حوار متنوع مع المفكر العراقي الدكتور سيار الجميل (1/2)

في محاولة لفهم الثقافة العربية وموقعها من الثقافة العالمية

سلوى اللوباني من القاهرة: د. سيار الجميل استاذ التاريخ الحديث والفكر المعاصر...أحد أهم المفكرين العرب..تجربته العلمية والفكرية ثرية بثراء أفكاره حيث بلغ إنتاجه العلمي والفكري أكثر من عشرين كتاباً منشوراً وعشرات البحوث العلمية المنشورة في العربية والانكليزية. نشر المئات من المقالات الفكرية والسياسية والنقدية في العديد من الصحف العربية والاجنبية. ترجمت بعض أعماله الى الانكليزية والفرنسية والتركية وخصوصاً نظريته عن المجايلة التاريخية وبنية الاجيال في فلسفة التكوين التاريخي. اشترك مع علماء آخرين في دراسات مشتركة، منهم سمير أمين وبيتر بيرك وخليل انالجيك وغيرهم وينكب اليوم على تأسيس مشروع معرفي في كيفيات التعامل بين الثقافات. والعولمة من خلال تأسيس مركز اكنك للمعلومات بين كندا والشرق الاوسط. عمل محاضراً واستاذاً في جامعات عدة، منها وهران بالجزائر وتونس الاولى والموصل بالعراق واليرموك وآل البيت بالاردن وجامعة الامارات العربية المتحدة. تخّرج على يديه العديد من حملة الماجستير والدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر. وهو أستاذ زائر في جامعة كيل بالمانيا الغربية منذ العام 1987 ولوفان وانديانا. نشأ في أسرة علمية معروفة، وأكمل دراساته في الجامعات البريطانية ردنك واكسفورد وسانت اندروس ونال دكتوراه الفلسفة في التاريخ الحديث في العام 1982. رئيس جمعية الصداقة العربية الاسكتلندية لدورتين انتخابيتين 1979 و 1980. زار جامعات عدة منها ردنك واكسفورد وكيمبرج والسوربون وادنبرة ودندي وهامبورك ومونبلييه وتورنتو وفاس والجزائر والزقازيق وبغداد والمستنصرية والجامعة الأمريكية في بيروت. شارك في العديد من المؤتمرات الدولية والندوات العلمية في أماكن عدة في العالم. عضو مزامل ومشارك في العديد من المؤسسات الاكاديمية والجمعيات الثقافية والمراكز العلمية والمنتديات الفكرية والسياسية في العالم. خبير دولي في الدراسات الاجتماعية والثقافية لكل من منظمتي اليونسكو بباريس والاسيسكو في الرباط، وخبير علمي للعديد من مراكز البحوث والدراسات. أدار العديد من وحدات البحوث والدراسات وورشات العمل البحثية. شارك في كتابة موضوعات مختزلة للانسكلوبيديا الاسلامية والانسكلوبيديا التركية وموسوعة تاريخ الثقافة البشرية الحديثة ( اليونسكو). ألقى محاضراته في منهج البحث والتاريخ الوثائقي وتاريخ العالم وتاريخ الخليج والشرق الاوسط والتاريخ الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعولمة وفلسفة المستقبل. حصل على جائزة شومان للعلماء الشباب منفرداً العام 1991 وعلى براءة تقدير في العام 1992 وعلى قلادة الابداع للعلماء المتميزين في العام 1995، وعلى جائزة الكوريار انترناشنال في كتابات العراق العام 2004 وعلى شهادة تكريم العلماء من الجمعية الدولية للمترجمين العرب 2005 وعلى شهادة تقدير من مجلس العمل العراقي في ابو ظبي 2006.
. د. سيار الجميل من مواليد مدينة الموصل عام 1952 وغادر العراق لأول مرة العام 1976، وتنّقل في عدد من بلدان العالم، ويقيم حالياً في مدينة مسيساكا قرب تورنتو بكندا، ويعمل في الامارات العربية المتحدة. وهو الامين العام للمنظمة العراقية لتنمية المجتمع المدني quot;يودكسquot; وهي منظمة دولية أسسها مؤخراً.

*ماذا تعني لك كلمة مثقف/ة؟
كلمة quot;مثقفquot; كبيرة جداً عندي. وأتحّرج عندما أطلقها على أي شخص لا يتمتع بمؤهلات ليست عادية تؤهله حقاً لحمل هذه quot;الصفةquot;. إن معناها لا يحدد بتعريف عادي هزيل! بل يمتد كي يجد نفسه في إنسان تعب كثيراً من أجل أن يغدو واعياً بالحياة وطبيعتها وتكويناتها وتجددها ليس من خلال ميراثه الذي اكتسبه في بيئته المعينة حسب، بل من خلال تكوينه التربوي والسلوكي والحضاري عالي المستوى. المثقف ينبغي أن يكون مبدعاً في حرفته، وبقدر ما يكون ماهراً في حرفيته وصنعته، فان درجته كمثقف ستكون بالضرورة واضحة تمام الوضوح. ان المثقف ليس شرطاً أن يكون حامل صولجان ولا حامل شهادات ولا جوائز دولة، والمثقف لا يمكنه أن يكون مخادعاً ويجيد التعبير وإلقاء المواعظ والهذيان. انه مثقف حقيقي يمتلك خزيناً من المعلومات وفنان في اسلوب التعامل مع الاخرين. المثقف الحقيقي لابد أن يعّبر عن واقعه على أروع ما يكون التعبير. وأن يكون مؤمناً بالحريات والمنطق والانفتاح على الاخر. المثقف الحقيقي يدرك كم هو حجم من يقابله أو يتعاطى معه. المثقف أنواع كما افرز لنا إياها القرن العشرون: مثقف حر، ومثقف ملتزم، ومثقف مختص، ومثقف عضوي، ومثقف مبدع، ومثقف سياسي، وطبعاً مثقف سلطة .. الخ. باختصار المثقف هو من يدرك كم هو حجمه لدى الاخرين ويعرف كم هي خطوات الاخرين إزاء خطواته، وهو من يعمل على أن يقّدم شيئاً ينفع المجتمع باعتراف الاخرين بذلك.

*ما هو مأزق الثقافة العربية؟ ومتى كانت الثقافة العربية حّرة وليست في مأزق حقيقي؟
الثقافة العربية طوال حياتها الحديثة تنتقل وياللاسف الشديد من مأزق لآخر. إنها لم تعرف الطريق يوماً لتشعر إنها غير مقيدة بالاغلال الثقيلة. إنها محكوم عليها بالاحكام الشاقة المؤبدة وبالسجن المؤبد مدى الحياة. إنها لا تعرف كيف تتلاقى ولا كيف تتفاهم مع الثقافات الاخرى القريبة منها والبعيدة. لقد مرّت الثقافة العربية باطوار تاريخية متعددة وانتقلت عبر سبع وأربعين جيلاً من الاجيال على إمتداد حياة الاسلام. وكانت تمارس دور البحر في مده وجزره. صحيح انها أفادت غيرها من الثقافات الاخرى القريبة والتي استعارت منها جملة هائلة من الموروثات، ولكن ثقافتنا في العصر الحديث أخذت تنكمش على نفسها، بل وأصابتها أمراض وبلايا لا تعد ولا تحصى ليس بسبب أي داء عضال فيها، بل بسبب هذا الذي يقوم بشأنها، أو انها تقوم بفي رعايته أو تتكوّم في أحضانه. المثقفون العرب نادرون هذه الايام، وهم الذين باستطاعتهم تحريرها وفك عقدها وتطبيبها من الامراض. أمراضها اليوم قاتلة. ثقافتنا مكبلة بالتعصبات وبعصابات من الاشرار، ومقيدة بالسياسات والمؤدلجات والافكار المطلقة. إنها ثقافة مطلقات وليست ثقافة نسبيات، وعليه، فهي لا تستطيع أن تتعامل مع عصر المتغيرات. ثقافتنا جريحة في أدواتها، وأدواتها متنوعة من لغوية وفكرية ومنهجية وأخلاقية سلوكية. أستطيع أن أصوّرها انها لم تعرف الاستحمام منذ أزمان طوال، وهي تجلس بكل ملابسها الرثة في قفص حديدي مغلق!!

*وأين المثقف الحر من كل ذلك؟
المثقف الحر، لا يمكنه أن يمارس دوره الحقيقي بملئ إرادته، وإلا فان الهجمة عليه تكاد تجتثه من جذوره وترميه أسفل سافلين. ثقافتنا ببغاوية تردد ما يقوله هذا وتستلب ما يقوله ذاك. ولقد فجعت اليوم بالاليات الجديدة وبوسائل العصر التي أخذت تضرها بواسطة جيل جديد غير متمكن حتى من أدوات الكلام ووسائل الخطاب وقواعد النحو البسيطة. ثقافتنا في أزمة أخلاقية، إنها مليئة بالاكاذيب والدجل والمراوغة والهذيان وقد دمرتها التباينات من بلد لآخر ومن مكان لآخر، نعم، ذبحتها تباينات سياسية ومعيشية واجتماعية. ثقافتنا دمرتها السياسات المتضاربة والصراعات الايديولوجية والموجات الاصولية. لا يمكن للثقافة أن تعيش الا إذا كانت معّبرة عن الواقع تعبيراً حقيقياً، فاذا كان الواقع مزرياً وآثماًً ومنقسما ومتصارعاً ومتخلفاً ومنهزماً ومتداعياً إزاء تيارات ماضوية كئيبة وساذجة وبليدة، تيارات تستخدم الاعلاميات المتنوعة لغسل أدمغة ملايين الشباب. فكيف تريدين يا سلوى أن تكون الثقافة العربية؟ وهل هناك من بقية كي نجيب على أسئلة ندرك مسبقاً بأن حياتنا العربية باتت بلا ثقافة وغدت بلا إبداع وأصبحت مهترئة الى الدرجة القاتلة! وفي كل مرافقها الاكاديمية والابداعية والاجتماعية والمؤسساتية. لم نعد نجد السياسي مثقفاً ولا الاكاديمي ولا النقابي ولا طلبة الجامعات ولا الكتّاب أو الاعلاميين باناس مثقفّين. إنهم متخلفون وهم مجموعة أدعياء لا تستطيع أن تفتح معهم موضوعاً معمقاً وتتوغل فيه معهم. إنهم مثقفون بلا ثقافة. إنهم مثقفون بلا قراءة. الثقافة العربية لا يمكنها أن تنحصر في أزمة كتاب ومجلة، واناس لا يهمها من الكتاب الا منظره وشكله على الحيطان من دون قراءة صفحة واحدة منه!!! ولا يمكن أن نجد مثقفاً حقيقياً إن لم يكن قد تعب على تكوين عقله وفهمه ومداركه ووعيه واتساع أفق تفكيره إلا من خلال القراءة لانواع من المنشورات والكتب والمطبوعات وتخزينه كم هائل من المعلومات. وعرف كيفية التعامل مع الحياة باسلوب لبق وراق. وحتى عملية القراءة، فهي تتطور مع منتجات العصر، فاي منتجات عصرية ينتجها العرب؟ أي موضوعات مهمة ينشرها العرب؟ أي تفكير نسبي يؤمن به العرب؟ هل زرت أحد معارض الكتب التي تقام في عواصم عربية من حين لآخر؟ إبحثي عن الجديد فلا تجدينه إلا نادراً. واسألي عن المضامين الجديدة فلا تجدينها. إذ لم تلقي إلا إعادة طبع كتب تراثية ملونة إكل الدهر على مضامينها وشرب!.

*هل كانت الثقافة العربية حرة يوماً ما؟ الا ترى انها تعاني من الازدواجية أو التناقضات؟
ثمة موجة ظهرت علينا الان إن ثمة كاتبات يكتبن روايات سخيفة عن تجاربهن العاطفية ويظهرن بمظهر المثقفات المتحررات وكأن الثقافة العربية لا تتقدم إلا بمثل هذه الكتابات الداعرة! والمشكلة ليست منحصرة في البيئة العربية، إذ انها ضائعة حتى عند الجاليات المهاجرة، بل وانتقلت آفات الثقافة العربية في الداخل الى الخارج. إن الثقافة العربية لم تكن حرة أبداً في أي يوم من الايام. إنها مقيدة بقيود ثقيلة لا يمكن للبشر تصورها. بل وانها كانت ولم تزل مزدحمة بالتناقضات. تجدين شاعراً عربياً مشهوراً يلعن أبو الاستعمار ليل نهار وهو يعيش في قلب لندن ويستلم راتباً من ضمان اجتماعي! تجدين الازدواجية مفضوحة أمام كل العالم. تجدين حتى الفنانات المبتذلات أصبحن يتحجبن ويقدمن محاضرات في الجامعات ويطلق عليهن لقب quot;استاذاتquot;! بل وإن هذا اللقب العلمي اطلق على راقصة مبتذلة كونها تحج كل عام برغم رقصاتها يومياً في الملاهي وفي رمضان تمد موائد الرحمن!! تجدين رجل الدين أصبح يطلق عليه بالمثقف وتجدين كتّاب الدرجة العاشرة أصبحوا من رعيل المثقفين. وأصبحت الاعلاميات اللواتي عرفن بكل سيرهن وموبقاتهن في محطات الاذاعة والتلفزيون مثقفات عاليات المستوى! وأصبح أشباه الساسة من القادة أو المثقفين! أصبح كل الدعاة من الكاذبين والافاقين والدجالين والمتكلسين والمهلوسين أصحاب مكانة ونفوذ في مجتمعات لا تعرف الا التصفيق ولا تعرف الا التطبيل ولا تعرف الا المجون المستتر. إن هؤلاء بفعل ادعاءاتهم انهم حملة شهادات دكتوراه وهم من الكاذبين. انه واقع مزري لا يمكننا أن نتخيله أبداً. انه نكوص الى الوراء لمئة وثمانين درجة. انني أعرف أشخاص لهم مكانة اليوم في المجتمع العربي ليست لهم شهادات دكتوراه ويلقبون أنفسهم بالدكاترة ؟ وأعرف ان جامعات عربية تمنح شهادات عليا لاناس جهلة لأسباب سياسية وإجتماعية وعلاقات قربى .. انه إنحطاط أخلاقي أيضاً!.

*ما هي المفاهيم الثقافية الجديدة التي يجب أن نتحلى بها كعرب؟
أعتقد إن الثقافة العربية لا يمكنها أن تكون حكراً على مؤسسات حكومية ولا على أجهزة رسمية. الثقافة هي اسلوب حياة متطور وفهم مشترك للمجتمع وعمل دائب من أجل تبديل الواقع مهما كانت الاثمان. الثقافة لا يمكنها أن ترتبط بأي مؤسسة رسمية ولا بأي سلطة دينية ولا بأي اجهزة أكاديمية وإعلامية. الثقافة هي أعلى درجات التعبير عن الطموح من أجل الارتقاء بالانسان والمجتمع وكل ما لهما نحو الاحسن. لكن المشكلة في ما هو الاحسن؟

*وما هو الاحسن؟
الاحسن هو ما يمكن أن يجعلنا نخاطب العصر ونشارك الاخر تطور الحياة وتطور العصر. الاحسن أن نتعايش مع كل العالم في ما ينتجه لصالح البشرية وكل ما يبدعه في الفكر الانساني وكل ما يخلقه لحقوق الانسان .. الخ. اننا إن اعترضنا تحت أي باب أو تحت أية ذرائع أو حجج أو كون هذا مباح وهذا غير مباح ، فاننا فقدنا السيطرة على كيفية مجاراة العصر. والادهى من كل هذا وذاك أن نتنعم من كل طيبات العصر ومن أدويته وعملياته وآلياته وتكنولوجياته وأقماره الصناعية وستالياتاته وعلومه واختراعاته وآخر مبتكراته الالكترونية وطياراته ودباباته وسياراته وأكلاته ومعلباته وأجهزته الدقيقة وثورة معلوماته. كون هذه كلها مباحة وعندما نسمع خطابه أو نقرأ كتبه ورواياته وفنونه وفلسفاته وأفكاره ونظرياته نعتبرها كلها غير مباحة! هذا هو أقصى درجات الديماغوجية وإنها لعمري ازدواجية وشوزوفرينيا في التفكير. إن أهم المفاهيم التي يمكن أن ترتكز عليها الثقافة العربية الحرية بكل أنواعها الشخصية والفكرية والسياسية والاجتماعية، التفكير الواعي بنفسه، والتفكير العلمي المستقل بذاته، احترام القانون والاخر، الانفتاح على كل العالم، سعة الافق والتكوين والمعلومات. الثقافة ليست مزجاً غبياً أو متغابياً بين التراث والمعاصرة كما أشاع القوميون في ثقافتهم المستلبة وهي ليست التراث بكل جموده كما يؤمن بذلك الاسلاميون في ثقافتهم الجامدة. إنها حركة متجددة مع كل الاليات والمبتكرات التي يقدمها لنا الانسان في أي زمان وفي أي مكان. الثقافة هي التحرر الفكري والانساني من كل الموبقات والتقاليد البالية. انها ليست موطنا للعجز والخنوع والطقوس والبلادة والتواتر وتكرار التعابير واستنساخ الافكار والتمثيل الغبي للحياة الحديثة. انها حالة متطورة من الاساليب التي تعرف أين نحن في قلب هذا العالم. لا يمكنني أبداً أن أتصوّر بأن ثمة جماعات تكفيرية أو مجتمعات أصولية تستخدم آخر ما وصله العصر من وسائل متقدمة لبث نصوص متوحشة، بل وتستخدم هذه الوسائل في قتل مجتمعاتنا وقبر أفكارنا. خصوصاً وإن وسائل الاعلام الحديثة تسيطر عليها جماعات لا علاقة لها بأي فهم من مفاهيم هذا العصر. بل إنها تمقت هذا العصر وتتهمه بشتى التهم، وعليه، فهي تعيش حالة تلفيق وازدواج شخصية وشيزوفرينيا تاريخية ومحنة وجودية وهي غير متوازنة لا مع نفسها ولا مع ماضيها ولا مع مستقبلها، إن حاضرنا غارق في بهيميته وهو لا يدرك معاني كل التقدم الذي وصل اليه الانسان من خلال عقله لا من خلال توحشه!

*كيف ترى مستقبل الثقافة العربية؟
إن ثقافتنا العربية ستمر بمخاض صعب جداً تلوح عليها جملة تغيرات هائلة لا يمكن تخيلها، نحن في بدايات عصر المكاشفات والاندهاشات. عصر فضحت تكنولوجياته ومعلوماته ثقافتنا، أو بالاحرى ثقافاتنا في المنطقة مع خصوصياتها ولم تزل تلك الثقافات بكل أساليبها وطقوسها وعاداتها مخفية ومستترة لا يمكن أن يدركها أبناء المنطقة إلا في عصر المفضاحات الذي سيتلو زمن المكاشفات. المشكلة إن هذه التغيرات لا يحس بوطأتها المجتمع كونه لا يبالي بمن كان سبباً في هذه الثورة المنظمة والهوجاء في آن واحد والتي دخلت كل الزوايا وكل البيوت وبدأت تخاطب كل العقول. المشكلة أيضاً أن التغيرات تحدث من دون أية عمليات نقدية أو بحثية أو تفسيرية للموجات الحديثة التي تجتاح ثقافتنا بكل استلاباتها. ومن الغريب أن التيارات السياسية والدينية لم تزل منقسمة على نفسها تجاه ثقافتنا العربية بين من يبكي على حالها وبين من يريد القضاء عليها. وبين من يعيش على تناقضاتها. الثقافة العربية اليوم بلا مبدعين حقيقيين، وإن وجد بعضهم، فهم نتاج تألقات القرن الماضي. وان حجم المبدعين المثقفين العرب هو قليل جداً مقارنة بالحجم الديمغرافي السكاني في المنطقة. إن الثقافة العربية ستمر بمراحل خطيرة ومفجعة في الجيلين القادمين، أي الجيل التالي على مدى ثلاثين سنة، ومن ثم الجيل الذي يليه لثلاثين سنة قادمة أخرى. وخصوصاً وان الواقع سيتبدل تبدلاً جذرياً عما كان عليه في القرن العشرين، ولكن ليس نحو الاحسن، إذ ان الجيل القادم سيحمل كل ترسبات اليوم وبقايا القرن العشرين. سوف لن يبدأ الوعي بفوات العصر الا بعد ثلاثين سنة قادمة. وربما لا يتشكّل وعي ثقافي جديد بهذه السهولة، فالادمغة متحجرة، والوعي بالحياة المدنية يكاد يكون مخفياً. العرب على طرفي نقيض فاما يكونوا مكبوتين ومضطهدين وتفنيهم السلطات الدكتاتورية والسياسية والاجتماعية معاً. وإما ينفلت ويفعل كل الموبقات بلا ضوابط ولا قيود ولا أي كوابح. تجدين نماذجهم على الانترنيت انهم كالسعار في توصيفاتهم وفي عربدتهم وفي كل سوء أخلاقهم وعواطفهم الهائجة وباقذع شتائمهم وسبابهم. انهم لا يمنحون أي فرصة لانفسهم وللاخرين كي يتبادلون الحرية في الرأي ولا يمنحون أي فرصة لتربية النشئ الجديد على التفكير الحر. ولا يسمحون بالثقافة والمعرفة التي تفضح كل الرزايا والخفايا والممنوعات التي كبل بها عقل الانسان وتفكيره دهراً طويلاً من الزمن!

وماذا عن مستقبل الثقافة العراقية، ما هي نوعية المثقفين العراقيين التي بحاجة العراق اليهم في هذه المرحلة؟
بالنسبة للمثقفين العراقيين، فهم أنواع وبالرغم من حشود من يسمون أنفسهم بالمثقفين، إلا ان العراقيين من نخب المثقفين هم إمتداد لاجيال سبقتهم من نخب قوية في ثقافتها، ومبدعة في نصوصها. ولكن مشكلة المثقفين العراقيين انهم بمنقسمين ليس على أنفسهم حسب، بل إنهم مبعثرون وقد عانوا من التهجير والتشتت والضياع. ومن قبل ذلك عانوا من الاضطهاد والقهر والحروب ومن الفصل الفاضح بين المثقفين السلطويين وبين المثقفين الاحرار. وبدل أن يتجه العراقيون وخصوصاً المثقفين منهم الى الالتئام والانسجام، فلقد وقعوا اليوم تحت طائلة الاوضاع الدموية التي كرستها سياسات سريعة وقرارات مفجعة تبناها الاحتلال أو الاحزاب والتكتلات السياسية الدينية الحاكمة من دون أي فهم حقيقي للعراق وتكويناته الاجتماعية وثقافاته المتعددة ونخبه الفئوية المدنية التي تعيش في فراغ تاريخي، فما نجده اليوم من تشققات لاسباب طائفية ومحلية جهوية وأسباب سياسية وتحزبية وانقسامية، قد ضيعت كل الجهود في خلق أو إعادة الخلق لابداعات المثقفين العراقيين في الداخل وفي المهجر. ونسعى اليوم لتأسيس مؤتمر للمثقفين العراقيين (في المهجر) وقد أصدرنا بيانه مؤخراً برفقة بعض الزملاء، وسنسعى من خلاله الى طرح أكثر من مشروع حيوي من أجل تحقيق الاهداف العراقية النبيلة التي لابد أن يؤمن بها كل المثقفين العراقيين بعيداً عن أية انحيازات وتدخلات أو أي معضلات أو أي تمزقات بفعل الغلو والتطرف، وحل جميع ما يعترض حياة المثقفين العراقيين الذين طالت الازمة حياة العديد منهم، بل ولم يزل المثقفون العراقيون يعانون من الهجرة والتشتت حتى يومنا هذا.

*متى برأيك بدأت الثقافة العربية بالتدهور؟
الثقافة العربية مرت بمراحل عدة في تاريخنا الحديث على إمتداد مئتي سنة نجحت في تحقيبها على أساس نظرية المجايلة التاريخية، إذ مرت الثقافة العربية منذ بدايات القرن التاسع عشر حتى بدايات هذا القرن بمراحل حددت عمر كل مرحلة بعمر جيل كامل ( وهو الوحدة التاريخية الصغرى (المايكرو) مقابل الوحدة التاريخية الكبرى (الماكرو) أي 30 سنة للجيل الواحد مقابل 300 سنة للعصر التاريخي، نحن نعيش اليوم العصر الخامس من ثقافة العرب منذ تبلورها التاريخي، أي مروراً بعصر التدوين وعصر الازدهار وعصر التقليد وعصر السكونية وأخيراً عصر النهضة ( كما أسمي منذ القرن التاسع عشر) أي نحن قد بدأنا المئة سنة الاخيرة من هذا العصر الخامس. وإذا كنا قد قلنا بأن لكل عصر 10 أجيال، فنحن اليوم على أبواب نهاية الجيل السابع والاربعين من حركة تداول العصور، ونحن في نهاية الجيل السابع من عصر ما اسمي بـ quot;عصر نهضة quot; ولكن السؤال: هل تقدّمنا نحن بعد سبعة أجيال أم تأخرنا عن الاجيال التي سبقتنا؟ ربما تقدمنا بالاليات واستوردنا مطابع وورق وأجهزة كومبيوتر وستايلاتات واستطعنا أن ننشر مؤخراً كل غسيلنا على الانترنيت، ولكن الثقافة العربية ومعها كل الثقافات في المنطقة متدهورة الى درجة لا يمكن تخيلها. لا تغرنكم وصول هذا من مصر وذاك من تركيا وقد حصلا على جائزة نوبل، فالثقافة لا يمكنني اختزالها في مبدع واحد أو نخبة تعيش في برج عاجي، الثقافة في أسمى مدارجها أن ترى كم حققت نظرية عربية من النظريات من النجاح والتطبيق في العالم وكم مشروع عمل عربي انطلق في حياة مجتمع بشري، وكم حققت رواية من الروايات العربية نسبتها من المبيعات العالمية، وكم نال مؤلف لأي عمل حقوقه دون أن يسطو عليه تجار الكتب من الحرامية! وكم حقق المجتمع من تجسير واضح بين السلطة والمثقف، وكم نجح المجتمع في بلورة مفاهيم عليا وأساليب حياة وتجديد مناهج وبرامج تربية وخلق جيل عالي التفكير، وكم نجح المثقفون في فرض دورهم في الثقافة الانسانية من خلال مشاركتهم الفعلية لا تقديم أداء بالعربي للجاليات! ان حالة تدهور مخيف تمر بها الثقافات عموماً في الشرق الاوسط. وان الاعلام يترجم ذلك ببلاهة وسذاجة إذ ان المثقفين الحقيقيين لا تجدهم على الواجهة، إنهم مهمشون وساكتون صامتون جراء توحش المجتمع بسلطاته التي يمارسها الوعاظ ورجال التابو الذين يسرحون ويمرحون وهم ـ مع احترامي لهم ـ عقبة كأداء في سبيل التقدم المدني والتفكير المدني، وهم يهمشون المثقفين الحقيقيين بسبب عجزهم عن مواجهة المثقف من دون أدوات حقيقية الا أداة التكفير.

*تقول في مقالك ان quot; صدام الثقافات كان قويا في عام2006 وان هذه الصدامات تمهد لمخاطر أكبر سيتعرض لها العالم؟ هل يمكن أن تقدم لنا بعض هذه المخاطر؟
نعم، إن صدام الثقافات كان قد بدأ مع سبتمبر 2001 بحيث طفح العداء وتصاعدت روح الكراهية بين عالم الشمال وعالم الجنوب. ولعل ما نشهده في كل سنة من السنوات الخمس الاخيرة يتزايد خطره سنة بعد أخرى، وكان الصدام واضحاً وقوياً في العام 2006 وهو الذي سيتضاعف جداً في السنوات القادمة خصوصاً وإن الغرب عموماً يستوعب كل الثقافات، بل وأجده متوازن مع كل الثقافات باستثناء الثقافة العربية الاسلامية! انه يضع علامات إستفهام كبيرة في نهايات أسئلة يفرضها ليس على العرب والمسلمين أنفسهم، بل ينشرها على كل العالم! ربما هناك صراعات ثقافية بين المجتمعات قاطبة، ولكنها صراعات مسالمة، ولكن صراع اليوم بين ثقافتين: ثقافة أوربية غربية وثقافة عربية إسلامية واضح من خلال الناس العامة، ومن خلال ارتفاع المد الطوائفي الذي يعّبر عنه أي مجتمع من مجتمعاتنا وبشكل كبير!

يتبع...