غسان الإمام
قمة العرب غدا. ليس لدي ما اقوله زيادة عما قلت في الثلاثاء الماضي. الواقع أني اشعر بالأسف والاسى عندما أقرأ توماس فريدمان يدعو رجلا بمكانة وقدر عبد الله بن عبد العزيز الى الذهاب الى الكنيست لتقديم مبادرة السلام العربية! اقول لهؤلاء الكتاب الاميركيين والمتأمركين الذين يُدفع بهم الى الصحافة العربية ان عبد الله بن عبد العزيز ليس السادات. العاهل السعودي قائد عربي فخور بعروبته، معتز بكرامته، عارف بمسؤولية وشرف منصبه امام ملايين العرب. مرة اخرى يبرهن هؤلاء الكتاب عن استخفافهم بمشاعر العرب، وبعدم درايتهم بالتاريخ والماضي والحاضر السياسي في المنطقة.
قد اعود الى الحديث عن القمة إذا ترتبت على قراراتها مواقف جديدة. لكن اتناول اليوم موضوعا غريبا عنها: ازمة المثقف العربي مع السلطة والدولة والسياسة. المناسبة الغياب الصامت للدكتور سعدون حمادي الذي سلبه الشنق المدوِّي لإنسان غير محسوب على الثقافة والمثقفين كطه الجزراوي، حقه في التذكير سلبا وايجابا بدوره. حتى في الموت لا يتساوى المثقف مع المسؤول السلطوي.
سعدون حمادي واحد من اقدم مثقفي «البعث»، واحد كان في مقدمة جيل شيعي خرج من «غيتو» الطائفة منذ اواخر الاربعينات ليشارك في السياسة ثم في السلطة، وليشكل قاعدة شبابية شيعية عريضة لأحزاب السياسة والايديولوجيا. هذا الجيل الشيعي المتسيِس بدأ بالانقراض منذ السبعينات، بعدما قررت المرجعيات الدينية الشيعية في ايران والعراق ولبنان استعادته مع الاجيال الجديدة، من الاحزاب القومية واليسارية. وحققت نجاحا كبيرا الآن في اعادة هذه الاجيال الى «غيتو» الطائفة مخَدَّرَةً ببخور عصور من الاجتهاد التقليدي المتوارث بلا جديد فيه.
منذ التحاقه بالبعث طالبا في جامعة بيروت الاميركية، اكتسب سعدون حمادي «سحنة» المثقفين البعثيين: ذهنية ثقافية وفكرية معَينة طبعت وجوههم وعملهم السياسي. طُهْرٌ قومي لكن في جفاء وجمود وافتراق عن الواقع. لم يكن البعث حزبا فاشيا عند التأسيس. الفضل لهؤلاء المثقفين الذين أسسوه. غير أن ايمانهم بالحرية كان ضعيفا أو مترددا. وحتى في انفصالهم عن الحزب ظلت سحنته تلازمهم، تلك السحنة الباردة والغائمة التي أبعدتهم عن الشارع والناس العاديين، وتسببت في أزمة المثقف السياسي والحزبي في العالم العربي.
بعد نشاط حزبي متحمس في العصر الملكي أوصله إلى عضوية القيادة القطرية العراقية، انكفأ سعدون حمادي لمتابعة تحصيله العلمي (دكتوراه في الاقتصاد من اميركا)، ثم للعمل كتكنوقراط في مجال اختصاصه في عدة بلدان عربية. بعد انقلاب البعث الأول (1963) والثاني (1968) يصبح المثقف البعثي وزيرا للإصلاح الزراعي ثم للنفط.
في عهده تم تأميم النفط العراقي (1973)، لكن صدام لم يسمح بإغلاق صنبور النفط تضامنا مع قرار قطع النفط العربي، بحجة أن العراق بحاجة إلى كل موارده لتمويل التنمية.
الواقع ان صدام لم يكن يريد إيذاء الغرب بأبعد من التأميم، وفاء لمساعدة الغرب له في الوصول إلى الحكم مع البكر. حقيقة غابت في تفاصيلها، بعدما اخمد صدام أنفاس ناصر الحاني وزير الخارجية الذي هندس «المؤامرة الانقلابية» مع المخابرات الغربية عندما كان سفيرا للعراق في بيروت.
ها هو المثقف في نعيم السلطة ينتقل من النفط إلى الديبلوماسية وزيرا للخارجية (1974). يصمت المثقف المستوزر صمت الحملان وهو يشاهد صعود صدام المذهل على جثث مواكب لا تنتهي من الرفاق وغير الرفاق ساقها الى ساحات الإعدام. لماذا صمت سعدون وطارق عزيز؟! لان الحزب كان في حاجة الى «غانغستر» غوغائي كصدام ليباري الشيوعيين في السحل والقتل في لعبة الشارع القذرة. ثم كان الحزب بحاجة إلى «غرينغو» الشرير الذي يمكِن للحزب في السلطة.
تأخر المثقف وتقدم رجل العنف والقوة. في غياب الوعي بقيم الحرية والديمقراطية، شاهد حمادي ازدهار بدعة «عبادة الشخصية» في جمهورية الخوف. أصبح «المعبود» رمزا لدمج الدولة بالحزب والنظام. راح يعتبر كل نقد لسلوكه خيانة للدولة وللحزب وللنظام. كان إعدام الجناح الحزبي (29 قياديا حزبيا) المؤيد للوحدة مع سورية (1979) أزمة حقيقية للمثقف الصامت والمراهن على رجل القوة اللامثقف. رأى سعدون حمادي مذهولا صدام وهو يسوق رفاقه الباقين معه للمشاركة في قتل رفاقهم.
من يومها أصيب سعدون بأزمات نفسية وأعراض عصبية: الأرق الدائم. الربو في الصدر. العصاب في الوجه. الاكتئاب النفسي الحاد. هل شارك سعدون في ممارسة «عبادة الشخصية» كالآخرين، وفي مقدمتهم المثقف الآخر طارق عزيز؟ يكفي صوت سعدون وطارق مُتَبتَليَنْ في «المحراب». كان الصمت تعبيرا عن القبول والمسايرة، وفي الوقت ذاته تعبيرا عن تأنيب الضمير.
كان إعفاؤه من منصبه الديبلوماسي 1983 مريحا له. لم يعد في طاقته ممارسة الكذب بالوكالة عن نظام مفضوح ورئيس «معبود» بلا مصداقية. كان لا بد من طارق المثقف الآخر الأكثر ولاء ونفاقا، لكي يتقدم ليتولى الخارجية، ويعيد العلاقة مع اميركا 1984 التي كان صدام في امس الحاجة إليها بعد تعثر حملة (القادسية) المجنونة لاحتلال وتدمير منابع نفط ايران.
غير أن أزمة المثقف تعود لتبلغ الذروة عندما تناولته شخصيا التجربة مع «المعبود». بعد حرب الكويت، راح صدام يمتدح حمادي علنا. في مراوغته ومخاتلته، تخلى الزعيم القائد عن رئاسة الحكومة، ليعهد بها الى الرفيق سعدون، ليظل قناعا «شيعيا» يتستر به على الحملة لتصفية عملاء إيران الذين اثاروا شيعة الجنوب منتهزين هزيمته في الكويت. تحت قناع المثقف العاجز، تم الانتقام من الذين ذبحوا الحزبيين والموظفين البعثيين مع أسرهم وأطفالهم في النجف وكربلاء والبصرة. كان الانتقام العين بالعين والسن بالسن.
المشهد ظريف. المثقف الصامت رئيسا للحكومة في ذروة المجزرة. خرج سعدون في براءة الحملان ليتحدث عن الليبرالية والتعددية والديمقراطية، وعن المصالحة مع الشيعة والأكراد وإيران والأشقاء في الخليج. لم يكد صدام يقضي على التمرد في الجنوب، حتى استدار الغوغائي الكامن فيه لينقض فجأة على المثقف. يهدده مع كل من يروج لليبرالية والديمقراطية الغربية بقطع اللسان واليد. سقط سعدون بعد ستة شهور فقط في الحكم 1991. أعفي من الوزارة. طرد من قيادة الحزب. أبعد من مجلس قيادة الثورة.
هزيمة «أم المعارك» في الكويت أحدثت تغييرا جذرياً في تفكير وموقف المثقف. من جفاء الايديولوجيا الاشتراكية الماركسية الى احتضان الليبرالية والديمقراطية، هو ومعه المثقف الآخر طارق الذي عارض احتلال الكويت، وراح يطوف العالم يحرض زعماءه على القدوم إلى بغداد، والتوسل الى صدام للانسحاب قبل ان ينزل به العقاب. كان طارق لا يجرؤ على مفاتحة «معبوده» واقناعه بنتائج الكارثة.
يطوي المثقف سعدون أشلاءه الممزقة وأحلامه المتوارية. يعتزل، يصمت، لا يعترض. ترف السلطة اصابه بالترهل. يستدعيه القائد من المستودع مرة أخرى لينصبه رئيسا للمجلس الوطني، رئيسا لـ«برلمان» بلا سلطة ومصداقية. يقبل ويجلس على المنبر، ليسخر منه جيل سلطوي آخر لا يعرف قدره. فقد نافسه على رئاسة البرلمان عدي صدام حسين. أما طارق فقد لحقت به لوثة الفساد. اعتقل ابنه زياد «رجل الأعمال» على فترات لمدة سنتين. لم يمنع ذلك الأب من التمتع بلذائذ الـ «الدوشي فيتا» من سيجار كوبي إلى الويسكي إلى الطعام الفاخر، فيما انصرف المعبود لبناء القصور. أما الشعب فقد تحمل أبناؤه واطفاله مشقة اختفاء الغذاء والطعام والبطالة.
في كلمة لجورج شولتز وزير خارجية ريغان خلال مؤتمر لمثقفي وأدباء جماعة «القلم» الأميركية، قال كلمة ذات دلالة عميقة: «اننا نملك من الروابط (بين الدولة والمثقف) أكثر وأقوى مما تظنون».
انها رابطة الاسر والاعتقال للمثقف في قفص الدولة الذهبي عندما تكون راضية، وفي معتقلها الرهيب عندما تكون ناقمة. سلوا عفلق والبيطار وجمال الاتاسي والدروبي وحمادي... عن التجربة المرة.