إيلاف: الشركة / التحرير | إجعلنا صفحتك الرئيسية | المواضيع الأكثر زيارة | دليل إيلاف | إتصل بنا | Advertise | RSS Feeds
 العدد 3110 الخميس 26 نوفمبر 2009 آخر تحديث  GMT 3:06:00 AM

  Facebook
  Delicious
  Stumbleupon
  Digg
  Reddit
إيلاف>> ثقافات>> لقاء إيلاف   
    

الناصري: صعقة الشعر جاءتني عبر اكتشاف الموت

GMT 16:30:00 2005 الإثنين 29 أغسطس

عادل كمال


من الشوارع الخلفية للثقافة العراقية:

حوار مع الشاعر نصيف الناصري

حاوره عادل كمال: وجدت أن ابدأ معك الحوار، من خلال مداخلتك التي قدمتها في الاستفتاء، الذي اقترحه: "موقع ايلاف" الالكتروني، حول مستقبل الشعر العراقي. كانت مداخلتك مهمة بالنسبة لي كشاعر اعرفه عن قرب. أثار انتباهي - وانت مقيم في السويد لحد الآن - انك في تلك المداخلة افصحت عن رؤيا متشائمة، حول مستقبل الشعر العراقي، اذ قلت بالحرف الواحد: "لا أتوقع ان تظهر تجارب مهمة في الشعر العراقي في المستقبل" فهل هذا لأن مـَن سبق من الشعراء قد استنفذوا كل اشكال التجارب الشعرية، فلم يعد هناك ماهو جديد تحت الشمس، أم أنك تعتقد أن نبع المواهب الاصيلة قد جف، فلم يعد هناك، في مجراه، زورق شعري، بامكانه ان ينقل، خلال صراعه مع التيار، تجربة شعرية مهمة، أم ماذا؟
من جانب اخر: ماذا نقصد عندما نقول: تجربة شعرية؟ حقا، ما هي التجربة الشعرية؟ هل هي تلك السنوات التي يقضيها المرء في كتابة الشعر، معزولا عن العالم وعن الحياة؟ أم هي تلك المخاضات، عديدة التجليات، التي يكابدها المرء من اجل ان يكون شاعرا؟ أم هي هذي الادعاءات الفارغة، من اي محتوى، والتي تغطي هاماتنا، كلما ضغطنا على زر الحاسوب، ليطفر امامنا مفهوم سائب، مهلهل، وغير مسؤول، عن التجربة وعن الشعر، وكأننا حفنة من المغفلين،او التلاميذ، أو الاميين..؟
على هذا المنوال هناك اسئلة كثيرة، بات من الضروري اثارتها، في خضم واقع اعلامي خطير، كانتشارالشبكة العنكبوتية - النت مثلا، وهي ظاهرة عالمية، وفي خضم واقع اعلامي عراقي جديد، يتمثل بتعدد المنابر الاعلامية: المجلات، القنوات الفضائية، والاعداد الهائلة من الصحف المتنوعة، والتي جميعها تولي للشعر وللشاعر اهمية استثنائية، غالبا مايتضح انها ناجمة عن حاجة ماسة، لملأ الفراغات في الصفحات الثقافية، او في بعض المواقع الالكترونية التي انتشرت كوباء، كسرطان، لايمكن ايقافه، ناهيك عن بعض المواقع الشخصية لـ " شعراء وشاعرات " - هناك استثناء طبعا لأصوات اصيلة - رأس مالها الوحيد في الانتشارهو المراهقة، والعلاقات الاخوانية، والصبيانية، تحت يافطات فجة ومجانية، في ماراثون من الادعاءات الفارغة، التي لم يسبق لها مثيل، اذ لاتقاليد ثقافية أو شعرية، ولا خبرة - ولو بسيطة - بالنشر، لأن النشر، هو الآخر، يمثل عملية خطرة، خطورة كتابة قصيدة، او رسالة حب الى امرأة، وليس هو نشر ثياب غيرمغسولة جيدا على حبل غسيل: هل هذا هو الشعر حقا؟ أم نكتة كونية، كنكتة تحول التحرير الى احتلال؟
نصيف: هل الشعر رسالة؟ خاطرة؟ حب عاثر؟ محاولة للتعبير؟ طريقة ما في الاستغفال او التفكير: ضحك على الاخرين، وجرجرتهم الى القيعان المنخفضة للسادة الزعماء، او هو فك اشتباك مع الأشياء؟

نصيف الناصري: طالما شكوت من أساليب الوصايا الفجة والتهميش، الذي يمارسه البعض ضد مشروعات الشعراء، في المغامرة والتجريب، والبحث عن أشكال وموضوعات جديدة، وقد نشرت شكواي هذه في مجلة (الأقلام) عام 1993، ضمن عدد مخصص للتجارب، التي أعقبت تجارب الشعراء، الذين أصطلح النقد على تسميتهم بـ الشعراء الرواد. بعد ربع قرن في الحياة مع الشعر والاخلاص للعملية الشعرية ومعايشتها، سواءا في العراق أو بلدان العالم العربي، أستطيع الآن أن أطلق حكماً خاصاً بي حول راهن ومستقبل هذا الشعر، ويأتي تشاؤمي حول مستقبل الشعر العراقي، الذي أشرت اليه في (استفتاء ايلاف) من خلال قراءة دقيقة لوضع وتاريخ وتقاليد هذا الشعر. يحلو للبعض من العراقيين أن يقول بصلف وخيلاء: أن العراق بلد الشعر) موريتانيا بلد المليون شاعر ههههههههههههه وليس فيها أي شاعر حقيقي). طيب، كتبت مرة دراسة طويلة عن شعرنا العراقي بعنوان (وهم الايديولوجيا ووهم الشعر) نشرت القسم الأول منها في صحيفة (القدس العربي) ولم أنشر القسم الثاني، الذي ضم جداول احصائية للأسماء الشعرية واصداراتها ومصائرها. اكتشفت أن عدد شعراء الخمسينات كان 33 شاعراً: شعراء الستينات 64 شاعراً. شعراء السبعينات 73 شاعراً. شعراء الثمانينات 123 شاعراً، أما الشعراء الذين ظهروا في التسعينات فلا أملك أية معلومات عنهم باستثناء قلة قليلة جداً. أود هنا أن أسأل هذا السؤال: كم عدد العقول الشعرية الكبيرة التي منحت شعرنا العراقي ديمومته واندفاعاته، منذ سنوات الخمسينات الى الآن؟
لقد استنفذ الكثير من الشعراء الذين سبقونا كل امكانياتهم الشعرية، وتكرست في الواقع الثقافي تجاربهم وأشكالهم ومشروعاتهم، وبالتالي فأن الحصيلة الابداعية التي خرج فيها شعرنا الآن، هي حصيلة تثير الرثاء، ذلك لأن أغلب هؤلاء الشعراء لم يصلنا منهم (إلا ايصال بخدعة). لم يعد الآن ماهو جديد تحت الشمس، وتكاد تجف جميع الأنهار التي اعتقدنا انها ستظل تفيض دائماً، وهنا ينبغي لي أن أستثني بعض التجارب الكبيرة والحقيقية، التي مازالت تواصل مشروع الابداع دائماً، من دون الحاجة الى ذكر الأسماء، لأنها معروفة جداً.
والتجربة الشعرية التي أعنيها، هي تلك الحياة الكبيرة التي يعيشها الشاعر، ونقرأها نحن عبر ابداعه في المغامرة الدائمة. (ليس الشاعر الحقيقي رجل يجلس في مكتبة) انه المغامر، جواب الآفاق، المجنون، العاشق، (المريض الكبير) المفكر، دليلنا الى المجهول، الغريب، المنفي في الداخل والخارج. لم يعد الشعر انعكاسا لواقعنا المتردي بكل أشيائه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بل هو كشف وتعرية لكل أشياء العالم والزمن والتاريخ، وأعتقد أن الشعر، لولا الموت، هو حب من طرف واحد.
قبل أسابيع أصبت بحالة قرف شديدة، عندما قرأت أن أحد شعراء مصر السبعينيين، قد أصدر المجموعة ال 16، وهذا الشاعر المسكين لا يتذكر له القارئ قصيدة واحدة الآن، وأحد شعراء الثمانينات العراقيين الرديئين جداً، قد دفع مالاً وطبع(أعماله الشعرية الكاملة) في بيروت،ولا يتذكر له القارئ أيضاً قصيدة واحدة. نحن لسنا حفنة من المغفلين والأميين حتى يستطيع هؤلاء وأمثالهم أن يضحكوا علينا، وسترمى كل خزعبلاتهم، قبل موتهم، الى النفاية. أما شعراء الانترنت فحدث ولا حرج، وبصراحة أنا أقرأ القليل في الانترنت للذين يقرزمون الشعر. أقرأ فقط: الشعراء الذين لهم تجربة حقيقية، كرسوا لها حياة بأكملها، وهم قلة، يحتاج اكتشافهم- بالنسبة الى القاريء الجديد- الى مرشد او كشاف، وسط هذا الضجيج من الأسماء.

عادل كمال: سنبقى في الاستفتاء الذي اقترحه موقع ايلاف، فهو يؤكد، في ديباجته، على ان الشعر بقي رهين القول باولئك الذين لايعبأون به، كممارسة اجتماعية او نفعية: رهين اولئك الفارين من الخدمة الاجبارية لكتابته، تحت طقوس من الهرولة الى النشر والشهرة الزائفة المجانية، والتنظير المفلس، حين تحول الشعر الى ثكنة، و" الشعراء " فيها جنودا: عرفاء، او مدبجي مقالات عن " شعر الحرب وادبه " ولست، بالضبط هنا، اريد ان افتح ملفا سبق للاخرين فتحه، بقدر ما اريد توجز لي رأيك في سؤال هام: هل الشاعر مؤسسة بحد ذاتها، ام هو ابن المؤسسة، ام هو شيئا آخر، خارج الوصف، وهذا الخارج عن الوصف لايعني فوق تاريخيته، او قدسيته المطلقة: لقد وصف الشاعر رينيه شار شاعرا خالدا مثل رامبو بمايلي: " ان من جميع التسميات التي اطلقت عليه حتى الآن - اي على رامبو -: رامبو الرائي، رامبو الأزعر.. الخ، لن نحتفظ بأي تسمية، ولن نرفض اي تسمية، بكل بساطة هذه التسميات لاتهمنا، سواءا كانت صحيحة ام لا، لأن شخصا كرامبو، وبعض الآخرين من جنسه، يحتويها بالضرورة جميعها. الصفة الوحيدة التي نطلقها عليه هي: رامبو الشاعر، وهذا يكفي، هذا مالانهاية له: انه شاعر فقط، وهل هناك اكبر من هذا النعت؟ "
 لا حظ ان شار اكتفى بهذه الكلمة: شاعر، ولم يضف اليه اي امتياز اخر، سوى تعليق بسيط وعميق معناه: الا تكفي كلمة شاعر امتيازا لرامبو؟ من هذا الجانب بالذات - وفق ماعشناه ونعيشه الان - الا ترى ان كلمة " شاعر " قد باتت مجانية، وهي اكثر الكلمات او الصفات الفنية عرضة للانتهاك، وسط هذا الكم المجاني من " الشعر والشعراء "؟ الا ترى أن بعض نشطاء المؤسسة النقدية - ان صح التعبير - قد ساعد على ترسيخ هذا الانتهاك، حتى صار المرء منا في حرج من القول بانه شاعر، رغم اصالة موهبته وعمق وصدق تجربته: ربما يتذكر البعض من اصدقائي الشعراء، اني القيت من على جسر الرشيد، الى نهر دجلة، مخطوطة شعرية، صارخا بأعلى صوتي: يا للعار انا شاعر، شعورا مني بالقرف مما آلت اليه الامور، في بداية التسعينات تحديدا. نصيف، ايها الصديق: ما الشاعر، ان لم يكن كما يراه شار في حالة رامبو؟ 
 
نصيف الناصري: لا يمكن للشاعر الحقيقي أن يكون ابناً لأية مؤسسة، مهما كانت طبيعتها وتوجهاتها. انه مثل ما قلت: خارج الوصف وخارج أية مؤسسة، واذا استثنينا بعض العقول الشعرية الكبيرة في كل العصور، والتي تلطخ البعض منها قليلاً برماد المؤسسة (مثلاً حالة المتنبي في ثراثنا العربي والذي قتله مشروعه السياسي) فسنجد أن الشعراء الأصلاء الذين استبطنوا محنة الوجود والانسان في العالم، كانوا هم المنارات التي أضاءت للبشرية الدهاليز المظلمة، في تحولاتها وصيروراتها، بعيداً عن كل سلطة ومؤسسة، مهما كانت وظيفتها وادعاءاتها والوهم الذي ترفعه وتعتبره مقدساً.
وتأكيد استفتاء (ايلاف) على أن العملية الشعرية الحقيقية، ظلت رهينة القول بأولئك الذين لا يعبأون بها كممارسة اجتماعية أو نفعية، هو تأكيد ذكي جداً، ونتاج بصيرة مثقفة وواعية لجوهر ووظيفة الشعر، التي فرّط بهما أصحاب العقول الغبية، من الذين يبحثون عن تأسيس كيانات اجتماعية لهم، على حساب الابداع والجوهر الأصيل للفعالية الشعرية في العالم، وبما أن جوهر الشعر الحقيقي لا يمكن تدجينه أو ترويضه، من قبل المؤسسات والقائمين عليها، لا يمكن أن تكون له أية فعالية اجتماعية أو سياسية أو نفعية، ذلك لأن الفعل الشعري الأصيل، هو دائماً نتاج تلك العقول الخلاقة، التي تفــرّ من مؤسسات القطيع البليد، ولا يمكنها أن تلبي الاحتياجيات الآنية والزائلة، لأن مهمتها في الحياة أعمق وأكثر قداسة من طبيعة وعمل المؤسسة، المنشغلة بخواءها وترهاتها، ووصف رينيه شار لرامبو الشاعر هو وصف دقيق، ويبتعد عن خواء اللغة التي يستخدمها شار، وهو الملهم الكبير في عمله الشعري.
وهنا أود أن أتحدث عن مشكلة تقلقني منذ زمن طويل، تتعلق بفاعلية اللغة واستخدامها في مؤسساتنا، التي فقدت كل علاقة حقيقية مع الواقع والتاريخ واللغة. اللغة باعتبارها معطى اجتماعي له وظيفته المعروفة دائماً. أقرأ أحياناً على شاشة التلفاز، مثلاً: (تأليف الكاتبة الصحفية فلانة) وهنا أتساءل: ما معنى الكاتبة الصحفية؟ هل هناك وظيفة اسمها: الكاتبة الهندسية أو الكاتبة الميكانيكية أو الكاتبة الاقتصادية والأزيائية اوالزبالية... الخ، وهذه المفارقة اللغوية، التي أشاعتها المؤسسات المصرية المختلفة، مثلما أشاعت أوصاف مثل (الاستاذة الراقصة المبدعة الكبيرة) و (الاستاذ الشاعر الكبير أمير الشعراء) و(كوكب الشرق) و(موسيقار الأجيال) قد اتسعت الآن اتساعاً يفوق حدود الوصف، ويبدو هنا وصف شار لرامبو مفارقة حقيقية، اذا قرأنا في الصحف أو المجلات أو في الانترنت، ما يفعله الكثير من المتطفلين على الشعر، وتذييل ترهاتهم بصفة (شاعر وكاتب) و (شاعر وناقد) و(شاعر وصحفي) و(شاعر ومترجم وباحث). يا للمسكين رامبو: لقد كان شاعراً فقط، وجاء رينيه شار وألصق به التهمة الحقيقية، التي اتهم بها دائماً: شاعر.
انت تعرف، انني عندما كنتُ في العراق، كنتُ أخجل من القول بانني شاعر. كان الضباط والجنود في وحدتي العسكرية يسخرون مني، لأنني لا أظهر على شاشة التلفاز، وأقرأ شعراً عن الحرب، مثلما يفعل الكثير من الشعراء، وكانت مجموعاتي الأربع منشورة بخط يدي، ومطبوعة بالتصوير بالدفلوب، ولم تطبع على الورق الملون، الذي كانت تطبع فيه الكتب التي تصدر عن (دائرة الشؤون الثقافية) في وزارة الثقافة. كانت المؤسسة، التي أسميتها أنت بتحفظ (النقدية)، هي التي تمنح الصفات والألقاب للشعراء، وهكذا شاعت عندنا ألقاب (شاعر القادسية) و(شاعر القوات المسلحة) و(شاعر المعسكر) الذي كتب عنه الناقد مدني صالح في مجلة (ألف باء) عندما نشر قصيدته (صباح الخير أيها المعسكر): انه (أعظم الشعراء الذين جاءوا الى الشعر بعد عبد الوهاب البياتي ونزار قباني) وهنا نلاحظ بوضوح خبل اللغة، التي استخدمها هذا الناقد الجهبذ، عندما اعتقد أن أعظم الشعراء هما البياتي والقباني فقط، وألغى بالتالي الكثير من القامات الشعرية العالية والحقيقية، ولا عجب في اعتقاده أن هذا الشويعر المتواضع هو شاعر عظيم.
من جهة ثانية أود أن أتحث عن عقول شعرية كبيرة، مازالت تعيش بيننا، وتضيء ليل حياتنا دائماً، عبر ابداعها الأصيل، وهي بينها وبين المؤسسة هوة عميقة جداً: هل تستطيع مؤسساتنا الشعرية في العالم العربي، المهووسة بخنوعها وخزعبلاتها، عبر مهرجاناتها وجوائزها التي لا قيمة لها، أن تتذكر شعراءاً كباراً وأصلاء، مثل: شوقي أبي شقرا، وأنسي الحاج، وسركون بولص، ومؤيد الراوي، والأب يوسف سعيد، وأنور الغساني، وعبد القادر الجنابي، وسليم بركات، وجليل حيدر، وفاضل العزاوي؟ بالتأكيد لا تستطيع هذه المؤسسات تذكـّر وتكريم ودعوة هؤلاء الشعراء، لأن الذين يشرفون على فعالياتها سينكشفون، وسينكشف زيفهم وادعاءاتهم الفارغة أمام حضور هؤلاء الأدلاء الكبار.
 
عادل كمال: حسنا، لنذهب الى منطقة اخرى: انت قلت: ان هناك حاجة الى كشـاف ماهر: يأخذ على عاتقه مهمة الانارة، وسط هذه العتمة، فهناك اسماء شعرية - الأصح: لاشعرية - ولدت، وشاعت واشاعت نفسها، من دون معرفة، ولو اولية، بمغزى استخدام النثر كوسيلة شعرية، عبر كتابتها لـ " قصيدة النثر " التي يعرف كل مـن خاض في قيعانها بصدق، اي عرق تنزفه الروح من اجل احداث ازاحة شعرية، في لغة يومية منتهكة من كل وسائل الاعلام، مشاعة للكل، دون استثناء. هذا الكشاف الماهر اين يمكن ايجاده، او اختراعه، ابتكاره، في ظل فهم متخلف عن الغاية التي من اجلها استخدم النثر كوسيلة شعرية؟
 من جانب اخر لقد لاحظت انك - وهذا شيء افعله انا، والشاعر حسين علي يونس، وقلة قليلة من شعراء قصيدة النثر، ربما لايرغبون ان اذكرهم بالاسماء - كثيرا ما تجري تغييرات جوهرية على قصائد لك، كانت منشورة سابقا: وقد قرأت بعض الملاحظات المضادة لهذه الممارسة، فالقصيدة - عند بعض او اغلبية من يزاول كتابة قصيدة النثر او قرائتها - لاتزال مقدسة، لايجب مسها ابدا، فيما استخدام النثر - هكذا ارى - بحد ذاته، كوسيلة شعرية، يتحمل ان تجري عليه:" تحريرا "، أي ان تمسه من الداخل والخارج كنص قابل للتغيير: قابل للاضافة وللحذف وللشرح. وقصيدة النثر تحتمل مثل هذا الاجراءات المارقة، والمخالفة للسائد والمألوف - ليست هناك قصيدة نثر عصماء ! - بحس تجريبي عال، عكس البعض ممن يكتبها بذاكرة عمودية او جاهلية او تغعيلية - أي كقصيدة التفعيلة: أي انها عند هؤلاء " معلقة " يجب ان تعلق على جدران الكعبة: كأي قالب او شكل فوق تاريخي، لايمكن التلاعب فيه، اوتدنيسه:
انني هنا اريد ان انقل حوارا، او رأيا مشتركا دار بيننا ذات يوم، مفاده ان قصيدة النثر تبقى مفتوحة شكلا ومضمونا على احتمالات عديدة، شكلا ومضمونا، مثل شريط سينمائي قديم، يعاد بنائه واخراجه، وفق رؤيا وتقنية جديدة، مبتكرة وحديثة، وهي بذلك- أي قصيدة النثر - تحمل معها بذرة نسفها او اغنائها، أو ثباتها، أو انشطارها، وهذه الاحتمالات متعلقة بمهارة الشاعر: خبرته ورؤيته المتجددة: قلقه، تجربته، ومعرفته بمادته الأولية، التي يبني بواسطتها عمارته الشعرية: اللغة، و بالصيغ اللغوية التي يمكن ان يفتح بها العالم، عبر وسائل استخدامه لظواهر وصفات تخص اللغة ذاتها، كظاهرة الترادف، او امكانية تقديم الفاعل على الفعل.. او البناء على المجهول... الخ.. وكل ذلك له صلة بعمق وصدق تجربة الشاعر، والا فان هذه العملية، لو جرّدناها من دافعها الأبداعي، سوف تتحول الى استعراض بهلواني لعضلات الالفاظ، او استعراض لحيل وتقنيات فارغة المحتوى، كتلك التي انتجت، فيما انتجت، بعض " شعر " التعمية في ثمانينات القرن العراقي، ايام الحرب، بالرغم من أن هذا الاخير كان ردا طبيعيا ازاء موجة من الشعري التعبوي، الذي مات اصحابه بموت الحرب، او بكلام ادق بموت الدينار العراقي، الذي كان يغذي موهبتهم الزائفة..

نصيف الناصري: كتبت في كتابي ( معرفة اساسية: الحرب، الشعر، الحب، الموت) المنشور الان في موقع " عراق الكلمة ": انني قمت بتمزيق 7 مجموعات شعرية، كتبتها في سنوات الثمانينات، واعتبرتها تمرينات لما هو لاحق. وهذه المجموعات التي مزقتها. ذكرها قبل سنوات الناقد ياسين النصير، أثناء حديثه عن مجموعتي (أرض خضراء مثل أبواب السنة) التي صدرت على نفقة المرحوم عبد الوهاب البياتي، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 1996، حيث ذكر الاستاذ النصير: انه اطلع مرة على 9 مجموعات لي لم أتمكن من اصدارها في العراق، بسبب المناخ المتعفن الذي كان يدمر الشعر والثقافة الحقيقية وقتذاك. اردت من خلال تمزيقي لهذه المجموعات، والبعض منها عزيز جداً عليّ، أن أبدأ من جديد، لكن هذه المرة بوعي مسؤول عن طبيعة جوهر ووظيفة الشعر.
من المعلوم أن قصيدة النثر لها شروطها المعروفة، وبما أن أغلب الذين يكتبونها الآن لا يعرفون هذه الشروط. يا للمفارقة، فقد وقعوا في نفس الخطأ الذي وقع فيه رواد الشعر العربي الحديث ونقاده، عندما اعتقدوا أن ما يسمى بالشعر الحر، الذي بدأت به نازك الملائكة والسياب والبياتي وسواهم، هو شعر حر، لكن الحقيقة أن ما قدموه لم يكن شعراً حراً، بل كان موزوناً. الآن يحدث نفس الخطأ: يكتب البعض كتابة لا تعريف لها( مجرد هذر وهذيان رخيص) ويطلق عليها قصيدة نثر، ثم تطور الأمر حتى صرنا نقرأ نماذج بـ بعشرات الصفحات، يسميها أصحابها (النص المفتوح) أو كما يسميها ادونيس (كتابة الشعر نثراً) وهذا الخلط في المفاهيم الشعرية والنقدية، يدل دلالة واضحة على فقر الثقافة العربية وضحالتها منذ عقود طويلة، بسبب عدم أصالتها وخواءها، الذي يتشدق بجلاله الكاذب الكثير من المفكرين الأميين في أوساطنا الثقافية.
 لا يمكن كتابة قصيدة نثر حقيقية، من قبل شاعر يستخدم نفس القواعد والصيغ والمفاهيم اللغوية والشعرية السائدة التي كانت سائدة، ذلك لأن الجدة والطرافة هنا بحاجة الى عقل مغاير، والى رؤيا مغايرة، تنأى عما هو مألوف وسائد في النظر الى الفاعلية الابداعية، التي هي مغايرة أيضاً لكل شيء ثابت وجامد. وأود هنا أن أعطي دليلاً لكلامي هذا: قرأت مرة قصائد لمجموعة من الأصدقاء الشعراء في مقهى (حسن عجمي) وبعد الانتهاء من القراءة، راح الشاعر مالك المطلبي يسخر من قصائدي ويقهقه. طبعاً هو محق في سخريته وقهقهته، لأنه كان ومازال استاذ اللغة العربية في كلية الفنون الجميلة، واطروحته للدكتوراه عن الصيغ اللغوية عند نازك والسياب والبياتي، وبالتالي فلا يمكن أن يتقبل هكذا شعر. عموماً، دفعت هذه القصائد الى مجلة (الكرمل) ونشرت في العدد 18، وكان هذا أول ظهور أدبي لي.
أما بالنسبة الى مسألة " التحرير" في القصيدة، فأعتقد أن المشروع النهائي لكل قصيدة لا يتم إلاّ بموت الشاعر، باستثناء بعض النماذج القليلة، التي يعتقد انها اكتملت نهائياً، وما يثير استغرابي دائماً هو تلك الردود التي تأتي بين آونة وأخرى، وتطالبك متسائلة: لماذا أجريت تحريراً على قصائد سبق وأن نشرتها في الصيغة التي ظهرت فيها أولاً؟ وقد كتب شخص قال: انه اكاديمي، قبل اسابيع عن 4 قصائد لي نشرتها بتحرير جديد، يلومني على حذف وتعديل الكثير من السطور والكلمات، ولست أدري علام لومه مع انني نشرتها بصورة اراها أفضل من السابق، فقصيدة النثر قصيدة شخصية بحتة، ومن هذا الجانب بالذات - اضافة الى ماذكرته انت - لا يمكن لنا أن نعتبر قصيدة النثر التي نكتبها مقدسة ونهائية، بل هي تبقى مشروع قابل لاعادة الصياغة والشطب والحذف. أكثر ما يثير فزعي الآن هو اصرار الكثير من الشعراء الرديئين على اصدار المجموعات التي لا يقرأها أحد، وعلى حسابهم الخاص، من دون أن يراجعوا تجاربهم، أو أن يفكروا قليلاً بجدوى هذا الاصرار، وهؤلاء الكائنات الهلامية طفح جلدي في أوساطنا الشعرية الحقيقية، التي تركلهم في كل حين، لكن وجودهم ضروري ايضا، وآمل أن يبلغ عددهم 3 ملايين شاعر لأننا، على الاقل، بحاجة الى قرّاء للقصيدة التي نكتبها، لكن هل يقرأوننا فعلا، أم هم ولدوا هكذا شعراء من دون ارث يسبقهم؟
 لاحظ: عندما انتهت الحرب العراقية- الايرانية، وهدأت طبولها نهائياً، اكتشفنا اننا لم نكن نكتب شعراً حقيقياً، بل كتابات رديئة، تتخذ التعمية هدفاً رئيسياً، وتخلو من أي طابع ابداعي وانساني. لا مضامين، لا أشكال، لا أهداف واضحة في الفاعلية الشعرية، ويبدو أن هذا عائد الى أننا كنا نعاني حالات عزلة مع مجمل التواصل الشعري والمعرفي مع الخارج. تصور: بدأ معي الكتابة منذ عام 1980: 123 شاعراً، لم يبق منهم الآن إلاّ 4 أو 5 شعراء يواصلون الكتابة بجدية حقيقية، وأتساءل الآن: أين ولّت تلك الأسماء، وما هي مصائرها الآن؟ وأين ذهبت صرخاتها واصداراتها؟ الى القمامة بالتأكيد، لأنها كانت كاذبة وجاهلة، واتخذت الشعر وسيلة آنية لتحقيق طموحات اجتماعية سخيفة، على حساب الهم الشعري، الذي لا يقبل الخديعة مهما كانت. انني اتفق مع رأيك: تبقى قصيدة النثر مفتوحة دائماً على شتى الاحتمالات، وهذه ميزتها العظيمة بالتأكيد، لكن تبقى المهمة الأساسية لكل عمل ابداعي هي المغامرة الدائمة المستمرة، والتي لاتتوقف عند سد معين: ان هذه المغامرة هي الطوفان بكل تأكيد، حيث لانوح ولاسفينته: الاعصار فقط لاغير، يقول كفافي: " حالما يهدأ الاعصار في نفسك يبدأ الموت ".

عادل كمال: عودة الى السؤال الاول الذي بدأنا فيه الحوار، ارى انك لم تنتبه الى اجراء هام، اتخذه النظام الثقافي العراقي، بعد انقلاب عام 1968، سيما بعد ان استلم شفيق الكمالي حقيبة وزارة الثقافة العراقية، وكان ذلك الاجراء يتعلق بقصيدة النثر بالذات، بحجبها، وبتهميش من يتداولها كتابة او قراءة، حتى ليبدو ان مشروعا، كمشروع مجلة الكلمة، او مشروع مجلة شعر 69 هو جزء من سياسة الاحتواء - احتواء الاصوات النافرة، وكنس الماضي الدموي من ذاكرة الشعب - التي كانت تمثل تكتيكا آنيا، للزحف على الحياة الثقافية والسياسية، تتوج بخدعة " الجبهة الوطنية " اولا، ثم انتهى الى تشغيل وتنشيط اصولية ثقافية، تقدس كل ماجاء به الماضي من خدع ومؤامرات سافلة، سيـّدت، في الاخير، اكثر رؤساء الجمهورية في العالم تخلفا: صدام حسين، الها تقدم له القرابين على هيئة ارواح وقصائد واناشيد واغان. ومن عاش تلك الفترة، سيما مابعد عام 1975 يلاحظ ان المجلات والصحف العراقية لم تنشر قصيدة نثر واحدة، ونتيجة لذلك فان عددا كبيرا، او هائلا من شعراء تلك الفترة، اضطر الى تبني وجهات نظر ماضوية عن التاريخ والتراث والحداثة، وبل وكافة حقول المعرفة، التي كرست لها مجلات شهيرة كآفاق عربية او الاقلام او الطليعة الادبية، مع سبق اصرار متفق عليه: ان النشر في الصحف والمجلات العراقية آنذاك، هو حكر خاص بمن يؤمن بأهداف الحزب والثورة: اللازمة المعروفة.
مداخلتي هنا متشعبة: بين سلطة " وضعت " عقلها مع قصيدة النثر، بحيث صارت سبة، أو تهمة مريبة تلاحق الشاعر، وكأنه متآمر ان كتبها، وبين شعراء مارسوا كامل الانصياع والامتثال لأوامر المنع، ومن ثم - يا للمفارقة - صاروا ـ بعد عام 1986 - اسيادا، لهم اليد الطولى في الكتابة والتنظير لقصيدة النثر - لااعرف لـِم لم يطلق عليها قصيدة نثر بعثية، على غرار علم الجمال البعثي ! - بعد ان سمحت لهم السلطة الثقافية بذلك، استجابة لظروف الحرب من جانب، ومن جانب اخر لأحتواء موجة من العصيان مارسها عدة شعراء جدد، لم يمتثلوا الا لهواجسهم في كتابة قصيدة خاصة، خارجة عن " النمط " الذي اقترحه النظام الثقافي طيلة سنوات ادارته لمهرجانات شعرية الغرض منها التعبئة، ومع ذلك لم ينجح هذا الاحتواء، او لم يلبِ مقاصد سلطة كانت تريد توطيف كل شيء لحربها مع ايران - لاحظ انهم اعادوا تأهيل شكلا فجا للشعر الشعبي لنفس الغرض - في هذا الصدد اتذكر اني سمعت عن تجربة لك، مع الشاعر ناصر مؤنس، في اصدار مجلة الرصيف، التي بقدر ما اود ان يعرف عنها القاريء شيئا، بقدر ما اريد ان اقول: ان السلطة حينذاك، بسياستها القمعية والاصولية، صنعت سدودا امام نهر التجارب الشعرية الجديدة، مخالفا بذلك رأيك، بحفاف النبع، او استنفاذ التجارب، فلا زلت اعتقد واتوقع ان تظهر مواهب وتجارب جديدة في الشعرية العراقية، رغم هذا المخاض العسير الذي نمر فيه..

نصيف الناصري: ليس نظام البعث وحده من ساهم بالتضييق على مشروع قصيدة النثر في العراق، بل اشترك معه حليفه الأساسي الحزب الشيوعي في (الجبهة الوطنية) المزعومة، التي أضفت الطابع الثوري الزائف على نظام البكر- صدام، الذي أوصل العراق الى ماهو عليه الآن. ومن المعلوم أن كل القوى القومية والشيوعية وسواها، كانت ضد مجلة (شعر) اللبنانية التي أطلقت مشروع قصيدة النثر في الستينات، وكانت هذه القوى تعتبر أن تجمع (شعر) والقائمين عليه، أصحاب أهداف شعوبية مشبوهة وامبريالية وبورجوازية وغربية، وغيرها من المسميات التي كانت شائعة في الأدب الثوري حينها، واعتبرت أن هذا المشروع يسيء الى تراث الشعرالعربي، الذي تمجده هذه القوى خصوصاً القومية منها، واذا كانت سلطة البعث قد أسهمت بفاعلية في حجب مجلتي (الكلمة) و(شعر 69) من أجل السيطرة التامة على الأصوات الكبيرة في الشعر العراقي آنذاك وتدجينها، فأن الحزب الشيوعي قام من جهته بدور كبير في التضييق على الشعراء الحداثيين من خلال مهاجمة مشروعاتهم وتشويه انجازاتهم والاساءة اليهم، حتى أصبحت مقهى (المعقدين) سبّة ولعنة، من جراء اطلاق الحزب الشيوعي هذه التسمية عليها، لأن هؤلاء الشعراء الأحرار، الذين واصلوا المغامرة مع قصيدة النثر، كانوا يرتادونها، وكانت عرضة لمداهمات رجال الأمن البعثي دائماً. ولو نعود قليلاً الى الوراء لفهم الظاهرة الاصولية، التي بدأت بعد انشاء (الجبهة الوطنية والقومية التقدمية) ونتصفح تلك الانطولوجيات العقائدية البائسة التي أصدرها الناقد طراد الكبيسي، والشاعر علي العلاق (مختارات من شعراء الطليعة) التي ضمت أصوات انقرضت الآن من المشهد الشعري تماماً، وكانت تتغنى بأمجاد الأمة والنهوض القومي والنضال العربي، عبر رؤيا شعرية فقيرة، اتخذت نموذج القصيدة العمودية مثالاً، وكذلك الانطولوجيا العقائدية البائسة التي أصدرها الشاعر منذر الجبوري (مختارات من الشعر العراقي) وكانت أغلب قصائدها عمودية، وتتغنى أيضاً بقيادة صدام (واستراتيجته العظيمة وحكمته وووالخ). أقول: لو عدنا الى تلك الفترة لوجدنا أن الطائفية الثقافية السياسية قد أنشأت لها نظامها الخاص في الثقافة وقضايا الابداع من خلال نظرة سياسية متخلفة لمجمل العملية الابداعية، حيث كانت منابر الثقافة في العراق تسير على هذا النحو: أنشأت سلطة البعث لكتابها وشعرائها مجلات (آفاق عربية وألف باء والطليعة الأدبية) وصحف (الثورة والجمهورية) وأنشأ الحزب الشيوعي لكتابه وشعرائه مجلتي (الثقافة الجديدة والفكر الجديد) وصحيفة (طريق الشعب) وكانت قطعان الشعراء تمارس نفس الوظيفة القديمة التي كان يمارسها شعراء القبائل العربية في عصور ما قبل الاسلام وما بعده، في التغني والاشادة والدفاع عن طروحات الأحزاب السياسية المهمومة بخرابها وديموغوجيتها. كيف تستطيع صحفنا ومجلاتنا الثقافية بعد عام 1975 أن تعنى بقصيدة النثر كمشروع حضاري جديد ورؤيا شعرية ضرورية، طالما أن الأحزاب تطالب الشعراء بالكتابة عن (العمل الشعبي) و(تحرير فلسطين) و(تأميم النفط) و(أطفال شيلي) و(قضايا العمال والفلاحين) و(حرب فيتنام)؟ بصراحة اذا استثنينا بعض العقول الشعرية الكبيرة المعروفة للجميع،والتي أفلتت من هذا البؤس. نجد أن أغلب الشعر الذي كتب آنذاك كان عبارة عن عرائض وتفاهات عكست ثقافة الشعراء والسلطة والأحزاب. في تلك الفترة التي نتحدث عنها، لم يضطر ذلك العدد الكبير والهائل من الشعراء (نستثني هنا أولئك الذين غادروا العراق وحملوا معهم طموحاتهم ومشروعاتهم الى المنفى) الى تبني وجهات النظر السلفية اضطراراً. بل كانوا يمارسون مشروعاتهم بحرية وقناعة تامة، ذلك لأنهم كانوا متخلفين منذ انطلاقتهم الأولى حد النخاع، في الرؤيا الى التاريخ والتراث، وقضية الحداثة التي أسيء فهمها بشكل تام حينذاك.
وبالنسبة الى الايمان بأهداف سلطة حزب البعث والنشر في منابرها. نعم كان النشر فيها حكراً على البعثيين أو المحسوبين عليهم، لكن في الجانب المقابل كان شعراء الحزب الشيوعي لهم منابرهم الأخرى كما ذكرت من قبل، وكانوا ينشرون نتاجاتهم في تلك المنابر، وتقام لهم ندوات وجلسات شعرية في اتحاد الأدباء بالاشتراك مع الشعراء البعثيين، ويحضرها جمهورهم من خلال البلاغات الحزبية الملزمة.
بالنسبة الى الشق الثاني من مداخلتك، أود أن أذكر هنا بعض الأشياء، التي ربما هي خافية على البعض. أنت تقول: أن (سلطة البعث وضعت عقلها مع قصيدة النثر بحيث صارت سبّة أو تهمة مريبة تلاحق الشاعر وكأنه متآمر) هنا يجب أن أزيح جانباً البكر وصدام ووزراء نظامهم البعثي، وأتحدث عن فرسان الثقافة البائسة،الذين كانوا يديرون مؤسساتها في العراق، والذين تعتقد أنت انهم (مارسوا الانصياع الكامل والامتثال لأوامر المنع) فيما يخص مشروع قصيدة النثر. هؤلاء لم يمارسوا الانصياع ولم يمتثلوا لأوامر المنع أبداً، بل كان الانصياع راسخ الجذور في تفكيرهم منذ البداية، بسبب طبيعة الثقافة الفقيرة والضحلة التي شكلت شخصياتهم الأدبية والسياسية، وكانوا هم الذين فرضوا أوامر المنع في مؤسسات السلطة وأجبروا الآخرين على الانصياع لطروحاتها التافهة والشوفينية،وهم الذين رسخوا سلطة البعث، وبالتالي فأن صدام حسين هو نتاج فكر وثقافة هؤلاء تحديداً.
كان النقابي البعثي حميد المطبعي رئيس تحرير مجلة (الكلمة) شخصية غير متوازنة ثقافياً، واذا كان يحسب له أن مجلته قد اهتمت بالنتاجات الحداثية الرائعة لشعراء وكتّاب الستينات، فلا ندري كيف نفسر عمله لاحقاً في الكتابة عن التصوف والعشائر وأجراء الحوارات مع أشخاص سياسيين لا علاقة لهم بجوهر الثقافة الذي نادت به مجلة (الكلمة) حينذاك، ومن جهة أخرى في العودة الى مجلة (شعر 69) فمشروعها يبدو ملفقاً منذ أول خطوة، ولست أدري كيف تسنى لأولئك الذين وقعوا البيان الشعري، الذي كتبه فاضل العزاوي بمفرده وحمل أسماءهم، التوافق التام على ما ورد من طروحات ورؤى في ذلك البيان،الذي حمل كل الأحلام النبيلة في تأسيس شعرية جديدة، مع اعتراضي على الكثير من فقراته، وخصوصاً في ما يتعلق بالجانب السياسي منها ووظيفة الشعر. ولنا أن نتساءل الأن بعد 35 عاماً من صدور العدد الأول من مجلة (شعر 69) الذي تصدّر البيان الشعري الشهير صفحاتها الأولى: ما الذي أضافته تجارب فوزي كريم وسامي مهدي وخالد علي مصطفى لشعرنا؟ بشرفي لا شيء، وتبقى تجاربهم خارج سياق الروح الكبيرة للشعرالعراقي والعربي، بسبب تقليديتها ومحافظتها، وعدم مواكبتها الحساسية الشعرية التي تتجدد في كل حين. واذا أردنا أن نكتشف الحصيلة الابداعية الحقيقة لشعرنا، فاننا يجب أن نذهب الى تلك الكوكبة المضيئة والمتألمة في تاريخنا الشعري القريب. أعني جماعة كركوك التي مازلت تواصل مشوار الابداع بحرص وصمت، غير مكترثة للأضواء والشهرة والاصدارات المنتظمة وحضور المهرجانات التي تقتل الابداع.
كانت قصيدة النثر لا يكتبها في العراق، من بعد الستينيين، إلاّ الشاعر عقيل علي الذي يعيش في (الناصرية) ولا يستطيع النشر، والشاعر الحاضر الغائب عبد العظيم فنجان، وشخص اسمه سلمان السعدي يعمل في القسم الثقافي لاذاعة بغداد، وعيسى اسماعيل العبادي، الذي كان يكتب في النقد التشكيلي، و الشاعران رياض ابراهيم وناصر مؤنس.
في عام 1980 افتتح صدام البرلمان العراقي المزعوم قبل بدء الحرب مع ايران، وكانت السلطة قد أحضرت مجموعة كبيرة من الشعراء لحضور الافتتاح وانشاد القصائد للاشادة بقيادة صدام وديمقراطيته الكاذبة، وبعد نهاية العرس الديمقراطي دعا صدام جميع الشعراء الى وليمة تقام في القصر الجمهوري. أثناء تناول الشعراء الطعام، كان صدام يمر على الموائد ويجامل الشعراء ويستفسر منهم عن أشياء يريدها، وحين وصل الى المائدة التي يجلس عليها سلمان، شكا له من أن قصيدة النثر ممنوعة ولا يستطيع هو أن ينشر أية قصيدة، وطلب منه أن يتدخل حتى تقوم الصحف والمجلات بنشرها. هنا انبرى أحد شعراء الستينات، وقيل في وقتها: انه خالد علي مصطفى، وراح يشرح لصدام تفاهتها، وأن من يشيعها في العالم العربي شعراء ضد العروبة وضد القومية العربية، وهكذا أسقط في يد سلمان الذي بلع شكواه وصمت.
وبعد أن نودي على سامي مهدي من باريس في عام 1980 حين بدأت الحرب العراقية الايرانية، ليصبح أولاً مدير (دائرة الشؤون الثقافية) في وزارة الثقافة والاعلام. كانت هناك نية عند مجلة (الطليعة الأدبية) في أن تصدر عدداً خاصا،ً لآول مرة في العراق، عن قصيدة النثر، لكن استلام سامي لمنصبه الجديد ألغى المشروع تماماً، ولم يوافق على اصدار ذلك العدد أبداً لكنه راح يكتب فيما بعد قصيدة النثر، حين ترسخت وتجذرت بقوة في أرض الشعر العراقي، وفي مجموعته (حنجرة طرية) 6 قصائد نثر، واحدة منها مكتوبة عن غورباتشوف. بالنسبة لمجلة الرصيف التي ذكرت انني اصدرتها مع صديقي الشاعر ناصر مؤنس. لم أصدر مجلة بهذا الاسم أو أي اسم آخر مع ناصر، ولأول مرة أسمع بهذا الكلام، لكن كان هناك مشروع لي حول اصدار مجموعة مشتركة مع ناصر مؤنس والمرحوم رياض ابراهيم في بيروت، أردنا أن نكتب لها بياناً مشتركاً صاخباً ننسف فيه، حسب ادعاءاتنا آنذاك، كل مفاهيم الشعر العربي السائدة، وكانت أعمارنا تتراوح بين 20 و23 عاماً، بعد الحوارات الصاخبة التي أجراها معنا صديقنا الكاتب حميد المختار في عام 1983، تم نشرها في مجلة (اليمامة) بعددين متتاليين (حوارات ومختارات) لكن المشروع أجهض بسبب دائرة الرقابة ومناخ الحرب، الذي هيمن على وسطنا الثقافي والشعري، وكان ناصر الذي يلح على هذا المشروع وضرورة اخراجه للنور، قد دفع مجموعته الشعرية الأولى الى دائرة الرقابة، فأحالتها الى جبرا ابراهيم جبرا، الذي رفضها رفضاً تاماً، بحجة أن طريقة كتابتها وطباعتها تشوه الخط العربي، وكان ناصر المعروف بالتجريب، قد كتبها بطريقة تشكيلية عرف بها لاحقاً، ولم يستطع اصدار مجموعته هذه إلاّ بعد ان غادر العراق بسنوات.
كان أول ظهور جدي وخجول لقصيدة النثر في عام 1986، حين صدرت انطولوجيا (الموجة الجديدة) التي أعدها وقدم لها سلام كاظم وزاهر الجيزاني، وصدرت عن دائرة الشؤون الثقافية، والتي اشترك فيها 51 شاعراً، ولم تضم من قصائد النثر سوى 6 قصائد لستة شعراء، وعلى الرغم من مهاجمتها من قبل الكثير من النقاد، الذين اعتبروا قصائدها تافهة، فقد ألقت حجراً وسط البركة الآسنة للشعر، الذي كان يمجد حرب صدام حسين، وفضحته وعرّته من كل ميوعته ودجله في التغني بالانتصارات التي كانت تميت وتشوه الشعب العراقي المبتلى بالطغيان. الغريب أن دوائر السلطة الاعلامية التي جندت كل شيء في مشروعاتها التهريجية للحرب، من الشعر العمودي الى الشعر الشعبي، الى شعر البند والهوسات. ظلت ترفض وتحاصر قصيدة النثر طوال سنوات الثمانينات، وكانت الأمكنة الأساسية لها هي مقهى (حسن عجمي) و(الأقسام الداخلية للطلبة) و(خنادق الجنود) في جبهات الحرب.
في الأخير أود أن أثني على مخالفتك لوجهة نظري، حول جفاف النبع ونفاد التجارب الأصيلة الآن في العراق، لكني أود أن أوضح هنا وجهة نظري تلك بالقول: أنني عندما طرحت رأياً متشائماً حول مستقبل الشعري العراقي، في استفتاء ايلاف، كنت أنطلق من معطيات أساسية بدت واضحة أمامي، حول ما يكتب الآن من شعر في العراق، ولكي لا أكون متطرفاً في حكمي، أقول: أن نفس العقليات والمفاهيم والمشروعات الشعرية، التي رافقت انقلاب سلطة البعث عام 1968، قد عادت الآن بثياب ومسميات ورؤى آيديولوجية جديدة.

عادل كمال: بعض ماذكرته كنت معاصرا له، وشاهدا على بعضه او الكثير منه، واجد أن اعادته امر ضروري، تأريخيا على الأقل، ليطلع الكثير ممن استسهلوا كتابة قصيدة النثر بالذات، و ليعرف العالم العربي ايضا، وسط اي حراب ومدافع وطائرات حربية، كان البعض منا يعيش على قوت هواجسه الجمالية والشعرية، مصرين على تكوين مشروعهم الخاص، وان على انفراد، بتكتم وسرية، كمنفذي مؤامرات ودسائس، ستأتي بالعم سام بكل عنجهيته عام 2002، في مفارقة مضحكة، فلم نكن سوى مجموعة متفرقة من الشعراء المفلسين، والفارين من الحروب، متوزعين بين المدن والقصبات والخنادق التحت ارضية والحانات، لاهم لها سوى الكتابة بعيدا عن ضجيج الايديولوجيا، وعن اناشيد الحروب: هنا لايجب ان ننسى كتابا هاما، تحدث عن القمع الذي مورس ضد قصيدة النثر بالذات، واقصد به كتاب عبد القادر الجنابي " انفرادات الشعر العراقي " رغم انه اعتمد على شهادات ستينية، وللاسف فهذا الكتاب لم يأخذ ما يستحقه من القراءة والمعاينة، سيما في داخل العراق، ولو انه ادى الى رد فعل مضاد، توّجه سامي مهدي في كتابه " الموجة الصاخبة " الذي كان عبارة عن جهد تلفيقي -هذا ارحم وصف له - كُتب تحت وطأة الاحساس بالفضيحة، خاصة بعد ان اصبحت قصيدة النثر، في التسعينات - صاحبة شخصية خاصة في الشعرية العراقية، لم تتردد اي صحيفة حكومية في نشر نماذج جريئة منها، وطبعا كان الغرض من ذلك هو اظهار النظام السياسي والثقافي على انه نظام ديمقراطي منفتح، خاصة بعد المؤتمر الصحفي الذي اقامه الشاعران زاهر الجيزاني وصلاح حسن في دمشق اوائل التسعينات- على ما اعتقد - وفيه فضحا كل الممارسات القمعية التي كان الاصولية البعثية تقوم بها ضد الشعر والشعراء والمثقفين بشكل عام، وعلى اثره - أي المؤتمر - اجريت عملية جراحية، على الطريقة البعثية، في " كنس " ديناصورات انتهى دورها، وتأهيل ديناصورات شابة، جاءت بعد حل منتدى الادباء الشباب، وتأهيل طاقمه لقيادة اتحاد الادباء، بديلا عن اولئك.
من هنا تأتي شهادتك اعلاه مكملة لما جاء به الجنابي في كتابه، ومساندة لما طرحه الجيزاني وصلاح حسن، ومن هنا - بناءا على ماجاء في بقية مداخلتك - ربما حان الوقت المناسب لأن نطالب باعادة النظر في المناهج الدراسية، لمرحلة مابعد صدام، واقصد بالذات - فيما يخص الحديث عن قصيدة النثر - المناهج الادبية الموزعة بين محتلف المراحل الدراسية، ابتداءا من الابتدائية، وانتهاءا بالدراسة الجامعية. اعتقد ان اجراءا مثل هذا سيوقف تدخل السياسي وتداخله وتطفله على الثقافي، والشعري منه بالذات، خاصة وقد اصبحت قصيدة النثر واقعا شعريا له جمهوره العريض، لكن وسط مفارقة حادة، هي أن ثمة " ادارة ثقافية سياسية " تدير البلد وفقا لذائقة قطيع من محبي المدائح والمراثي. وكما جاء في مداخلتك في استفتاء ايلاف، فإن ثقافة اخرى بدات تنشر اذرعها الاخطبوطية، عبر " ادب اللطميات " والبكائيات العامية، واضعة كل ماهو جديد: خلاق ومبدع، بين مطرقة وسندان الساسة الجدد، الذين لايفقه معظمهم شيئا عن العملية الابداعية، في ظل محتل، هو أصلا من دون تراث من جانب، ومن جانب اخر فهو مصر - اي المحتل - على مسك عملية التحول الديمقراطي من عنقها، في مفارقة عجيبة، اذ حوّل العراق برمته الى مستنقع للعنف اختلط فيه طالب الحق مع طالب الباطل، من دون أن يشيع، على الاقل، شيئا من ثقافته الانسانية، فليس ثمة وايتمان في خوذ الجنود، او فوهات بنادقهم، الموجهة الينا كأهداف محتملة القتل في اي لحظة، وهذا يعكس بنية العقل الذي يدير دفة السفينة: سفينة المتاهة العراقية، حيث لانوح رغم الطوفان. هنا تبدو قصيدة النثر، بسعة امكاناتها، قابلة لأن تكون مجسا عالي الحساسية للكشف وخلق السفينة او تحديد شكلها وابعادها، في واقع مزر لايمكن التعبير عنه الا بجنون عاصف، خاصة في هذا الوقت بالذات. وكملاحظة عن السوق الثقافي، هذه الأيام، في شارع المتنبي، لم اعثر على كتاب اميركي طليعي، اي على عمل - دعائي ولو - يبشر بما يمكن ان نطلق عليه " قصيدة النثر الاميركية ". وفي توافق غريب من نوعه تماما، لم تتخل عنه، حتى المجلات التي تصدر عن دار الشؤون الثقافية، وعن نمطيتها ونهجها الاجتماعي في النشر، واستمرت مغلقة كليا على التجارب والاصوات الشعرية الجديدة.
 ان اسلوب المحاصصة الحزبية والطائفية، اذا كان منهج المحتل في تفتيت الصوت العراقي الواحد، وتحويله الى نبرات ناشزة، فان نفس المنهج صار هو الفاعل عراقيا في توزيع المناصب والمسؤوليات الثقافية في دائرة شؤون الثقافة، عدا استثناءات بسيطة جدا. لقد كانت لي تجربة بسيطة، لكنها هامة، مع احدى المجلات الادبية العريقة في العراق، فقبل حوالي ستة اشهر " تطوعت " بالمساهمة في نشر عدة نصوص لشاعرة ممتازة، تقيم في الخارج، وفعلا اخذت قصائدها مسرورا بها - انا المعروف بصعوبة ذائقتي الشعرية - لكني فوجئت ان من بين الطاقم، الذي يجب ان امر به، من اجل نشر قصائد هذه المتطلعة للنور، اقول: فوجئت بأن نشر هذه النصوص في تلك المجلة، يتعلق بشخص كان " متعاونا " مع السلطة الفاشية، بل وقد كان مرشح حزب البعث، ذات يوم، في احد الانتخابات الصورية التي كانت تجري كل عام في اتحاد الادباء. فأرجأت محاولتي، على بساطتها، الى مابعد تشكيل حكومة جديدة، تعيد النظر في المناصب الادارية، التي فرضها اسلوب المحاصصة، و لن اسهب اكثر في التفاصيل، فاسلوب المحاصصة سيكون علامة عارنا الثقافي الجديد، تحت ظل اي حكومة قادمة، وهو الذي جاء بهذا " المتعاون " السابق مع السلطة الى هذه المجلة، لأنه قريب عائليا من احد ساسة او معارضة ايام زمان، وكأني انا لم اكن معارضا ايضا، لكن ثمة فرق طبعا بين من يركب الدبابة الاميركية، وبين من يعود في سيارة اجرة، لايملك حتى ثمن علبة تبغ: برأيك يانصيف - وانا اعتذر لتلك الشاعرة العزيزة، رغما عن كل شيء، عن كل وعودي لها سابقا ولاحقا، فقد تبين أن المستقبل ليس لنا، كما اقنعتها ذات يوم، بل هو لخدمة السلاطين ابدا - برأيك، ايها الشاعر، هل من الممكن ان نكتب شعرا على دبابة اميركية، ونحن لم نكتبها على دبابة عراقية يوما؟ وهل نحن بحاجة فعلا الى اعادة نظر في تربيتنا الوطنية، التي منها اعادة النظر في معاينة الحاضر، والتي منها ايضا تغيير المناهج الدراسية برمتها؟ على الاقل من اجل ان لانخجل من قولنا: اننا شعراء، نكتب شعرا، لاينشر الا برعاية المحتل اوبموافقة مقاول لايفقه شيئا؟ ربما، مثل هذا السؤال، لايخطر في بال اصدقائنا خارج البلد، لكن اليس ضروريا ان نتوسع في السؤال: هل الاحتلال ظرف مكاني ام زماني، ام كليهما؟ بكلام اخر هل للاحتلال بعدا ابداعيا، ينسف المكان والزمان، فيينتجنا هكذا: نكتب شعرا بلا هوادة، وبدون توقف.. ولا نعرف الى اين نحن سائرون؟ هل تريد سؤالا اكثر جرأة يأخذني الى سجن ابوغريب، ام ان القصد واضح؟
 ان مطالبتي بتغيير المناهج الدراسية، او اعادة النظر بها، ويشمل ذلك تربيتنا الوطنية، لها اسبابها، ولأضرب مثلا: مرة كنت حاضرا في جلسة توزعت فيها المناصب الادارية، لجريدة صدرت بعد الاحتلال - انا مصر على كلمة احتلال، ولذلك انا مفلس دائما !- لم اكن متطفلا، فقد كنت من ضمن المدعوين، لكني فوجئت - مع صاحبي حسين الصعلوك - أن احدا ما من الحضور لم يلتفت الينا، وكأننا كنا قد حشرنا انفسنا في موضوع لايخصنا: على اي حال لقد تقاسم الحاضرون ساعتذاك الجريدة الوليدة تلك كالغنيمة، الامر الذي جذب انتباه ممولها، فسأل مستنكرا على الحضور عن سبب عدم التطرق الينا - انا وحسين - او ماهي الغاية من وجودنا بينهم؟ فكان الجواب مثيرا للشفقة: اما هذا - يقصدوني - فهو من افضل الشعراء العراقيين، واما حسين على يونس، فهو شاعر ممتاز ايضاَ.
المثال اعلاه اسوقه لاقول: ان عقلية الغازي، او روح الغزو، لازالت متغلغلة في اعمق اعماقنا، وقد جاء اسلوب المحاصصة الاميركي ليغذيها بمبررات ودوافع، كي تصبح طريقة في الحياة والتفكير عند عدد كبير من المثقفين - هنا اخصص هذه الفقرة لتساؤل رفعته، الى شوارعي الخلفية، مثقفة عربية تقيم في الجزائر- هذه الروح هي التي يجب ان ننتزعها اولا، لإرساء دعائم انسان راق، يعي لحظته، فيتخلص من " بنية الادعاء " التي تتحكم في سِيرنا القلمية والكتابية والانتاجية، وهو امر عانينا منه طويلا، ودفعنا ثمنه فادحا، في مراحل حياتنا الثقافية والسياسية والاجتماعية المختلفة، لعل في انتزاع هذه الروح ثمة روح افضل تحل محلها، تساهم فيه، بالتأكيد، المناهج الجديدة: من اجل انتاج الشعر الاصيل، والثقافة الانسانية، التي تحترم القاريء، وتعيد الاعتبار لمحنة الابتكار، الذي صدأت روحه نتيجة تنميط اصوليات ثقافية، فكرية، وسياسية، تغلغلتفيه حتى اعمق الاعماق.. 
 
 نصيف الناصري: لا أود هنا أن أتحدث عن أشياء ومواقف ووقائع يعرفها الجميع، لكني سأركز جهدي في الحديث عن الفاعلية الشعرية في العراق خلال العقود الأخيرة. نعم، كان كتاب (انفرادات) عندما وصلت منه نسخة أو أكثر الى العراق، فضيحة حقيقية لمجمل التراث الشعري، الذي تم فرضه خلال سنوات السبعينات والثمانينات في العراق، من قبل شعراء السلطة الذين يحسبون على جيل الستينات، وبما أن الكتاب تم منعه من قبل المؤسسة الرسمية، فقد تم استناسخه من قبل أولئك الذين كانوا يتابعون نتاجات الشعراء الذين ضمهم الكتاب، ومازلت أذكر النقاشات العصبية والمتشنجة في مقهى (حسن عجمي) واتحاد الأدباء والآراء الانفعالية والمتحاملة، التي أبداها الناقد طراد الكبيسي وسامي مهدي وخالد علي مصطفى وسواهم، بخصوص كتاب (انفرادات) ومحتوياته، والشيء الطريف في تلك الآراء، انها كانت تصور لنا أن الشعراء الذين ضمهم هذا الكتاب هم شيوعيون كلهم ومن دون استثناء. ولست أدري لماذا أطلقوا عليهم هذه الصفة؟ حقاً كان (انفرادات) حين وصل الى العراق في تلك السنوات الملتهبة، أشبه بضربة قوية على رأس المؤسسة المتعفنة والمهمومة بتآكلها. وهنا أختلف معك بخصوص: (تدخل السياسي وتداخله وتطفله على الثقافي، والشعري بالذات)، ذلك لأنه في كل تاريخنا العراقي كان المثقف والشاعر تحديداً، هو من يقوم بتمهيد التدخل والتطفل للسياسي على الثقافي والشعري، بسبب شيزوفرينيا مزمنة في النظام الثقافي والمعرفي في العراق، من جهة أخرى يجب أن نفرق بين الاحتلال الأمريكي العسكري وبين الثقافة الأمريكية، التي هي جزء من ثقافة العالم، ولا يمكن لنا أن نقول أن أمريكا ليس لديها تراث ثقافي، مثلما كانت تشيعه الأدبيات الثورية المشوهة،أو أن أمريكا هي والت ويتمان فقط. أمريكا حاضنة معرفية وثقافية عملاقة، وأشعر بالخجل الآن عندما أردد بديهة معروفة تتعلق بقصيدة النثر الامريكية. ليس هناك مفهوم معين يسمى قصيدة نثر أمريكية، والشعر الأمريكي هو من أهم التيارات الكبيرة في الشعر العالمي. أخيراً أود القول أن قضايا الابداع، في شتى المجالات، تسير بمعزل عن أمية وغباء السياسي. لقد رحل نظام حزب البعث، وانطفأت برحيله كل المفاهيم الثقافية الفاشية التي أوجدها، ورسختها مؤسساته المشوهة، لكن الأبداع الحقيقي والثقافة الأصيلة ظلت تمارس سيرها الانساني النبيل، رغم الحصار والمنع والمصادرة والتعتيم، ولا يمكن اطلاقاً أن نفرض مناهج دراسية للشعر في المدارس، ونجبر الناس على دراسة أشياء لا علاقة لهم فيها،
لأنّ جمهور الشعر، في كل العصور، هو جمهور محدود العدد، وارستقراطي التفكير، وهذا هو السر في حيوية ونبل الشعر، الذي لا يمكن له أن يلبي متطلبات القطيع الذي تقوده الآيديولوجيات.

عادل كمال: لابد من الاعتراف انني اختلف معك، في جملة امور: قصيدة النثر الاميركية، مثلا، وكذلك قضية التفريق بين الثقافة الاميركية والاحتلال، فالاحتلال ثقافة او هو الشكل العملي للثقافة، بعيدا عن كل تنظير، ولايعني ذلك ان الثقافة الاميركية، بشكل عام، هي ثقافة احتلال، بقدر ما عنيت بمداخلتي ان الاحتلال الاميركي لم يأت ليطوراو ان ينقل ثقافة لشعب عريق الاصول بالحضارة، بقدر مافعل - المحتل - فعلا لايليق بالثقافة الاميركية اصلا، حين حول العراق الى مستنقع لأصطياد نشطاء القاعدة، وعلى راي بريمر ان محاربة الارهاب في العراق افضل من محاربته في اميركا، وهو ما يجري الان، وما اسلوب المحاصصة في تقاسم ادارة الحكومة العراقية بين الاحزاب، الا احدى الوسائل التي من خلالها يظل اللاعب الاميركي هو الماسك بخيوط اللعبة اساسا، وواحد من اهم خيوط اللعبة هي الثقافة التي تدخلت في بنينتها طريقة المحاصصة الطائفية والحزبية، ولذلك ليس غريبا ان يحتل فلان الفلاني موقعا ثقافيا هاما مادام مؤديا ناجحا لدوره، على مسرح متحرك، في مسرحية مفتوحة: نص مفتوح، مطلوب منك تمثيله من دون مراجعته حتى، فهناك ملقن، من فوق، سيديرك حتى لو توقف لسانك عن النطق.
لكنني لااريد ان اتوقف عند هذه الاختلافات، ربما خصصت لها وقتا اخر، وانما اريد ان يعرف القاريء الان من هو الشاعر الذي احاوره: نصيف الناصري انت خريج مركز محو امية، بمعنى انك في عمر لاحق، من دون اقرانك، تعلمت القراءة والكتابة، ومن ثم فجأة انهمكت في كتابة الشعر. لو افترضت - جدلا - انك لم تتعلم القراءة والكتابة، فهل ستكون نصيف الناصري الشاعر، ام نصيف اخر، لااعرفه، ولا احاوره، والاهم من ذلك: ليس هذا نصيف الذي اتحايل عليه كي يزرع اسمي في ذاكرة حبيبته االجميلة انخيدوانا؟ من جانب اخر من اين جاءت اليك صعقة الشعر؟

نصيف الناصري: لا أود أن أبدي هنا آراء في السياسة، لأنني لست سياسياً بصراحة، وسوف لن أكون في يوم ما منهمكاً بأي عمل يمت للسياسة بصلة. أعتقد أن مشروعي الشعري الذي أخلصت ومازلت أخلص له، أهم عندي من كل ذرائع ومشروعات وشعارات الذين يشتغلون في السياسة. عندما كنت في عمّان خلال سنوات التسعينات، عملت مع فصيل عراقي معارض لنظام صدام حسين وكان الشاعر الراحل جان دمو كلما يصادفني في الطريق أو يراني مع الأصدقاء في مقهى أو في أي مكان آخر، يبصق في وجهي ويشتمني ويقول لي: (لماذا تخون مشروعك الشعري يا حمار؟) وظل على هذا الحال، حتى تم طردي بعد 9  شهور من ذلك الفصيل بسبب صعلكتي وعدم التقيد بما تتطلبه السياسة، من تملق واظهار الجدية الزائفة والتعالي على الآخرين.
 أردت منذ البداية أن أكون شاعراً فقط، وحين تم افتتاح مركز لمحو الأمية وتعليم الكبار بمدرسة (الجبل الأخضر) قرب بيت أهلي في مدينة (الثورة) عام 1975 ذهبت الى هناك وسجلت اسمي في الدراسة الليلية، وكان عمري 15 عاماً. أمضيت هناك 6 شهور، ومنحوني شهادة (يقرأ ويكتب) وصدقت تلك الاكذوبة التي جعلتني انهمك في قراءة كتب الشعوذة وكتب الثقافة الشعبية والصحف. في بداية عام 1980  ذهبت الى سوق السراي، حيث عالم الكتب السحري والعجيب، وبعد أن تبضعت عرجت على مقهى (البرلمان) التي كنت أتهيب دخولها، وهناك رأيت لآول مرة في حياتي الكثير من الشخصيات التي كنت أقرأ لها، فأدمنت الذهاب اليومي الى تلك المقهى، وتعرفت على الكثيرين من الشعراء والفنانين والكتاب، لكن المشكلة التي واجهتني مع هؤلاء في البداية، هي انني عندما كنت أقرأ لهم قصائدي أو أعطيها لمن يريد قراءتها، يشفق عليّ، ذلك لأنني كنت أغلط في النحو بشكل فظيع، ولا أعرف أي وزن شعري، والمصيبة الأخرى انني كنت أكتب اسمي بصورة مغلوطة أيضاً. كنت أكتبه هكذا (نحيف الناحري) لكنني تخلصت من هذه المشكلة فيما بعد، وكان الشعر الذي أكتبه لا يعتبر شعراً لأنني عندما دخلت المقهى، كنت أعتقد أن السياب والبياتي شاعران عباسيان، وأن المتنبي شاعر سوري حي ويقيم في دمشق، ولقد أنقذني من هذه الورطة صديقي الكاتب جنان جاسم حلاوي، الذي صحح لي معلوماتي بعد أن أعرته 12  كتاباً في التصوف (طبعاً لم يعاد لي أي من هذه الكتب حتى الآن).
 لو لم أكن شاعرا-ً لا سمح الله - لكنت مثل بقية البشر الأسوياء: عندي زوجة وأطفال وبيت ووظيفة ووالخ. أما صعقة الشعر فقد جاءت من خلال اكتشاف الموت. في سنوات مراهقتي هيمن عليّ الدين هيمنة كاملة، مع أن عائلتي غير متدينة. كنت أبحث عن الخلاص من الموت في الدين، وكثرة الصلوات واداء الطقوس الدينية، وزيارة المساجد والكنائس وأضرحة الأولياء وقراءة الكتب المقدسة، وبمرور الزمن، ومن خلال القراءة، اكتشفت الشعر أو هذا ما أعتقدته، واكتشفت فيه خلاصي، فقررت أن أترك الدين وأكون شاعراً، حتى لا يكون موتي مثل موت مليارات الذباب والديدان، التي عاشت حياتها على هذه الأرض بلا طائل. منحني الشعر القدرة على فهم الموت ومعايشته ومصالحته، وبالتالي لم يعد موتي يشكل لي حالة صراع دائم مع العدم واللاجدوى في ظلمات الوجود، وأحتاج الآن الى 25 سنة قادمة لكي أصبح شاعراً بالمعنى الحقيقي للشعر، حتى أظل عائشاً في الزمن. لا أؤمن بالخلود بمعناه اللاهوتي، ولا أريد الشهرة، ومسألة موت البشر وجميع الأشياء على هذه الأرض الفقيرة، تكبل ضميري وتثقل كاهلي، وكون الانسان يعيش 15 سنة أو 200  سنة أو 1000  سنة لا يهم عندي، طالما أنه يستحيل علينا التواجد في الأرض. لا فرق بين موتنا وموت الحيوان.
 
عادل كمال: اننا ياصديقي جميعا، مع الشعر او بدونه، نواجه كونا ووجودا يفرضان وجودهما علينا بالقوة، ولذلك المسالة - من وجهة نطري - هي: أن نكون أو لانكون، كما في هاملت، وانت وجدت في الشعر، او اكتشفت فيه طريقا لأن تكون انت ذاتك، ان يكون لك انسانك الداخلي الخاص، الذي نجد بعض تجلياته في شعرك، والسؤال المطروح هنا يتعلق بهذا الخيار، رغم اهميته، لماذا الشعر، وليس شيئا اخر؟ هذا من جانب ومن جانب آخر - كما كان تصوري عن الشاعر حسين علي يونس - أنك لم تكن تحمل معك او فيك بذرة ان تعمل في حقل السياسة، ليس لأنها لاتصلح كطريقة في فهم الموت ومعايشته ومصالحته - حسب تعبيرك اعلاه - فقط، وانما سموك كنصيف الناصري لايبدو واضحا الا على تلك الشاكلة التي عرفناك بها: قاريء جيد
 للشعر، وغارق حتى اذنيك في الافلاس، وغزير الكتابة، غير مكترث بمن جاء او ذهب، قدر اكتراثك بالتعرف على شاعر او كاتب، حتى انك غزوت الوسط الثقافي العراقي بزمن قياسي، كل ذلك مع نكهة من البساطة الريفية، والنكتة والقفشة الخاصة بك، رغم علمي انك اكثر الشعراء الذين اعرفهم حزنا من الداخل، ربما كان حبك الشهير واخفاقاتك المتكررة فيه احد اسبابه، كما هو احد اسباب خصبك بنفس الوقت. لذلك ربما كان توبيخ دمو الدائم لك، سيما وأنت من خلصائه ومريديه، وقد كان يرى فيك - كما جاء في اخر حوار معه في العراق - اقول: كان يرى فيك، وفي عدد محدود جدا من الشعراء المخلصين، مؤهلا لوراثته. وهنا ينبغي ان نطرح سؤالا هاما، أو اسئلة هامة كثيرة هامة اخرى: ماذا كان جان دمو بالنسبة لك؟ وما هو الارث الذي تركه ورائه بعد رحيله؟ وهل يمكن محو شاعر مثل جان دمو من ذاكرة الشعر العراقي الحديث، سيما وقد انحسرت - بعد رحيله - الاصوات النافرة عن جوقة القطيع، وظهرت اصوات جديدة، تكتب الشعر بربطة عنق وحذاء لامع، في اجواء مكيفة بما لذ وطاب؟
 انني لقربي منك روحيا افهم لم كتبتَ في جان دمو اكثر من اربعين قصيدة، هل هو توله؟ وما قيمة كل هذا، اذا لاحظنا انك تعيش في السويد، بعيدا عن تلك المناخات التي ساهمت في خلق ظاهرة " الصعاليك " في بغداد؟ وهل أنت على استعداد للتبرؤ من هذه التهمة " الشائنة ": نصيف الصعلوك، أم أنك تبرأت منها، سيما وانت تخاطبني، عبر الماسنجر: اتمنى لو تكون معي الان، نحتسي هذه البيرة المثلجة من على شرفتي؟ أنت تطلب مني ذلك، وأنا اتدبر امر الألف دينار، الذي يجب ان ادفعه ثمنا لأستخدامي الحاسوب ودخولي الى شبكة النت، بصعوبة.. أي مفارقة نصيف؟ لكن لأني شاعر مثلك ادعك تشرب بيرة متلجة هناك، فيما اسكر بدلا عنك بتأثير ما تشربه متلجا.. خاصة عندما ينقطع التيار الكهربائي فجأة، وانا في ذروة الانتشاء، فألعنك متذكرا ايام زمان.. هل تذكر؟
 

نصيف الناصري: من الصعب محو جان دمو من الضمير الشعري العراقي، وكونه ظاهرة فريدة من دون انجاز فهذا لايعني انه سيموت، ذلك لأن هذه الظاهرة لن تتكرر في يوم ما. جان كان أحد الأدلاء الكبار في شعرنا العراقي،وقد أرشدني في بداياتي الى المنابع الأصلية للشعر. حين تعرفت اليه عام 1980 في مقهى (البرلمان) كان أبي وأمي قد أكملا استعداداتهما لتزويجي من ابنة عمتي وكنت أرتدي دائماً الملابس الأنيقة، واستلم راتبي من وزارة النفط. سحرتني شخصيته الصعبة المتحررة والنبيلة منذ البداية. دعوته الى حانة، وحين بدأ يسكر تجرأت وقلت له: هل أستطيع أن أقرأ لك قصيدة كتبتها قبل أيام. قال: حسناً اقرأ. قرأت قصيدتي وقبل أن اكمل، صرخ في وجهي: اسكت يا حمار، يا قاذور، هذا ضراط وليس شعراً. في نهاية الجلسة وكان يترنح وعدني انه سيعيرني في المرة القادمة قصائد لعبد القادر الجنابي وسركون بولص ومجموعات لسعدي يوسف وانسي الحاج وتوفيق صايغ وشعراء آخرين (طبعاً لم يقدم لي أية مجموعة لكنه دلّني على هؤلاء الشعراء).
في اليوم التالي استلمت خرقة التصوف من جان، وخلعت ملابسي الرسمية، وخسر أهلي مشروع زواجي، واعادتي اليهم الى الآن. طوال 18 عاماً مع جان استطعت أن اكتشف الجوهر الحقيقي للشعر، وعرفت انه لا يكمن في تلك الأصوات المشهورة والمهووسة بالمشاريع القومية والخزعبلات السياسية، وحتى الآن مازلت أعرف أن الشعر الأصيل، والذي يبقى ولا يزول، هو ذلك الشعر الذي يكتبه أولئك الذين ابتعدوا منذ البداية عن طلبات القطيع ومشاريع السياسين، وأود هنا أن اذكر حادثة تتعلق بما أقول: أقيمت أمسية للشاعر سميح القاسم عام 1996 في غاليري الفينيق بعمّان وحضرها جمهور كبير غصت به القاعة حد التخمة. أخبرنا سميح انه سيقرأ لنا قصائد من مجموعته (الكتب السبعة) الصادرة حديثاً (عن دار الجديد)، وقال:انها مجموعة جديدة في رؤاها وموضوعاتها وأساليبها، وراح يقرأ. ظل الجمهور واجماً طوال نصف ساعة، وبدأ البعض يتململ، والبعض الآخر خرج من القاعة، وحين تنبه سميح الى حالة الجمهور قطع القراءة، وقال: سأقرأ لكم الآن قصيدة عن فلسطين. أظن أن عنوانها (جئتم أولاً) وحين بدأ يقرأ هذه القصيدة التهبت القاعة بالتصفيق الحاد، وعاد أولئك الذين خرجوا. بصراحة لقد أشفقت على سميح في تلك الأمسية، حين تخلى عن قراءة قصائد من مجموعته الجديدة، وراح يلبي ما يريده هذا الحشد الذي يجهل الشعر.
الشعر، ياصديقي، من أصعب وأقدس الفنون، التي تستطيع كشف وتعرية الوجود والموت والميلاد، ولذلك نلاحظ أن المنجز الأصيل في جميع العصور قليل جداً. لا يمكن للشعر أن يكون وثيقة أو تسجيل وقائع آنية، ومن هذا المنطلق نستطيع أن نعول على جلاله ومجده. أردت عام 1987 أن أحيي جان دمو وصداقته من خلال الشعر، فكتبت عنه 37 قصيدة ضمتها مجموعة (ولاء الى جان دمو) وذكرت في كتابي (معرفة أساسية) أن أختي الكبرى كانت تسخر مني، عندما أهرب من الخدمة العسكرية وأعيش متخفياً خوفاً من عقوبة الاعدام، وتقول لي: (لماذا لا تكتب مجموعة ولاء الى الريس حتى يتم نقلك الى بغداد في دائرة التوجيه السياسي؟).
كانت الصعلكة مع جان، بالنسبة لي، اختياراً واعياً وحراً، لأنها تمنحك فرصة أن تعيش للشعر وحده، وتكرس كل حياتك له بعيداً عن الالتزامات السياسية والاجتماعية وسواها، وحتى هنا في السويد، حيث أعيش منذ 8 سنوات، لم يتغير شيء في حياتي أو نظرتي للشعر والحياة. تصور انني مطرود هنا من كل الجمعيات المسماة زوراً (الجمعيات الثقافية) ذلك لأنني لا أستطيع أن ألبي ما تطلبه هذه الدكاكين السياسية مني، ويسمونني الصعلوك، وفاتهم أن هذه الكلمة شريفة جداً في اللغة العربية. مع ذلك، اعترف: لقد حاولت أن أتبرأ من تهمة الصعلكة عدة مرات لكنني أخفقت. ماذا أفعل؟ لقد تشكلت حياتي على هذا المنوال، منذ جان دمو، وبالنسبة للافلاس فلا شيء تغير هنا. مرت وستمر أيام يكون طعامي فيها العجين بالزيت والشاي والبطاطا، وأحياناً البيض، من أجل أن أوفر مبلغاً لشراء الكتب أو احتساء بضعة علب من البيرة.
ينبع حزني الدائم، وهو حزن سري، من اللاجدوى، وخواء الحياة الانسانية في هذا العالم، الذي يستلبنا في كل لحظة. يظن الانسان انه خالد، لكن الحقيقة أن هناك أشياء في الوجود أعمق من الخلود. تسألني لماذا الشعر وقد أجبتك عن سؤالك من قبل. لكن بحثي عن الشعر، الذي كلفني حياتي كلها، كان شبيهاً بالبحث عن الذهب وسط أكوام عظيمة من التراب والرمال والقمامة. لم أعثر على القصائد الأصيلة والبهية، على الرغم من ملايين الشعراء العرب، إلاّ عند أولئك الشعراء العظام القلائل الذين أداروا ظهورهم، منذ أول حرف كتبوه، للمؤسسات بكافة أشكالها. هذه المؤسسات المنحطة، التي لم تقدم أي منجز حقيقي طوال ربع قرن في العالم العربي، وأسألك هنا: ماهي الرواية العظيمة أو المجموعة الشعرية أو المجموعة القصصية أو أي كتاب آخر له علاقة بالفكر، استطاع أن يشدك ويجبرك على قراءته طوال هذه المدة؟ هل تعلم أن الشعراء في العراق الآن، بعد زوال نظام البعث، قد بدأوا يكتشفون تجارب هؤلاء الذين أعنيهم. كانت أعمال هؤلاء الشعراء تكاد أن تكون شبه مجهولة، بسبب منعها والتعتيم عليها في سنوات الطغيان. ويطيب لي أن أذكر لك هنا هذه الحادثة التي تتعلق بالشعر الأصيل. أردت مرة بعد التعرف على جان دمو، أن أشتري ديوان محمود درويش، وفي الطريق الى المكتبة صادفني جان في شارع الرشيد، فأخبرته بالأمر. اقترح علي أن نذهب الى غرفته المقابلة لمقهى (حسن عجمي) ليبيعني كتاب عن السوريالية، وفيه ملحق عن عبد القادر الجنابي، يتضمن سيرة ومختارات، ونشرب الخمر بالثمن. أضاف لي هذا الكتاب الكثير، ودلّني على الينابيع الشعرية التي لم تلوثها العنتريات العربية الثقافية، حتى انني عندما طلب مني أن أشترك في ملف (فضاء الحداثة) الذي أعده صديقنا الشاعر سلام كاظم بعد سنوات، ونشر في مجلة (الطليعة الأدبية) وخصص ل5 شعراء. سطوت على كتابة عبد القادر فيما يخص سيرته ونسبت أسلوبه وطريقته الى نفسي. هذا الكتاب الذي عرفته من خلال جان دمو، هو الذي جعلني أكتب تلك القصائد، التي ظنها ذلك الجهبذ انني قد سرقتها من الشعر الفرنسي. لقد منحني جان فرصة مناسبة لكي اقترب قليلاً من السوريالية وابتعد عن الشعر الجماهيري الآني.

عادل كمال: لقد اختصرت الاسطورة، في حالة جلجامش، الخلاص من الموت بعشبة اتونا بشتم، وها انت، بطريقة ما، تختصر نفس الخلاص بالقصيدة، وانا اتفق معك تماما في ذلك، لكني من قلة تؤمن بالقصيدة الكبيرة، اكثر من ايمانها بالشاعر الكبير: اذ نحن في حيز من عالم خاص - الشعر، البقاء فيه، العيش تحت سمائه، هو رهن القصيدة الكبيرة الهائلة، التي تبعث فينا الشعر طازجا وحيا، ومحفزا على مواجهة محنة وجودنا في هذا الكون، وتلك القصيدة ينتجها الشاعر الحقيقي: المبتكر الخالق المجنون، كبيرا كان او صغيرا، معروفا او مجهولا: تلك هي حكمتي، وخلاصة اسبابي بعدم الانبهار بأي اسم اعرفه او لااعرفه، مالم اتعرف، اولا، على مايقوله في قصيدته الجديدة. مرة قال لي جان دمو، في معرض كلامه عن الشاعر سركون بولص، الذي اعتبره واحدا من اسلافي، وكان في قمة صحوه: احيانا تشرق بين يدي هذا الملعون القصيدة - يقصد سركون - واحيانا تولد مطفأة، اما الجنابي فمجنون في الشعر، وجنونه حار مثل حياته الصاخبة، انه مخلص، وليس هنا بيت القصيد، فاخلاصه مكرس لهذا الاشراق، الذي تتمتع به حتى مادته النثرية، ولادخل للسليقة في ذلك: انها دربة ومران طويل على كسر المألوف، يتوفر عند سركون ايضا، سوى انه يبدو مستعجلا احيانا، فلا تشرق بعض نصوصه بكامل شمسها.
هذا الاستطراد ضروري، تمهيدا لأن استنطقك، او لاعرف منك مرجعياتك الشعرية، اذا صدقنا بمقولة بورخس- وهو من اسلافي المهمين -: كل كاتب من الكتاب يبعث اسلافه من الكتـّاب السابقين: دعني اسألك يا نصيف يانصري: من هم اسلافك؟ وبالتالي مـَن تجد فيه، من الشعراء، يعمل على بعث اسلافه الخاصين، في هذه المرحلة، خاصة وان بعض الاصوات الشعرية - اناثا او ذكورا- تكونت شخصياتها الابداعية بعيدا عن ارض الوطن، في بلاد الله الواسعة، ولست اريد ان احدد لك اسما معينا، او اسماء ا، على سبيل المثال، لاعتبارات اجتماعية، كي اقطع على البعض الطريق القول بان غايتي، في هذه المداخلة، هي ان اروج لشاعر او شاعرة ما، اجد فيهم تلك الروح المفقودة التي ابحث عنها شعريا، بقدر ما اريد، من قاريء هذا الحوار، ان يتذكر دائما بأنني مصر على ان القصيدة الكبيرة اهم من الشاعر الكبير، فليس ثمة كبير او صغير في الشعر كما اعتقد، بل انا متطرف في هذه المسألة جدا: وعلى رأي الشاعر رينيه شار - وهو من اسلافي ايضا -: " ليس هناك شاعر هناك الشعر، وليس هناك مناضل هناك قضية الانسان "
 
نصيف الناصري: الآن بعد هذه التجربة الطويلة مع الشعر، لم يعد لي سلف صالح، كما هو الحال من قبل. لقد تخليت عن أسلافي الأوائل كلهم، واستبدلتهم بأسلاف جدد. وتكمن مشكلتي مع هؤلاء الأسلاف الأوائل، في انني الآن لا أستطيع أن أقرأ لهم إلا مجموعة أو مجموعتين، من كل أعمالهم الكثيرة. أقرأ الآن، في لحظات الحصار النفسي، سعدي يوسف وأدونيس وأنسي الحاج وتراث جماعة كركوك، وترجمات وكتابات ومجموعات عبد القادر الجنابي. وعلى ذكر عبد القادر الجنابي اتذكر ان الشاعر الراحل
عبد الوهاب البياتي، طوال رفقتي معه في عمـان، كان يسخر مما نكتبه على انه قصيدة نثر، لكنه ذات يوم عـلـّق قائلا:" ان القصيدة هي وعاء الشعر، وانتم تكتبون شعرا بدون وعاء، وتطلقون عليه قصيدة، ولذلك انصحكم بقراءة عبد القادر الجنابي فهو الوحيد الذي يكتب قصيدة نثر تصلح كوعاء للشعر، وأنا - اي البياتي - احب ما يكتبه الجنابي من قصائد نثر، من دون الباقين.."

 القصيدة الكبيرة الآن، ياصديقي العظيم، لا تأتي من الشعراء الكبار، بسبب جفاف ينابيعهم، وكتابتهم الشعر بحكم العادة التي تعودوا عليها. انما الآن في الوقت الحاضر، فهي تأتي من أولئك، الذين يجب علينا أن نبحث عنهم دائماً، وسط أكوام القمامة المسماة شعراً، في راهننا الشعري، وأستطيع الآن أن أقول: أن القصيدة الكبيرة موجودة في تجارب عبد العظيم فنجان، الذي لم يصدر مجموعة شعرية حتى الآن، و في التجارب المهمة لباسم المرعبي، ومحمد مظلوم، وناصر مؤنس، وأحمد عبد الحسين، وحسين علي يونس، خصوصاً قصيدته (مرثية من اجل برودسكي)، أما التجارب الشعرية التي تشكلت في المنفى، وعانت وأبدعت، منذ سنوات طويلة، فأود أن أشير الى الشعراء: حميد العقابي، وجمال جمعة، وجمال مصطفى، وعبد الرحمن الماجدي، وهؤلاء الشعراء، على الرغم من ابداعهم الكبير، وغنى تجاربهم، لم يأخذوا ما يستحقوه من دراسات نقدية جادة، لكن لا يخفى على المرء مدى اخلاصهم وجديتهم، في كتابة قصيدة عربية مهمة ونبيلة..

wrakwrac@hotmail.com
iraqonlin2@ hotmail.com

 

 

0 :عدد الردود
تعليقات القراء
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إيلاف.
 
 

جميع الحقوق محفوظة © 2001 - 2008 إيلاف للنشر المحدودة Elaph Publishing Limited ©
تطوير وصيانة Developed & Maintained By