جيفري كمب
من غير الممكن التوصل إلى حل نهائي للصراع العربي -الإسرائيلي، ما لم يتوصل الإسرائيليون والعرب إلى اتفاق جوهري بشأن طبيعة ومواصفات الدولة الفلسطينية التي ستنشأ في المستقبل. وهناك شرط آخر جوهري يجب استيفاؤه بمجرد الاتفاق على تعريف الحدود النهائية لهذه الدولة، ألا وهو الاعتراف الصريح والقاطع من قبل كافة الدول العربية بشرعية إسرائيل كدولة شرق أوسطية.
والإدارة الأميركية الحالية ما زالت متفائلة بشأن قدرتها على التوسط من أجل الوصول إلى صفقة إسرائيلية فلسطينية بنهاية عام 2008. وهذا التفاؤل هو الذي يدفع رئيسها للقيام بزيارة جديدة للمنطقة خلال الفترة من 13 إلى 18 مايو الحالي، يبذل خلالها محاولة أخرى لتحقيق التسوية بين الشعبين. والعقبات التي تواجه مهمة الرئيس الأميركي لتحقيق تلك التسوية عديدة، منها على سبيل المثال لا الحصر عدم تمتع كل من رئيس السلطة الفلسطينية "محمود عباس" ورئيس الوزراء الإسرائيلي "إيهود أولمرت" بالنفوذ السياسي الكافي لإقناع شعبيهما بضرورة تقديم تنازلات من أجل تحقيق السلام. فرئيس الوزراء الإسرائيلي يواجه معارضة شرسة لتقديم أي تنازلات، وهي معارضة تتصدرها حركة الاستيطان القوية التي تحتوي على نواة صلبة من المستوطنين ممن يتبنون أفكاراً توراتية مؤداها أن إخلاء أي مستوطنة في الضفة الغربية يمثل خيانة ضد الشعب اليهودي. وهؤلاء المستوطنون يشيرون في معرض التدليل على صحة رؤاهم، إلى أن الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة من جانب واحد، لم يؤد إلى تحقيق السلام، وإنما أدى إلى تفاقم أعمال العنف.
أما عباس فيواجه تحديا أكبر من ذلك الذي يواجهه أولمرت، خصوصاً بعد أن ضعُفت سلطته وتراجع نفوذه إلى حد كبير بعد طرد حركة "فتح" التي يقودها، من قطاع غزة صيف العام الماضي، إثر هزيمتها في المواجهة العسكرية مع الجناح العسكري لحركة "حماس" الإسلامية. وما يفاقم من صعوبة الوضع، أن "حماس" ذاتها ليست كياناً موحداً وإنما يوجد لديها -شأنها في ذلك شأن معظم الحركات الثورية المشتتة- عدد من المتحدثين الرسميين الذين ينطلق كل منهم من وجهة نظر تختلف عما لدى الآخرين. والسؤال الذي يتردد الآن هو: هل ستكون "حماس" في نهاية المطاف مستعدة للقبول بشرعية وجود إسرائيل ضمن حدودها التي كانت قائمة قبل حرب السادس من يونيو عام 1967، أم أنها ستظل ملتزمة بالفرضية القائلة بحتمية إزالة إسرائيل من الخريطة، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى المناطق التي طردوا منها بعد حرب 1948 عقب إنشاء دولة إسرائيل؟
لعل عدم اليقين السائد بشأن الموقف الذي ستتخذه "حماس" في نهاية المطاف، بدا في أجلى مظاهره خلال الأسبوع الثالث من شهر إبريل الماضي، عندما قام الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر بزيارة إلى المنطقة، لإجراء مقابلة مع عدد من قادة "حماس" في القاهرة ورام الله ودمشق. فخلال تلك الاجتماعات لم يتمكن كارتر من انتزاع أي اعتراف من أي قائد من هؤلاء القادة يمكن تفسيره بأنه يعني الرغبة بالقبول بحق إسرائيل في الوجود. خلال تلك الاجتماعات كان هناك الكثير من الأحاديث حول وقف إطلاق النار، والتهدئة، وتبادل الأسرى... لكن ما يمكن قوله في نهاية المطاف هو أن مهمة كارتر، ومن كافة النواحي، لم تحقق أي مردود إيجابي، بل تعرضت بدلاً من ذلك إلى نقد مرير من جانب إسرائيل، ومن جانب بعض من أقوى مؤيديها في الولايات المتحدة، والذين رأوا أن الرئيس الأميركي الأسبق قد أضفى مصداقية على "منظمة إرهابية" كانت مسؤولة عن قتل العديد من الإسرائيليين والأميركيين. وقد رد كارتر على ذلك النقد بقوله إن من غير الممكن تحقيق اختراق في مفاوضات السلام بدون الدخول في حوار مع "حماس"، وذلك في حد ذاته يجعل أي انتقاد لما قام به كارتر لا يزيد عن كونه نوعاً من النفاق إذ كان معروفا أن إسرائيل كانت تفاوض "حماس" طوال الوقت بواسطة مصرية. ورفض التفاوض مع "حماس" يعيد إلى الأذهان ما حدث في حقبتي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، عندما كانت الإدارات الأميركية المتعاقبة، بما في ذلك إدارة كارتر نفسه، ترفض التعامل مع ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية، ولم توافق واشنطن على ذلك وعلى الدخول في مفاوضات رسمية مع عرفات إلا في عام 1988، عندما اعترف رئيس منظمة التحرير الفلسطينية بحق إسرائيل في الوجود. وحتى بعد أن فعل عرفات ذلك، فإن إسرائيل لم تقبل الدخول في مفاوضات مباشرة معه، وحتى عندما اضطرت إلى إجراء مفاوضات مع الفلسطينيين في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، فإنها فعلت ذلك مع الأردن الذي كان يمثلهم. واستمر الحال هكذا حتى اتفاقية أوسلو عام 1993، ومن ثم الحفل الشهير في حديقة البيت الأبيض في سبتمبر من نفس العام، حيث تبادل رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات المصافحة بالأيدي لأول مرة.
الشيء اللافت للنظر اليوم هو وجود فرصة لتحقيق بعض التقدم في العلاقات الإسرائيلية -السورية، وبعد ذلك مع الفلسطينيين... خصوصاً بعد أن أشار كل من "إيهود أولمرت" وبشار الأسد إلى أن التفكير في خيار المباحثات أمر وارد بالنسبة إليهما. لكن هذا الاحتمال، لم يقابل بحماس في واشنطن التي يسود فيها رأي مؤداه أنه لا يجوز منح أي مكافأة للرئيس الأسد قبل أن توقف سوريا تدخلها في العملية السياسية اللبنانية الداخلية. معنى ذلك أن الرئيس التالي للولايات المتحدة هو الذي سيأخذ على عاتقة عملية صنع السلام بين العرب وإسرائيل، وهو سيفعل ذلك في الوقت الذي ستكون فيه أولويات واشنطن لا تزال مركزة على العراق، وعلى الارتفاع المتواصل في أسعار البترول، وهو تحد سيكون صعباً، ما في ذلك شك، لكن ليس هناك من سبيل لتجنبه!