محمد الباهلي
رغم كثرة الكتابات والدراسات حول السياسة الإيرانية والسياسة الإسرائيلية، فإن هناك قلة من الدراسات والكتابات التي تناولت العلاقات الإسرائيلية- الإيرانية بشيء من التفصيل والتحليل العميق. ومن هذه الدراسات المهمة ما كتبه "ترينا بارزي" الخبير في السياسة الخارجية الأميركية في كتابه "حلف المصالح المشتركة... التعاملات السرية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة". وأهمية هذا الكتاب أنه يشرح هذه العلاقة منذ بداية قيام إسرائيل والتحولات التي مرت بها. وقد استطاع المؤلف مقابلة كبار صناع السياسة الإيرانية والإسرائيلية والأميركية، وتوصل منهم إلى كمٍ هائل من المعلومات والروايات والأحداث التي كانت سرية، وكذلك طريقة التفكير التي أنتجت القرارات الاستراتيجية التي لعبت دوراً مؤثراً في هذه العلاقة. يتطرق الكتاب إلى حقائق أساسية في هذه العلاقة وأهمها اعتراف حكومة مصدق بإسرائيل كأمر واقع عام 1951، والتجاذب الذي كان يحدث بين شاه إيران وإسرائيل، خاصة عندما حاول الشاه التقرب من العرب، الأمر الذي اعتبرته إسرائيل خيانة كبرى لماضيه وللأدوار العديدة التي لعبها في إطار الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، ولصالح التمدد الصهيوني في منطقة الخليج؛ عبر التدخل في شؤون الأقليات، ومراقبة صعود القوة العراقية، والزيارات الرسمية المتبادلة التي أبقتها إيران وإسرائيل طي الكتمان... حيث يؤكد المؤلف أن اليهود الإيرانيين لا زالوا حتى اليوم يسافرون عبر تركيا إلى إيران دون أن يظهر أثر لإسرائيل في العملية، وذلك بإعادة جوازات سفرهم الإسرائيلية بواسطة البريد، حيث يحملون جوازات السفر الإيرانية مع صعودهم على متن الرحلات التالية المتوجهة إلى إيران، حتى أن بعض اليهود الذين يفقدون جوازات السفر الإيرانية يذهبون إلى القنصلية الإيرانية في اسطنبول ليطلبوا الحصول على جوازات سفر جديدة كاشفين عن جنسيتهم الإسرائيلية.
ويشير الكتاب إلى اتفاقية الجزائر، والتي قال عنها الشاه بلهجة منتصرة: "الآن وبعد انتظار طويل تمكنتُ من تمزيق معاهدة شط العرب". وقال عنها المحللون إنها عززت قدرة صدام حسين العسكرية والتي انتهت بالحرب العراقية -الإيرانية التي كانت بمثابة هدية كبيرة لإسرائيل باعتراف وزير دفاعها آرييل شارون في حينه.
ويكشف لنا "تريتا بارزي" أمرين مهمين:
1- سر الصراخ المتبادل هذه الأيام بين إسرائيل وإيران، وأعني بذلك خطاب إيران المعادي لإسرائيل والذي نسمعه من الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الذي طالب أكثر من مرة بإزالة إسرائيل من الوجود، ووصف إسرائيل لإيران بـ"النازية". فهل يتطابق ذلك الخطاب مع توجهات السياسة الإيرانية؟ يقول إن الخطاب الإيراني لا يتطابق مع سياستها الفعلية؛ فبينما كانت إيران تتعامل سراً مع الحكومة الإسرائيلية، كانت تدين علناً إسرائيل وتشكك في حقها في الوجود، وكانت حريصة على عدم ترجمة هذا الخطاب إلى أفعال، شارحاً ذلك التعاون ونوعه باعتراف العديد من المسؤولين الإيرانيين والإسرائيليين. فمثلاً عندما كانت تتعاون سراً مع إسرائيل في المسائل الأمنية، رفعت حدة خطابها المعادي لإسرائيل إلى مستويات أعلى بكثير للتغطية على تعاملاتهما معاً. ومن المضحك أنه فيما تطلق إيران خطابها الناري ضد إسرائيل، فإن هذه الأخيرة كانت تطلب من الولايات المتحدة عدم الالتفات إلى الدعوات الإيرانية التي تطالب بتدمير الدولة اليهودية!
2- فكرة التوسع والهيمنة في أجندة السياسة الإيرانية والتي أصبحت مثار قلق بالنسبة لدول الخليج العربي منذ أيام الشاه، حيث يشير "بارزي" إلى أن هذه الفكرة لا زالت تعتبر من ثوابت الاستراتيجية الإيرانية رغم خطاب النفي الذي تستخدمه إيران لإخفاء حقيقة هذا التوسع والهيمنة. فإيران اليوم لا تقل طموحاً عما كانت عليه في عهد الشاه حيث آمنت بفكرة القيادة الإقليمية الإيرانية، ثم سعى الثوريون إلى الهدف نفسه لكن من خلال "الإسلام السياسي"، وكانت وجهة نظرهم أنه لكي تبقى القيادة في حوزة إيران يتعين تغيير كامل النظام في المنطقة. وخطورة هذا المنطق الذي يبدو واضحاً في كثير من التحركات السياسية في المنطقة، أنه مترسخ في جذور الثورة نفسها، وهذا ما يجب أن تنتبه إليه دول الخليج العربي بدقة.