أمجد ناصر
قد يقول البعض: آه، لأنه أدان الابادة الأرمنية، وقد يقول آخرون: لأنه كاتب اشكالي في بلاده.. ولن نعدم من يقول إن الأمر يتعلق بما يسمي اليوم (صراع الحضارات)، وبتتويجه، بهذه الجائزة، تصطاد الجهة المانحة أربعة خمسة عصافير بحجر واحد!
قد يكون كل ذلك صحيحا، ولكن الصحيح ايضا، أن أورهان باموق الذي منح يوم أمس جائزة نوبل للاداب للعام 2006، كاتب موهوب وجدير بجائزة مخترع الديناميت التي صارت علامة مسجلة للجودة.
وفي ما يخصنا، نحن العرب المتطلعين منذ سنين الي يوم الخميس الموافق 12 تشرين الاول (اكتوبر) علنا نوضع، مرة اخري، علي خارطة الادب العالمي، لم يبتعد قرار الاكاديمية السويدية عنا كثيراً. فتركيا، لولا العداوة التي نفخت في كيرها الفكرة القومية العربية المغالية، هي أقرب البلاد إلينا، بل كنا، حتي وقت قريب، نشكل معا، عالماً واحداً مترامي الاطراف في ضياعه وبؤسه.
لم تذهب الجائزة الي عربي (تحديداً أدونيس المرشح المزمن علي قائمتها) ولكنها اقتربت، علي نحو غير متوقع، من عالمنا، فعندما تكرم (نوبل) أدب أورهان باموق، فهي، تكرم، في الوقت نفسه، عوالم هذا الروائي التي تكاد ان تكون سوريةً أو لبنانيةً أو مصريةً.
عوالم بلاد تتأرجح بين هويتين وثقافتين وفكرتين، ولا تتمكن، رغم قسوة القرارات الفوقية وتجاذبات الشارع الأصولية، من حسم الصراعات لصالح هوية واحدة.. او ثقافة بعينها.
ومع ان أورهان باموق ليس روائيا (اجتماعيا)، فاهتمامه بالمصائر الفردية لشخوصه واضح للعيان، إلاّ ان أعماله، في الوقت نفسه، تتحرك في فضاء اجتماعي وثقافي وسياسي وتاريخي مشابه، تماماً، لفضاءاتنا العربية.
وليس غريبا، والحال، ان السوريين هم اكثر الذين اهتموا بالأدب التركي الحديث وقدموا لنا أسماء أساسية فيه ابتداء من يشار كمال وانتهاء بأورهان باموق مرورا بالساخر ذائع الصيت عزيز نيسين.
فلسورية تاريخ خاص من الشد والجذب، العداء والصداقة مع جارتها الكبيرة ومن الطبيعي ان يكون الاهتمام السوري بأحوالها اكثر من أي بلد عربي آخر، باستثناء العراق الذي له هو ايضا قربه وتجاذباته مع الاتراك و(الجغرافيا) التركية.
o o o
أورهان باموق اسم مستجد علي قائمة قراءتنا العربية، فضلا عن تأخر اطلاعنا أصلا علي الادب التركي الحديث، فإن هذا الكاتب الذي لا يتجاوز الرابعة والخمسين من العمر، يعتبر من الاجيال اللاحقة علي يشار كمال وعزيز نيسين، ولعل اهتمامنا بأعماله ترافق مع الاهتمام الغربي بها. فقبل أكثر من خمسة عشر عاما ترجم بعض اعماله الي اللغة الانكليزية، الأمر الذي دفع صحيفة (نيويورك تايمز) الي القول ان نجماً قد سطع في سماء الشرق، وربما لو لم يحظ باموق باهتمام غربي بأعماله لما قيض لنا ان نكتشف هذا الكاتب الروائي الفذ. وهذا الأمر يعيد التأكيد مرة بعد مرة، علي فكرة المعيارية الغربية حتي في خصوص الانتاج الأدبي غير الغربي.. وتلك حكاية اخري.
المهم في الأمر أن العربية أخذت تتحسس أمكنة أخري للحداثة والتثاقف في غير المركز الغربي، وما الاهتمام بالأدب التركي والايراني المتزايد إلاّ بداية وعي بمحيطنا ذي التأثير المباشر علي مصائرنا.
o o o
أعرف ان هناك روايتين لأورهان باموق مترجمتين الي العربية هما اسمي أحمر و الحياة الجديدة ، بتوقيع المترجم السوري عبد القادر عبداللي، وقد تكون هناك روايات اخري لم يتسن لي معرفتها.
لا تتشابه الروايتان في موضوعهما، وان كانتا تبدآن من شخص ميت يتكلم (اسمي أحمر) وآخر يري موته وموت العالم الذي يعيشه ما أن يشرع في قراءة كتاب (الحياة الجديدة).
(اسمي احمر) رواية تعود الي التاريخ العثماني من خلال الفن الاسلامي (المنمنمات، النقش، الرسم علي السجاد الخ)، فيما (الحياة الجديدة) تدور في حاضرنا المطبوع بماركاته التجارية (الأفلام الهوليوودية، المارلبورو، المشروبات الغازية الخ) التي تخترق حتي أكثر المناطق نأياً وعزلة.
ويبدو أن هناك عالما يحتضر في العملين ويستعد لاستقبال استحقاقات التاريخ والجغرافيا (في اسمي أحمر)، فيما تكون هذه الاستحقاقات قد بلغت مداها في (الحياة الجديدة)، رغم ان الفاصل الزمني يبلغ نحو أربعة قرون بين الروايتين، قد يكون هو الزمن الذي شهد صعود السلطنة العثمانية وسقوطها، وما تبع ذلك السقوط من تحولات دراماتيكية علي سطح الحياة التركية، من دون ان يعصف، تماما، بأعماقها.
الروايتان تتخذان خليج البسفور نقطة انطلاق أو نوعا من المسرح. ولا يخفي اتخاذ البرزخ الفاصل الواصل بين آسيا واوروبا من قبل الكاتب للدلالة علي هذا الاستحقاق الجغرافي ـ الحضاري.
وقد تصلح اسطنبول، مدينة أورهان باموق ومسرح بعض أعماله، رغم اوروبيتها، كاستعارة للمدينة العالمثالثية الحديثة التي تتصارع فيها هويتان وثقافتان: الاولي محلية (عربية أو تركية أو فارسية أو هندية أو صينية) والثانية، بالضرورة غربية. فليس مهماً ان تكون هذه المدينة العالمثالثية تقع علي خط فاصل (أو واصل) بين الغرب والعالم الثالث، فقد تكون في اعماق آسيا ولكنها تعيش علي ايقاع هذا الصراع غير المحسوم.
ألا تشبه روايات باموق، والحال هذه، أعمال بعض كتابنا العرب الذين التقطوا التغيرات التي طرأت علي الحياة العربية والصراع الدامي علي الهوية، مثل نجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف والطيب صالح ومحمد شكري وجمال الغيطاني وصنع الله ابراهيم وأمين معلوف الخ..
o o o
مرة أخري تذهب (نوبل) الي الرواية، وينأي الشعر، فمن بين الأسماء المرشحة (من قبل الصحافة) للجائزة لم يكن هناك شاعر سوي أدونيس، اما الباقي من امثال كونديرا، فيليب روث، اسماعيل قدري، بن أوكري، فهم روائيون. فبعد أزماته في التلقي والطبع والتوزيع تأتي أزمة الشعر مع الجوائز. كأن هناك (قرارا عالميا) يقضي بموت أقدم تعبيرات الانسان وأكثرها كثافة وجوانية لصالح الرواية، الأمر الذي سيفرح صديقنا الناقد جابر عصفور صاحب مقولة (زمن الرواية).
لم نكن نعلم، من قبل، ان لجابر عصفور هذا النفوذ علي القرار الأدبي العالمي!