عائلات عربية في النروج تتحدث لـ "إيلاف":
كيف نحمي أعراضنا دون أن يطالنا القانون؟
ركان الفقيه من أوسلو: وقف الرجل الخمسيني واللاجئ في النروج داخل قفص الاتهام، مطأطئا الرأس، محدقا في أرض محكمة درامن drammen بالقرب من العاصمة أوسلو، وهو يصغي إلى القاضي الذي كان يتلو على مسامعه تهمة إجبار ابنته في العام 2004 على الزواج من رجل في العراق، والتي لم تتجاوز في حينه سنتها الخامسة عشرة بعد خطفها خارج النروج.
إنها القضية الثانية التي تنظر فيها المحاكم النروجية هذا العام تحت عنوان "الزواج القسري" لفتيات من أبناء اللاجئين، حيث انتهت المحكمة في القضية الأولى إلى إصدار حكم بالسجن وبتهمة الإكراه على الزواج تحت طائلة التهديد، إثر إجبار فتاة كردية – في السابعة عشرة من عمرها- على الزواج من رجل اختاره الأهل لابنتهم، بعد استدراجها إلى العراق، واستمر الوالد بتهديدها بعد عودتها إلى النروج لطلبها الطلاق، حيث يعتبر القضاء النروجي فعلاً كهذا جريمة اغتصاب يعاقب عليها بالسجن والغرامة المادية، وتتعاون في ذلك دوائر الشرطة، القضاء، وحماية الطفل والمرأة.
تثير القضيتان جدلا ونقاشا كبيرين في وسائل الإعلام، وأوساط الرأي العام، والهيئات المختصة التي تعتبر في غالبيتها النظر بهاتين القضيتين قرارا تاريخيا، لابد أن يوقظ العدالة الدولية وهيئات حقوق الإنسان، حيال فعل كهذا يتنافى مع الحد الأدنى لحقوق المرأة، في حين يرى البعض الآخر في الأمر نوعا من صب الزيت على النار، ويدفع الكثير من الرجال إلى الشعور بفقدان السيطرة على العائلة، وبالتالي اهتزاز مكانتهم التي لا بد من استعادتها بممارسة المزيد من العنف.
لا تنتهي المسألة هنا، فزوبعة السجال حول مدى الوحشية التي يتسم بها الزواج القسري، تأخذ في طريقها كل القضايا المتعلقة بمشكلة الزواج لدى اللاجئين العرب والمسلمين في النروج، والذي يتزامن أيضا مع قضية امرأة نروجية أخرى قتلت في حادث سيارة غامض في كردستان العراق –نجا منه السائق- ودارت الشبهات حول اعتباره مدبرا، وتكمن خلفه جريمة شرف، تم على أثره القبض في سياق التحقيق بالقضية على الوالد والجد لجهة الأم والسائق، وشهدت الحادثة اهتماما نروجيا كبيرا، لكون العائلة من مواطني هذه الدولة، وبما في ذلك لجوء القضاء والبوليس النروجيان إلى وضع يدهما على القضية.وحيث كانت حادثة أخرى قد حصلت العام الماضي وأدت إلى وفاة ثلاث شقيقات باكستانيات بعد إقدام شقيقهن على إطلاق النار عليهن اثر اتهامه إحداهن ببناء علاقة غير شرعية مع شاب نروجي.
ويقود الجدل المتصاعد في النروج، حول قضية الزواج الإجباري إلى فتح الباب على مصراعيه، أمام البحث في الأسباب الكامنة وراء انتشار هذه الظاهرة وغيرها من أشكال الزواج غير العادية التي تحصل أحيانا في أوساط اللاجئين العرب والمسلمين، الذين في غالبيتهم الساحقة ينطوون على ذاتهم داخل المجتمع النرويجي، ويعودون إلى ممارسة الشعائر الدينية والتقاليد السائدة في بيئاتهم الاجتماعية الأصلية، وقضاء القسم الأكبر من أوقات فراغهم في المساجد، ودور العبادة الخاصة بهم، بسبب الاختلاف الشاسع في منظومة القيم والعادات الاجتماعية، وخصوصا المفاهيم المتعلقة بالزواج والجنس، كالشرف والعذرية والموقع الاجتماعي للمرأة، وخصوصا في ظل انتشار ظاهرة "الإسلاموفوبيا" واتهام الإسلام كدين وعقيدة فكرية في التسبب بنزعة العداء للغرب، الأمر الذي يفاقم مشكلة الاندماج في المجتمع النروجي خصوصا والغربي على وجه العموم، وكل ذلك في ظل قصور، يطاول القوانين والممارسات المتعلقة برعاية وإدماج المهاجرين، ويدفعهم إلى الإنغلاق، ويجعل الكثير من الظواهر الاجتماعية غير العادية تنتشر في أوساطهم، ومن بينها الزواج القسري، الذي تجبر عليه الفتيات القاصرات، بل ويؤدي في الكثير من الحالات إلى هروب العائلة بكامل أعضائها من النروج، بغية النفاذ ببناتها من الغرق في مغريات وعادات المجتمع الغربي.
تقول "حميدة" وقد بدت الحسرة على وجهها : "ظل حلم السفر إلى النروج يراودنا، زوجي وأنا ، منذ خطوبتنا وحتى بعد مرور سنوات على زواجنا، وبعد معاناة طويلة نجحنا في اللجوء إلى هذه الدولة، حيث بعنا منزلنا، وكل ما نملك، وأنفقناها كمصاريف للوصول والإقامة". وتضيف اللاجئة الصومالية في النروج، منذ قرابة السنتين : "لكن بعد مرور فترة قصيرة على بداية العام الدراسي الماضي، فاجأتني ابنتي الكبرى، وهي تعود إلى البيت، وفي جعبتها المدرسية حبوب منع الحمل، وأخذت تشرح لنا تفاصيل الدرس الذي تعلمته، ومتى يجب عليها تناول تلك الحبوب، فصدمت وأخبرت والدها، الذي ومنذ ذلك الوقت أصبح مهجوسا وللأسف، بإجراءات العودة التي باتت بمنتهى الصعوبة، بعد أن خسرنا كل ما نملكه في الصومال" .
ولا تختلف المعاناة التي تعيشها عائلة "ابواحمد" سائق التاكسي والمتدين جدا، عما تواجهه عائلة حميدة مذ وطأت قدماه أرض النروج عام 2000 حيث يؤكد قائلا: "إن دخلي عال، وأعيش أوضاعا جيدة من الناحية المادية في بلد يتميز بأفضل مستوى للمعيشة والأمن في العالم، بل ويتمتع بطبيعة خلابة جدا، ولكن رغم من ذلك حصلت لي حادثة أصابتني بالصدمة، وجعلتني أفكر بالعودة إلى لبنان بشكل دائم". ويروي "أبو أحمد" تلك الحادثة بكثير من القلق، عندما عادت منذ مدة إحدى بناته ومعها صديقها في المدرسة، وأرادت الدخول وإياه إلى غرفتها الكائنة في الطابق العلوي من المنزل، الأمر الذي أدهش الوالد، وعمل على إقناعها بأن سلوكا كهذا يتنافى مع العادات والأعراف العربية والإسلامية، واستطاع إقناع الإبنة باستقبال وتكريم ضيفها في صالون المنزل، ويختم أبو أحمد بالقول أنه وإن استطاع إقناع ابنته في المرة الأولى بعدم الإقدام على فعل، يتنافى والأعراف العربية والإسلامية، فإنه غير واثق أن بمقدوره فعل ذلك في المرة القادمة، خصوصا بعد أن تكبر وتصبح لديها كل الحرية في فعل أي شيئ تراه مناسبا.
إذا كان التناقض الهائل، والاختلاف في العقائد والقيم والأعراف بين الجاليات اللاجئة، وأبناء البلاد الغربية التي يحط المطاف بهم في ربوعها، ينتهي هروبا ببناتهن إلى بلادهم الأصلية، إنقاذا لهن من الانخراط في الحياة الاجتماعية الغربية، وإذا كانت الكثير من الفتيات اللواتي تقعن ضحية الزواج القسري، ينتهي المطاف بهن، إما في دوائر الشرطة والقضاء، او في دور البغاء وربما القبور، فان المشكلة نفسها، تنعكس لدى الشباب العربي والمسلم اللاجئ في بلاد الغرب، إما عزوفا عن الزواج الدائم واعتماد أسلوب الزيجات المؤقتة كالمتعة، والمسيار، وبناء العلاقات العابرة مع الفتيات الاجنبيات، وإما انخراطاً في عملية بحث عن الزوجة الموعودة، بدءا بالشبكة العنكبوتية وعبر مواقع الزواج الإلكتروني، وصولا إلى إشراك الأهل والأصدقاء في عملية بحث متواصل عن فتاة الأحلام في البلد الأم، أو أوساط المهاجرين العرب والمسلمين في بلاد الاغتراب.