم، مع الأسف ما زلنا ومنذ الاستقلال نسير قطاع الثقافة كما نُسير دارا للشباب، بمعنى آخر ما زالت المناسباتية هي المحرك الرئيسي للفعل الثقافي في الجزائر، لذا وبلا تشاؤم، أرى أن هناك تبنيًا مطلقًا ونهائيًا للممارسات السائدة، لأنّ من يقف وراء هذه الممارسات اللاحظارية، هم المستفيدون من هذا النوع من التحايل ، لقد أوجدوا الحجٌة ليغرفوا من بترول الجزائر باسم الفن والثقافة، وما ميزانية تظاهرة (الجزائر عاصمة الثقافة العربية) مقارنة بنتائجها الهزيلة، لدليل واضح على المهزلة التي تركت مكانها الطبيعي على خشبة المسرح، وأصبحت واقعًا معاشًا وقدرًا محتومًا.
لقد بلغت التكلفة الإجمالية ما يزيد عن 7.7 مليار دينار (ما يعادل 770 مليون دولار)، قيمة كان يمكن أن تُوجٌه للبنية التحتية للفعل الثقافي، عار على بلد يعيش في عصر التكنولوجيا ولا يملك أكاديمية للفنون، أو مدينة للإعلام، إلخ.
بعضهم يرى أنّ المسرح يوحي أو يحيل أو يقول مشاغلها دفعة واحدة أما السيناريو فعلى جرعات، هل هذا يحدث عادة لديك أم في بعض التجارب فقط؟
إن الكتابة للمسرح يجب أن تتم بأدواتها الخاصة، والشيء نفسه ينطبق على السيناريو، لكن يبقى الرابط بينهما في اعتقادي هو حرفيٌة الكتابة الدراميٌة، أي أن كيفية بناء القصٌة بتفاصيلها كالعرض، تسلسل الأحداث، الحدث الرئيس، العقدة ثم الانفراج واحدة، أي أنّ الكاتب في الحالتين يلجأ لاستعمال وسائل الكتابة الدرامية من تدرج منطقي للأحداث، وتصرف عقلاني للشخصيات، وكذا اعتماد الحوار على مقاصد الشخصيات، نظرًا لعمل هذه الأخيرة على الوصول إلى تجسيد أهدافها المادية والنفسية، أي أن التكنيك المعقٌد لبناء النص المسرحي أو السيناريو هو الجامع بينهما.
ماذا يمثل لك الإبداع وماذا يعني لك المسرح، وهل طقسك الفني يميل إلى التمرد والتحديث أم إلى المواربة ؟
الإبداع كما قال أرسطو في فن الشعر محاكاة، أنا أرى أنّ المبدع هو القريب لأن يكون خليفة اللٌه فوق الأرض، لأنٌه أقرب إلى ملاحظة جمال خلق اللٌه سبحانه وتعالى.
المسرح في اعتقادي ورشة لا متناهية من البحث والتمحيص في أغوار النفس البشريٌة من خلال روح العرض المسرحي المجسٌدة في الممثٌل، هذا الأخير أعتبره المتعامل الرئيسي للمخرج وللفرجة المسرحيٌة بصورة عامٌة.
طقسي الفني إن صح التعبير يميل إلى التمرد و الالتزام في آن واحد، فأنا متمرٌد على كل ما هو كليشيهات بالية، ممارسات نمطية لمسرح يكذب في كل شيء، يكذب بمؤلفيه، ممثليه ومخرجيه.. أنا ضد المسرح الاستعراضي، والاستعراضي لا يعني الغنائي، أو الراقص. متمرد نعم ولكني ملتزم بصرامة في طريقة اختيار الأعمال المتلائمة مع أفكاري، ملتزم باحترام ميكانيزمات الكتابة للمسرح في أدق تفصيلاتها. فمن أجل بلوغ الوحدة العضويٌة للعرض، وجب تفكيكه إلى أجزاء متناهية الصغر ليسهل هضمها.
ما هي أهم مرجعياتك أو متكآتك الفكرية، الأدبية، القرائية؟
بغض النظر عن كوني فنٌان مسلم، عربي، جزائري وأمازيغي الامتداد، فأنا مغرم بالحضارة اليونانية، أنا معجب بحضارة وضعت الإنسان في مركز اهتماماتها، إلى درجة محاكاة الآلهة لأفعال البشر.
هذا الاختيار يعود لكون قدماء الإغريق بادروا بوضعهم بذور الممارسة المسرحية، لقد تشرفت بمعرفة هوميروس عبر الإلياذة والأوديسة، ممتن لفن الشعر لأرسطو، شاكرا لأسخيلوس، سوفوكليس، يوريبيديس وأرسطوفانيس، والشعر الراقي المخلد على مر العصور فيما وصل من نصوص.
لا أخفي تأثٌري بالمسرح الألماني عبر أوٌل من استعمل مصطلح الإخراج، غوته وكتاباته حول الفن، غوته ومسرحياته الانقلابية وما "فاوست" إلا دليل على عبقريٌة هذا المفكٌر.
سبق لي وأن أخرجت مسرحية "علماء الطبيعة" للكاتب الألماني الشهير "فريدريتش دورينمات"، وهو عمل تناول موضوع استغلال العلم والعلماء من طرف قوى استبدادية، لغرض الاستحواذ على أسلحة الدمار الشامل.
من الجانب العملي، أعتبر نفسي من خدٌام الواقعية الانفعالية لمؤسسها قسطنطين ستانيسلافسكي، ولا يمكن فصل ستانيسلافسكي عن أنطون تشيخوف فكلاهما يشتركان في المنظور البنائي نفسه للحبكة المسرحيٌة من خلال البناء النفسي للشخوص الصغيرة الكبيرة.
لقد قرأت لكثير من الكتاب والمخرجين العالميين، على غرار الفرنسي موليير، الشاعر الانجليزي وليم شكسبير والذي أخرجت له رائعته هاملت، إضافة إلى الدراماتورج الألماني شريدر وحدسيته، مؤسٌس المسرح الشكسبيري بألمانيا إيمرمان، لوب وأوتو براهام في الإخراج الداخلي وكثيرين ممن كان لهم تأثير طيٌب على تطوٌر المسرح العالمي.
ولكن يبقى الكاتب الفرنسي الجنسية الروماني الأصل "أوجين يونسكو" في نظري، أفضل كاتب درامي على الإطلاق، لقد تأثٌرت شديد التأثٌر بنظريٌة الحقيقة الجمالية. وعلى فكرة أنا أرفض أن يُصنٌف يونسكو ضمن كتٌاب اللامعقول. في رأيي هو أكثر واقعيٌة من الواقع نفسه، ولقد سبق لي أن أخرجت له مسرحية "الملك يموت"، ونلت بها جائزة أحسن عرض متكامل في المهرجان الأورومتوسٌطي الثاني المنعقد بالجزائر سنة 2002، وأنصح الشباب والمهتمٌين بالحقل المسرحي قراءة كتابه "ملاحظات وملاحظات مضادة".
ما هي أهم قناعاتك التي تدافع عنها وتكتب انطلاقا منها ولها ؟
الحرية رأسمال كل فنان يحترم فنه وذوق جمهوره، لا يجب أن يُساوم فيها مهما كانت الإغراءات، لآن الحريٌة مطيٌة الخيال والإبداع، آفاق لا متناهية من السؤال، سؤال يجب أن يطرح رغم انف السياسة والأفكار المكيافيلية.
أنا من الجنود المدافعين عن الفن الجميل، المبهر، المتضمٌن لمشروع حضاري يضع الإنسان النقطة التي يلتقي فيها جميع البشر للعيش في سلام. فهل أنا مجنون؟
ماذا عن مشاريعك المستقبلية، وعلى أي سماء نفترق / أقصد نلتقي؟
كما صرٌحت لـ"إيلاف" المحترمة، أنا بصدد وضع اللمسات الأخيرة لمسلسل تلفزيوني يتناول أثر الحقبة السوداء الذي مرٌت بها الجزائر من منظور اجتماعي، العمل يحمل عنوانا مؤقتا (المال والبنون) حفاظا على سريٌة العنوان الأصلي (..)، العمل إن شاء اللٌه موجٌه لجمهور عربي واسع عبر إحدى القنوات التلفزيونيٌة العربيٌة.
نفترق إن شاء اللٌه بالعرفان لصحيفتنا الرائدة "إيلاف" وشاكرا لها منحي مسافة من المكان والزمان، وأقدّم عنوان البريد الالكتروني لكل من يودّ التواصل معي، وهو:Charchal2007@yahoo.fr