الثلاثاء: 2006.10.17
رسالة باريس ـ نجاة عبدالمنعم، الأهرام

ميشيل اليو مارى ـــ سيجولين رويال
دخلت المرحلة الانتخابية بفرنسا طورا جديدا لم يقف عند تطاول بعض المرشحين علي بعضهم بعضا, انما بدأت ثمة ترتيبات جديدة تلوح بالكواليس الحزبية ففي اليمين الحاكم يكشف اللثام عن اجراءات منوط بها ايجاد البديل أو المنافس للمرشح الأوحد ـ مبدئيا ـ عن حزب الاغلبية نيكولا ساركوزي وان جاء اعلان ترشيح الن جوبيه رئيس الوزراء الأسبق أخيرا غير كاف نظرا لعدم شعبيته.
وفي تلك الأثناء يتخذ السياسيون بجميع اتجاهاتهم من موائد شهر رمضان بفرنسا فرصة للقاءات المنظمة بغية تدعيم الحملات الانتخابية وكسب اصوات المسلمين خاصة أنهم قوة انتخابية لا يستهان بها ـ اذ يتراوح تعداد المسلمين بفرنسا الآن مابين السبعة والثمانية ملايين ـ ونحن علي اعتاب الانتخابات الرئاسية والمقرر لها ابريل2007.
وفي تلك الآونة تشهد الساحة الفرنسية حالة من الحراك السياسي علي جميع الاصعدة, فمنذ بداية الشهر الكريم شهد مسجد باريس توافدا ملحوظا للسياسيين الطامحين في السلطة ليس فقط لمشاركة المسلمين موائد افطارهم انما ايضا لينتهزوا الفرصة, وبطريقة غير معلنة لطرح مايسمي بالبرنامج الانتخابي أو ماينم عنه. وفي هذا الاطار جاءت زيارة ميشيل اليو ماري وزيرة الدفاع لمشاركة المسلمين افطارهم ـ أخيرا ـ لتؤكد المرأة الطامحة لخوض الانتخابات الرئاسية علي خطتها ومنافسة مرشحة اليسار الاشتراكية سيجولين رويال الأوفر حظا أمام مرشح اليمين الوسط ورئيس الحزب الحاكم حاليا نيكولا ساركوزي.
وفي اشارة منها للرسوم الكاريكاتيرية وما يثار علي الساحة من معاداة الاسلام.. حثت كلمتها علي الرفض القاطع لأن تكون حرية الرأي علي حساب المعتقدات والأديان.
وحاولت ميشيل من خلال كلمتها لمسلمي فرنسا بتوصيل رسالة خاصة مفادها التنديد بالاعتقاد الخاطئ الذي يجعل من العالم الغربي خصما أو عدوا للعالم الاسلامي برفضها القاطع بالاشارة من قريب أو بعيد إلي شحذ الصدام بين الغرب والشرق.. من منطلق ان قاطني القطبين يدينون بالديانات السماوية الثلاث التي تأتي بمضمون واحد وتحث في مجملها علي ثلاثة اساسيات, التسامح, والتعددية واحترام الآخر.
وتناولت المرأة القوية كما يطلق عليها الوسط السياسي موضوع التفرقة العنصرية بأسلوب ومنهج منظم بغية التأثير علي مشاعر الحضور, بل بيقين منها من أين تؤكل الكتف؟ فهي تعلم جيدا ان قضايا التفرقة العنصرية وتكافؤ الفرص من اهم القضايا التي تؤرق المواطنين الفرنسيين من اصول اجنبية وبصفة خاصة ممن يدينون الديانة الاسلامية, مؤكدة ان سياسة الدولة تعمل علي ألا يكون هناك تفرقة بأي شكل من الاشكال بين حاملي الجنسية الاصليين أو هؤلاء المكتسبين لها.. معللة ان هذه المبادئ هي التي قامت عليها بل وجاءت من أجلها الجمهورية الخامسة والتي قامت علي المساواة والمؤاخاة والحرية.
وبعد ان اصبح من المستبعد ان يعيد شيراك ترشيح نفسه لفترة رئاسية اخري خاصة انه ترك الباب مفتوحا امام ترشيحه ليثير جدلا! إلا أنه من الواضح ان اليو ماري هي الكارت الأخير في يد الرئيس شيراك وهي التي يعول عليها لإبقاء زمام رئاسة البلاد في ملعب اليمين الحاكم خاصة أن خطة شيراك بتمهيد دوفيلبان رئيس الحكومة الحالي لخلافته باءت بالفشل واصبحت شبه مستحيلة.. اضافة ان لشيراك رغبة دفينة بألا يعتلي ساركوزي كرسي الرئاسة بالاليزيه وهو الأمر الذي تسعي من اجله قوي سياسية أخري بداخل الحزب لايجاد المنافس لساركوزي مما يزيد من فرصة ماري بالفوز حينما تعلن عن ترشيح نفسها علي الاقل داخل الحزب نفسه وبصفة مبدئية.
2ـ وربما يفسر ذلك تعمد ميشيل اليو ماري التابعة للمعسكر الاشتراكي أو بالأحري الديجولي بمهاجمة سياسة وزير الداخلية نيكولا ساركوزي عن طريق التلميح أو التصريح, خاصة أن سياسة ساركوزي في الفترة الأخيرة باتت تنم عن عنصرية مفرطة ضد ابناء الاجانب وشهد عليها اساليبه المتبعة في معالجة أزمة الضواحي.. وما خلفته من تعميق رصد الكراهية ضده لدي أبناء المهاجرين, وان كان ساركوزي حتي الآن هو المرشح الأوفر حظا عن اليمين الوسط, وبصفة خاصة بعد نهاية دومنيك دوفيلبان المؤسفة وهبوط شعبيته بتكرار كوارثه السياسية بداية من قانون وظيفة العمل الأول الذي اصر علي تمريره بالرغم من الرفض القاطع له من الطلاب أو النقابات العمالية.. هذا بالاضافة الي فضيحة ووترجيت الفرنسية والمسماة بفضيحة كلير استريم ومفادها ان دومنيك دوفيلبان ـ رئيس الوزراء الحالي ـ متهم بمحاولة توريط ساركوزي في عمولة صفقة اسلحة ومازالت هذه القضية قائمة امام قضاء فرنسا ولكنها كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير, وافقدت دوفيلبان البقية الباقية من شعبيته بل واطاحت بمستقبله السياسي!!.. لينهي بذلك طريق الطموح لقصر الاليزيه.
لذلك لم يكن لقاء اليو ماري بالجالية المسلمة علي مائدة الافطار بقلب مسجد باريس لمجرد كسب الود فحسب بل تأتي الزيارة لتؤكد الخطة غير المعلنة لترشيح وزيرة الدفاع لخوض الانتخابات الرئاسية عن اليمين الوسط امام نيكولا ساركوزي وهذا ما أكدته زيارتها السابقة الي اراضي فرنسا فيما وراء البحار.
والمراقب للساحة السياسية يلحظ ان الحملة الانتخابية بدأت تأخذ منحي نسائيا بصعود وزيرة الدفاع ميشيل اليو ماري والشهيرة بـ مام بمواجهة نجمة استطلاعات الرأي اليسارية سيجولين رويال.
وفي نفس التوقيت تستغل ميشيل اليو ماري الفرصة باتخاذها موقفا واضحا لتنأي بنفسها عن رئيس حزبها نيكولا ساركوزي منددة لسياسته خاصة بعد زيارته الي الولايات المتحدة الأمريكية معتبرة اياه رجل الولايات المتحدة الأمريكية بفرنسا.
بل واخذت وزيرة الدفاع من زيارتها الأخيرة لاراضي فرنسا فيما وراء البحار فرصة لتنتقد رئيس الحزب معززة مكانتها كمرشحة محتملة لانتخابات الرئاسية في إبريل المقبل.
وأتي انتقادها لوزير الداخلية نيكولا ساركوزي في اراضي فرنسا فيما وراء البحار, ليصب الزيت علي النار خاصة أن اهالي جزر الأنتي وجواديلوب يكنون كراهية دفينة ومعلنة لساركوزي وبصفة خاصة بعد حادث ازمة الضواحي وتبلور ذلك برفضهم ان تطأ قدما ساركوزي لاراضيهم ذلك بسبب نعت ساركوزي لابنائهم ـ من قاطني الضواحي ـ بحثالة المجتمع بل وانتهج ضدهم كل اساليب العنف والعنصرية!!
ومن هنا انتهزت وزيرة الدفاع الفرصة بتدعيم موقفها هناك بالقاء عدة خطب وسط ترحيب بالغ من أبناء الأنتي واستفاضت في نقد ساركوزي فيما يخص عدم اهتمامه بالشأن الدولي وقصر النظر فيما يتعلق بالمهاجرين, ورغبته الدائمة في تقليص ميزانية الدفاع وان كان الأمر الاخير هو الذي يشحذ الكراهية بين الوزيرين, اما المرأة التي حازت علي تأييد جماهيري لتبنيها البرنامج الديجولي فقد توجت بوصفها رئيسة الجيوش وبثت ماري الرئيسة السابقة للحزب الديجولي التجمع من أجل الجمهورية الذي خلفه حزب الاغلبية عدة رسائل تفتح الباب امامها لخوض رئاسة العام القادم.
وان كانت ماري والتي تحظي بشعبية واسعة وسط الجيش تحرص علي ابعاد ساركوزي عن الجيش وعدم تدخله في شئونه نظرا لوجود اختلاف جوهري في العمق وعلي المستوي الاستراتيجي مع وزير الداخلية, إلا انها تستكمل خطتها لكسب ثقة مرشحيها في خطوة تجاه تكافؤ الفرص ونبذ العنصرية وتؤكدها دعوي الرئيس الجديد لأركان القوات البرية الفرنسية الجنرال برونو كيوش بتعيين أعداد أكبر من الضباط من ذوي الاصول المهاجرة والمنتمين الي اقليات ذات ملامح مميزة سواء من المغاربة أو السود واغلبيتهم من المسلمين.
وبالفعل ثمة تفاعل ملحوظ بإقبال كبير من أبناء الاقليات المذكورة للالتحاق بفئات المتطوعين, وفي خطوة جادة تجاه التكافؤ والتعددية ومحاربة العنصرية يحظر القانون قيام أي احصاء وسط الجنود علي اساس عرقي, الأمر الذي يحول دون إعلان أعداد الجنود وفقا لانتماءاتهم العرقية سواء المغربية أو الافريقية السوداء.
وربما يوضح ذلك مدي التباين في السياستين أي بما تسعي اليه اليو ماري والوزارة التي تتبوأها بعكس اتجاهات ساركوزي الصريحة المناهضة للإسلام والمسلمين.
3ـ وعلي مستوي الجالية المسلمة, ونظرا لسياسة ساركوزي المعلنة ضدهم استنكرت بعض القيادات الاسلامية ان يسعي البعض لدعم نيكولا ساركوزي رغم مواقفه المتنافية مع احترام خصوصيات المسلمين.
واعلنت بالفعل بعض المنظمات الاسلامية بفرنسا عن عدم اختيار ساركوزي في الانتخابات المقبلة ليكون خير عقاب علي سياسته ضدهم ذلك باتباع اسلوب التصويت العقابي الذي لا يعني تأييد مرشح ما, بقدر ما يعني سحب الأصوات عن مرشح بعينه.
وان كان السبب الرئيسي لشرخ العلاقات بين ساركوزي والجماعات المسلمة في الآونة الأخيرة جراء المواقف المخيبة للآمال التي تبناها رئيس حزب الاغلبية من قضية أزمة رسوم الكاريكاتير والعدوان الإسرائيلي علي لبنان.
وفي هذا الصدد وصف محمد بشاري رئيس فيدرالية مسلمي فرنسا ساركوزي بأنه مرشح الأمريكيين في فرنسا فضلا عن أنه يري نفسه صديق اسرائيل دون قيد أو شرط.
وان هناك لبسا واضحا في الخطاب الانتخابي لساركوزي فيما يتعلق بالاسلام بسبب ما يتضمنه من مجاملات للمسلمين لا ترقي الي حد المواقف العملية, ناهيك عن نيله من حقوق المسلمين داخل وخارج فرنسا.
وان كان بعض القياديين الاسلاميين لا يحبذ في المطلق اختيار اليمين بصفة عامة, أيا كان ساركوزي أو ميشيل ماري نظرا لموقف اليمين من بعض القضايا المهمة والحساسة بالنسبة للمسلمين كقضية الحجاب التي اتخذ اليمين الحاكم فيها خطا مناوئا لمبدأ الحريات الشخصية.
وان كان الفرنسيون والطبقة الكادحة من المهاجرين بصفة عامة لا ترغب في اليمين حيث انهم يعولون علي الاشتراكيين وبصفة خاصة ليونيل جوسبان قبل انسحابه المعلن أخيرا بعد فشله ـ للمرة الثانية ـ في لم أواصر الاشتراكيين الممزقة, وبصفة خاصة لشعوره بعدم القدرة علي الهالة الاعلامية التي تحيط بـ سيجولين رويال ووضعتها علي قمة المرشحين ونجومية استطلاعات الرأي!! الا انه بالرغم من كل ماتعج به الساحة من تناحر بغية الوصول الي قصر الاليزيه, وبالرغم من كل ماتقوم به وزيرة الدفاع الا ان الشعب الفرنسي قد عاني علي مدي فترتين رئاسيتين من مساويء اليمين ايا كان علي مستوي البطالة أو تدني الاجور ـ مقارنا باليورو ـ مما أدي بالمجتمع الي منحي خطير من تزايد الانحرافات والجريمة وما يترتب بصورة أو بأخري عن البطالة والفقر.
لذلك يجد المراقبون للساحة السياسية عودة وشيكة لليسار الاشتراكي الذي يسعي لرفع المعاناة عن المواطن.. وعلي كل حال لم يتبق سوي سبعة أشهر لمعرفة نتاج الصراع المحتد علي رئاسة فرنسا ودخول قصر الاليزيه.