إيلاف: الشركة / التحرير | إجعلنا صفحتك الرئيسية | المواضيع الأكثر زيارة | دليل إيلاف | إتصل بنا | Advertise | RSS Feeds
 العدد 3110 الخميس 26 نوفمبر 2009 آخر تحديث  GMT 8:00:00 AM

  Facebook
  Delicious
  Stumbleupon
  Digg
  Reddit
إيلاف>>جريدة الجرائد   
    

سياسة الشاي المغلي ودول البسكويت

GMT 4:00:00 2007 الإثنين 29 أكتوبر

البيان الإماراتية



علي الخشيبان
 
 
 نحن في دول الخليج لنا فلسفة خاصة في تعاملنا مع الشاي «المغلي» والبسكويت فنحن غالبا صغارا كنا أوكبارا «نغمس» البسكويت في الشاي الذي نتناوله صباحا لكي يساعدنا على ذوبان البسكويت مما يسهل مضغه ومن ثم «ابتلاعه» مما يزيدنا لذة في طعمه. 
 
الأطفال والكبار يحبون هذه الطريقة لتناول البسكويت الجاف مع الشاي، صغار السن وكبار السن تجدهم يحرصون وبشكل دائم على (غمس) البسكويت بالشاي وخاصة في الصباح الباكر وسببهم في ذلك أنهم جميعا ليس لديهم أسنان كافية لابتلاع قرص من البسكويت الجاف. 
 
مشكلتنا مع البسكويت ونحن نأكله صغارا ونعاود أكله بنفس الطريقة عندما نكبر، تتمثل في نوعية البسكويت فبعضها سريع الذوبان إلى درجة انه لا يمهلك كثيرا فيذوب في اقل من ثوان معدودة في كأس الشاي بالإضافة إلى أن تكرار «غمس» البسكويت في الشاي يحوله إلى مادة باردة يصعب تناولها بالإضافة إلى كم كبير من الأجزاء الذائبة من البسكويت في أسفل كأس الشاي الذي نستخدمه. 
 
بعد أن تخطيت مراحل طفولتي اكتشفت أن فكرة الشاي «الساخن» التي يذوب فيه البسكويت ويتحول إلى مادة سهلة الهضم، يمكن أن تكون نظرية سياسية تصف حالنا نحن العرب وقد تصف أجزاء كبيرة من العالم المحيط بنا. 
 
فمن خلال نظرية الشاي «المغلي» يمكن وصف ذلك العمل السياسي الذي تمارسه تلك الدول الكبرى والقوية وهي تعامل العالم كما لو كانت كأسا من الشاي الساخن تغمس فيه جميع أنواع البسكويت الموجودة في العالم. 
 
لقد تذكرت كيف تحولت ألمانيا وحلفاؤها التي كانت كأسا يذوب فيه كل معدن إلى قطعة بسكويت هشة سهلة الذوبان بعد أن استطاع كأس الحلفاء أن يغمسها قي كأس من سياسة الشاي «المغلي» وشاهد العالم كيف تحولت تلك السياسة القوية إلى سياسة سهلة الذوبان في إبريق القوى العظمي. 
 
وفي جانب آخر تذكرت حروبنا العربية مع إسرائيل وكيف تحولنا في كل تلك الحروب التي خضناها إلى دول سهلة المضغ ذائبة المواقف يسهل على طفل سياسي كدولة إسرائيل في ذلك الوقت التهامها بعد إذابتها في كأس من الشاي السياسي «المغلي». 
 
بعد إسرائيل التي أذابت كثيرا من البسكويت العربي في كوب «ساخن» من سياستها التي أوقد عليها في نار حمئة تغلي دائما في واشنطن ويسمع حفيفها من يسكن الأرض، أصبحت هذه السياسة التي تمثل نارا مشتعلة قريبة من كل مكان بل قريبة من كل البسكويت العربي بجميع أنواعه وأشكاله، 
 
وأصبحت الكثير من الدول على شكل قطع من البسكويت تخشى أن تقع في هذا الشاي من ثم تذوب كما ذاب غيرها حيث يتم التهامها وهنا لب المشكلة ومن ثم تختفي هذه القطعة من الوجود. لقد ترك لنا تاريخنا نماذج من قطع البسكويت التي ذابت في سياسة الشاي «المغلي» بعضها تم التهامها لدرجة انه لا حول لنا ولا قوة في إعادة تلك القطع النادرة من أرضنا. 
 
بعض قطعنا الثمينة ومنها (سيناء) تلك القطعة اللذيذة من البسكويت العربي الذي حاولت سياسة الشاي المغلي التهامها ولكننا قبل أن يتم ذلك تمكنا من استعادتها قبل أن تختفي تماما ولكنها بالتأكيد ذابت فأصبحت تحتاج منا إلى تجفيف وإعادة صناعه لكي تعود كما كانت. 
 
لبنان التي تم غمسها أيضاً في سياسة الشاي المغلي وبدأت وكأنها تذوب، ها نحن نقاوم ذوبانها ونحاول أن نؤجل ذلك الذوبان وخاصة أن عوامل ذلك الذوبان كثيرة في هذا البلد الذي نخشى عليه كثيرا ولكننا لم نعلن بعد عن قدرتنا على تأجيل ذوبانها في سياسة الشاي المغلي. 
 
مشكلة البسكويت العربي انه هش وخاصة أن صناعته تمت بعد رحيل الاستعمار الغربي عن الأرض العربية، فقامت تلك الصناعة على إدخال مواد مذيبة بحيث يسهل فصل الأجزاء عن بعضها ببساطة ومن تلك المواد المستخدمة قضايا كثيرة منها على سبيل المثال (الحدود، تقسيم الدول، الصراعات الفكرية، والسياسية). 
 
كل ذلك حدث بالإضافة إلى مواد كيميائية دقيقة تم جلبها من التاريخ الماضي والقريب ساهمت فيها مكونات أساسية في عالمنا العربي منها (الطائفية، والإسلام السياسي، والمذهبية، والقبلية)، كل هذه المواد وغيرها لعبت دورا جعل من السهل أن تختفي وتذوب معظم أقراص البسكويت العربي من المحيط إلى الخليج بمجرد غمسها في كأس من الشاي السياسي ولو لم يتم الغلي بدرجة كبيرة. 
 
لقد أصبحنا نردد كل صباح وعلى طريقتنا الشعرية (أن من لم يذب بسياسة الشاي الساخن ذاب بغيره من سياسة التهديد بالغمس في كأس من الشاي الغربي المغلي). فلسطين التي نعتبرها أول قطعة بسكويت تم التهامها هي أيضاً أكثر قطعة ذابت في فم تلك السياسة ولم يبق منها سوى قطعة صغيرة هي في طريقها للذوبان وذلك منذ مؤتمر أوسلو إلى مؤتمر الخريف القادم. 
 
هذا التاريخ المتلاحق من التهام قطع البسكويت العربي الذي تمثل فيه الأرض اغلى مكوناته أصبحنا نشك كثيرا في قدرتنا على التصدي لمنع ذوبان تلك القطع الصغيرة والمتناثرة على الخارطة العربية. 
 
هاهي غزة والضفة الغربية آخر قطعتي بسكويت في فلسطين تقاوم وتحاول الاستعانة بالتاريخ العربي والإسلامي والعالمي لمنع التهامها من جديد، بالإضافة إلى دول عالمية تجاهد لمنع بقية الأرض العربية من الذوبان في سياسة الشاي المغلي والذي توقد إسرائيل تحت إبريقه مستخدمة خططا سياسية وجدارا عازلا ومؤتمرات دولية ومناهج مختلفة من سياسات تتابعت علينا خلال خمسين عاما مضت. 
 
بعد الحادي عشر من سبتمبر تم وصل التاريخ الإسلامي بالواقع من خلال أسلوب عقيم حاول ـ الإسلام السياسي ـ أن يستخدم فيه الإسلام كمادة صلبة يمكن من خلالها وقاية العالم العربي والإسلامي من حرارة الشاي الغربي، ولكن النتيجة جاءت عكسية ومخزية. 
 
لقد كانت فكرة القاعدة مزيفة فحاولت استخدام التاريخ الديني وباسمه حاولت تقديم الإسلام للعالم بطريقة عنيفة ظنا منها أن ذلك هو العلاج الوحيد للأمة فطرحت فكرة الخلافة بشكل نظري وجمعت من التاريخ شواهد وأدلة وأحاديث عجزت أن تجد لها مكاناً في الحاضر. 
 
اعتقدت القاعدة أن التاريخ وشواهد الماضي كفيلة بصيانة الجسد الإسلامي ولم تدرك أنها سوف تساهم في إذابة قطعتين جديدتين من البسكويت الإسلامي فهاهي أفغانستان تذوب إلى نهايتها في سياسة الشاي «المغلي» بالإضافة إلى قطعة جديدة هي العراق الذي يقاوم ذلك الذوبان بكل قواه التاريخية. 
 
العراق الذي يقاوم الذوبان لا تختلف صناعته التاريخية كثيرا عن غيره من دول البسكويت العربي فهو مصنوع من نفس المواد التي خلفها لنا الاستعمار ويعاني من نفس التركيبة الكيميائية الفكرية المذكورة في رأس هذا المقال. 
 
السودان قطعة جديدة تغمس في نفس السياسة من جديد، فقطعة الجنوب بدأت بالذوبان وقطعة دارفور تلحق بها تباعا، وليس هناك من مؤشرات توحي بأن هناك من أمل قد يساهم في إنقاذ قطعة من قطع جسدنا العربي دون تمريرها في ذلك الكأس المغلي. 
 
عالمنا العربي تلك القطعة الكبيرة من البسكويت كان بإمكانه أن يحول ذلك الشاي المغلي إلى مادة باردة لو رفض التجزئة وكانت سياسة الوحدة والصلابة العربية توضع في مقابل السلام، فحتى 
 
وإن كان سوف يتعرض إلى غمسة مؤلمة في كأس من سياسة الشاي الساخن إلا انه سوف يحول ذلك الكأس إلى مادة باردة لو تماسك مع بعضه. لقد سرد لنا التاريخ كيف يلقي بنا قطعة قطعة في سياسة الكأس المغلي التي تذيب كل القطع لأننا فقط قطع صغيرة ومتناثرة. 

 
 كاتب سعودي

 

 

0 :عدد الردود
تعليقات القراء
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إيلاف.
 
 

جميع الحقوق محفوظة © 2001 - 2008 إيلاف للنشر المحدودة Elaph Publishing Limited ©
تطوير وصيانة Developed & Maintained By