راجح الخوري
السياسة على نار المازوت.
انها الوصفة المثالية لابقاء مجموعة من الحرائق في اذيال الحكومة اللبنانية والاكثرية النيابية التي تستند اليها اصلا.
وفي بلد مثل لبنان، حيث بلغت معاناة الناس من الحاجة والغلاء والازمات المعيشية والاقتصادية حدا لا يطاق. لا يمكن الذين يرتجفون برداً في الجبال والاصقاع، أن يفهموا شيئا من نظريات ازمة الطاقة المتفاقمة دولياً، ولا من شروحات الخبراء الذين يرون في سياسة الدعم مزيدا من انهاك الموازنة واستطرادا انهاك الناس انفسهم.
الجوع كفّار كما يقال، لكن الصقيع كفّار هو ايضا. لكن السياسة هي الاشد كفراً احياناً.
وعندما يقترن كفر الجوع بكفر الصقيع في صيغة تقوم على تظهيرها وتأجيجها مطابخ سياسية متعددة الغرض محليا واقليميا، فإن من واجب المسؤولين في الحكومة ان يتحسسوا عميقا اوضاع المواطنين الذين تصطك أسنانهم من البرد، بقطع النظر عن اولئك السياسيين الذين تصطك اسنانهم غيظا لحسابات في نفس يعقوب!
ليس هناك في لبنان من لا يتذكر "الدواليب". لكن نار المازوت اشد احتراقا من نار الاطارات. وعندما يصبح يوم غد الخميس موعدا معلنا صراحة، وبالتحريض الواضح، او مضمرا عبر الايحاءات والتوجيهات، لقيام تظاهرات هدفها الابعد احراج الحكومة والسعي لاسقاطها، كمقدمة لسلسلة من التطورات المحلية المتزامنة مع حسابات اقليمية موازية، فإن ذلك يعني ان اللبنانيين يقفون امام حقيقة جديدة قديمة هدفها العملي في النهاية: "الى الوراء در". ولكم من مرة، اداروا ظهرهم لفرص الحل والخلاص التي توافرت لهم منذ ثلاثة عقود مليئة بالبؤس والمآسي، لكنهم في معظم اتجاهاتهم كي لا نقول في كل هذه الاتجاهات، مشوا بعيون مفتوحة الى المراوحة في الفوضى الدموية التي سحقت بلدهم.
نعرف تماما مدى صعوبة مضي الحكومة في سياسات الدعم، في وقت تغرق في الاعداد للمؤتمر الدولي لدعم لبنان الذي يأتي في مقدم اقتراحاته تطبيق سياسة اصلاحية وقواعد انفاقية صارمة ومؤلمة، بحيث يمكن وقف تنامي الدين تمهيدا للبدء بمعالجته، ونعرف ايضا ان الذين وضعوا حساباتهم السياسية على قرار قرع طبول "الجوع والبرد" يعرفون هم ايضا هذا الامر، ولهذا تبدو الحكومة الآن في مواجهة خيارين احلاهما مر:
اولا: إما رفض معالجة مسألة المازوت في خلال فترة اشهر الشتاء لأنها تكلِّف ما يقرب من 70 مليون دولار (تضاف الى خسارة الكهرباء السنوية وهي 800 مليون دولار)، وهو امر سيضعها تاليا في مواجهة تظاهرات تؤججها طبول سياسية وحسابات رئاسية، ويمكن بالتالي ان تؤدي الى اضطراب متماد في الوضع يراهن عليه البعض.
ثانيا: وإما محاولة نزع فتيل المازوت عبر "تأمين دعم يكفل وصوله بسعر مقبول الى الناس، ولو بدا الامر متناقضا مع الاصول النظرية والاقتصاد لمؤتمر دعم لبنان. وفي هذه الحال ورغم الخوف الحكومي من ان يكون حبل المطالب مطاطاً وطويلاً، فان اضافة 70 مليون دولار الى كتلة الدين الضخمة، تبدو ضرورية على الاقل لمنع تفجير الاوضاع، عبر نزع ذريعة البرد من الذين يريدون للحكومة ان تذهب الى جهنم.
وعلى الاقل لكي يتنبه الناس، وقد لبّت السلطة مطالبتهم المحقة بالتدفئة الرخيصة، ان الذين يقرعون طبول التظاهر ويدعون الى قلب الطاولات، انما يفعلون ذلك لأهداف لا علاقة لها لا بجوع الناس ولا ببردهم.
وبين صقيع الشتاء، ونار المازوت، يمكن المرء ان يتذكر الاسطورة الاغريقية التي تتحدث عن "غضب الالهة"، حيث تستطيع عندما تريد ان تميت الانسان في النار فيصير رماداً ابيض، كما تستطيع ان تميته في الصقيع فيصير ثلجاً ابيض ويتفتت مثل الرماد.
وقياساً بهذه الاسطورة، وبمواقف بعض اللبنانيين والاصح بعض السياسيين في لبنان، ليس واضحا الآن ما هي الطريقة التي سيختارها ابناء هذا البلد المتعوس للاندفاع مرة اخرى في مازوشيتهم العامة المدمرة.
هل يريدون ان "يموتوا" في نار المازوت ويصيرون رمادا ابيض على هامش الاهتمام العربي والدولي، ام يريدون "الموت" في الصقيع، ليصيروا ثلجا ابيض مثل الرماد؟
طبعاً لا داعي للبحث عن الجواب، لكن من الضروري ان نتذكر ان لا علاقة لـ"الالهة" بهذا الغضب الذي يقرع ابواب اللبنانيين، لأن الغضب النازل فيهم هو نتيجة غياب العقل عند الكثيرين، ونحن امام فرصة تاريخية لبناء وطن رائع وفريد، ولكننا منقسمون في مسافة تمتد من حدود النار الى حدود الصقيع.
ويا لمرارة السخرية؟