GMT 23:20:31 2012 الإثنين 13 فبراير
إيلاف Elaph

أول يومية إليكترونية - صدرت من لندن 21 مايو 2001

  من عناوين اليوم

مواضيع أخرى

اقرأ أيضًا

جريدة الجرائد

كفّوا عن تدليل بيلاروسيا
بروجيكت سنديكيت

GMT 0:15:00 2005 الخميس 17 نوفمبر

آلديز كوسكيس

  ذات يوم قال لينين: “إن الرأسماليين مجردون من مشاعر الاحترام تجاه الآخرين إلى الحد الذي يسمح لهم بأن يبيعوا للسوفييت الحبل الذي قد يشنقوا به أنفسهم”. لقد ولت أيام لينين والشيوعية، لكن تلك اللامبالاة الساخرة بمعاناة الآخرين ما زالت قائمة حين يتعلق الأمر بجني الأرباح.

وتشكل بيلاروسيا مثالاً شديد الوضوح لهذه الحقيقة. فقد ظل الاتحاد الأوروبي بكل إصرار يتهم بيلاروسيا بأنها صاحبة آخر الأنظمة الديكتاتورية في أوروبا. ومع ذلك فإن حكومات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ما زالت تزاول أعمالها المعتادة مع الدكتاتور ألكسندر لوكاشينكو.

ويصدق هذا على نحو خاص حين تسنح الفرصة لتوفير أو جني المال. على سبيل المثال، ظلت ألمانيا لأكثر من عقد من الزمان تشتري الأزياء لقوات الشرطة، ومصلحة الجمارك، وحتى الأزياء النسائية للقوات المسلحة الفيدرالية الألمانية، من مصنع مملوك للدولة في مدينة دجيرزينسكي، المسماة تيمناً بأبي “الرعب الأحمر” ومؤسس هيئة الاستخبارات والأمن الداخلي السوفييتية (KGB) فيليكس دجيرزنيسكي. وهناك العديد من الأمثلة المشابهة لهذه اللامبالاة الساخرة.

وإذا ما رأينا كيف يتعامل الاتحاد الأوروبي مع لوكاشينكو باعتباره شريكاً تجارياً مفضلاً، في الوقت ذاته الذي يحاول فيه عزله باعتباره شخصية منبوذة على الصعيد الدولي، فإن الرياء الأوروبي يتجلى لنا بكل وضوح. وكان ينبغي على حكومات أوروبا، بدلاً من دعم نظام لوكاشينكو على نحو غير مباشر من خلال هذه الصفقات الودية الحميمة، أن تشرع في العمل وفقاً لما أدركه البرلمان الأوروبي منذ أمد بعيد: ألا وهو أن دعم لوكاشينكو اقتصادياً سوف يؤدي حتماً إلى إطالة أمد حكمه الرديء.

لذا فقد بات من المهم الآن، وأكثر من أي وقت مضى، أن يوحد البرلمانيون الأوروبيون كلمتهم وأن يعرضوا موقفهم بوضوح. ولقد أخذ البرلمان الأوروبي المبادرة بالفعل. فمنذ العام الماضي يستعين البرلمان الأوروبي بأشخاص من ذوي المعرفة التاريخية والفهم العميق للأنظمة الشمولية، بغرض المساعدة في توجيه ردود أفعال البرلمان بشأن الأحداث الجارية في بيلاروسيا. ولقد ساعدت نصائحهم بالفعل في صياغة الموقف القوي الذي اتخذه البرلمان في مواجهة الحفاظ على روابط اقتصادية غير ضرورية مع لوكاشينكو وأتباعه.

ولكن هناك موقفين يختلفان اختلافاً جذرياً عن موقف البرلمان الأوروبي فيما يتعلق بمشاركة بيلاروسيا في الأنشطة الأوروبية. فمن ناحية، قررت الجمعية البرلمانية التابعة للمجلس الأوروبي، منع السياسيين من بيلاروسيا من حضور اجتماعاتها في ستراسبورج، ولو حتى بشكل غير رسمي. وأعلنت الجمعية عن إدانتها لاغتصاب لوكاشينكو للسلطة من خلال التلاعب بنصوص الدستور بحيث تسمح له برئاسة البلاد مدى الحياة، كما أكدت شجبها لعمليات الاختفاء التي يتعرض لها أبناء شعب بيلاروسيا الذين بلغت بهم الجرأة حد التفكير على نحو مخالف للنظام الحاكم.

كما اتخذت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE) أيضاً موقفاً قوياً في مواجهة لوكاشينكو. فقد أكدت في تقريرها الأخير الصادر في عام 2004 بشأن بعثتها الخاصة بمراقبة الانتخابات البرلمانية التي جرت في بيلاروسيا آنذاك أن “عملية التصويت شابها انحراف ملموس عن التعهدات الخاصة بمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا”. وعلى نحو مماثل أعلن التقرير أن الاستفتاء الذي جرى في عام 2004 حول إلغاء الحد الأقصى لمدة الرئاسة “قد تم في ظل انحياز فاضح من قِبَل الحكومة لمصلحة الموافقة على الاستفتاء. علاوة على إجرائه في بيئة تفتقر إلى الظروف التي تضمن انتصار إرادة الشعب في مواجهة انحراف السلطات الحكومية، وعلى الأخص حرية التعبير وحرية الإعلام”.

ولكن في ذات الوقت الذي تدين فيه منظمة الأمن والتعاون في أوروبا هذه الممارسات المناهضة للديمقراطية، فما زالت جمعيتها البرلمانية تحافظ على علاقات تعاون وثيقة مع البرلمان في بيلاروسيا. والحقيقة ان منظمة الأمن والتعاون في أوروبا تتعامل مع البرلمان الذي يتحكم فيه لوكاشينكو وفقاً لمشيئته بالطريقة نفسها التي تتعامل بها مع أي برلمان آخر من برلمانات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وعلى هذا فإن البرلمانات الحقيقية والبرلمانات الزائفة تلقى المعاملة نفسها على قدم المساواة. ولو لم تكن القضية على هذا القدر من المأساوية لكانت تصلح كمادة جيدة لإثارة الضحك.

إن هذا الموقف السخيف المنافي للعقل لابد وأن يتغير. وإنه لمن واجب كل أعضاء البرلمانات الوطنية في الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي أن ترفض هذه الإهانة لكرامتها الديمقراطية. ولا ينبغي إلا للبرلمانات الديمقراطية أن تتساوى في المنتديات والمحافل الديمقراطية الأوروبية. والهدف من هذا ليس تأكيد نقاء الديمقراطية في أوروبا، بل إن الغاية الأكيدة هي تغيير طبيعة حكومة بيلاروسيا. ولكي يتحقق هذا، فلا بد وأن تعلو الأصوات الديمقراطية في بيلاروسيا وأن تلقى آذاناً صاغية.

مما لا شك فيه أن هذه الغاية لن تتحقق بسهولة. فمن بين 1500 منفذ إعلامي مختلف في بيلاروسيا اليوم، لا يحظى إلا ما يربو على العشرة منها بأي شكل من أشكال الاستقلالية. وحتى هذا العدد البسيط من المرجح أن يتضاءل، بسبب الضغوط السياسية والمالية والقانونية التي يمارسها لوكاشينكو على أجهزة الإعلام. وتأكيداً لهذا، فقد توقفت آخر صحيفة يومية مستقلة في بيلاروسيا عن الصدور مؤخراً.

لقد خصصت المفوضية الأوروبية مليوني يورو لإنشاء محطة إذاعية مستقلة تابعة لبيلاروسيا. وبطبيعة الحال، لابد وأن تعمل هذه المحطة من خارج البلاد بسبب لوكاشينكو. وبالتعاون مع اتحاد الصحافيين في بيلاروسيا، سوف تبث هذه المحطة المستقلة برامجها من لاتفيا، ولتوانيا، وبولندا، وربما أوكرانيا.

لكن هذا الجهد الضئيل يُعَد استجابة غير وافية من قِبَل الأنظمة الأوروبية الديمقراطية في مواجهة الدروع الواقية التي يحتمي بها لوكاشينكو: المحاكم الضعيفة سلسة القياد، والسجون، وقوات الشرطة الفاسدة. وسويعات قليلة من الإرسال الإذاعي هي حقاً كل ما تستطيع الأنظمة الديمقراطية في أوروبا والغرب أن تقدمه. إذا كان الأمر كذلك، فلابد وأن لوكاشينكو يضحك الآن ملء فيه.

يتعين على البرلمانيين في كل أنحاء أوروبا والغرب أن يضموا أصواتهم في إعلان واضح ومدو لإجبار قادة الغرب على ممارسة ضغوط حقيقية على آخر دكتاتور في أوروبا. لقد نجحت مثل هذه الضغوط في تحقيق نتائج إيجابية منذ عام مضى، حيث ساعدت في إنجاح الثورة البرتقالية في أوكرانيا. والحقيقة أن مواجهة لوكاشينكو لن  تتسنى لنا إلا من خلال موقف موحد، إذا ما كان لنا أن ننجح في إجباره، على تغيير أساليبه.

* عضو البرلمان الأوروبي عن لاتفيا، وهو نائب رئيس وفد البرلمان للعلاقات مع بيلاروسيا.