إيلاف: الشركة / التحرير | إجعلنا صفحتك الرئيسية | المواضيع الأكثر زيارة | دليل إيلاف | إتصل بنا | Advertise | RSS Feeds
 العدد 2551 الجمعة 16 مايو 2008 آخر تحديث  GMT 4:15:00 PM

  Facebook
  Delicious
  Stumbleupon
  Digg
  Reddit
إيلاف>>جريدة الجرائد   
    

تجارب عربية في المقاومة المدنية

GMT 0:00:00 2008 الجمعة 9 مايو

البيان الاماراتية


عمار علي حسن 
 
قبل أيام من الإضراب الأخير الذي أعلنت عنه بعض قوى المعارضة المصرية دعيت لإلقاء محاضرتين في مكانين مختلفين، الأولى في الريف والثانية في الحضر، عن ثقافة العصيان المدني والمقاومة السلمية، وأسهبت في الحديث عن تجارب عالمية شهيرة في هذا الشأن، وفي مقدمتها تجربة المهاتما غاندي في الهند، ومارتن لوثر كينج في الولايات المتحدة، وعبد الغفار خان في باكستان، وإذا بسؤال تكرر كثيراً، وفي إلحاح شديد، عن التجربة العربية في هذا المضمار.

وكأن المستمعين كانوا يبحثون عن نماذج حية أنتجناها نحن ويمكن أن نبني عليها، ونضيف إليها، فنمتلك وسائل مشروعة لتغيير واقعنا المرير. وعصرت ذهني برهة باحثا عن إجابة، فأطلت من قعر الزمن الماضي تجارب عربية ناصعة ولا يمكن نكرانها، أبدعها أجدادنا، ونجحوا بها في مقاومة المستعمر الغاشم، وقيادة العديد من البلاد العربية نحو الاستقلال والدستور.

ولاحت لي تجربة سعد زغلول ورفاقه في ثورة 1919 المصرية، بعد أن فوضهم الشعب عبر مليوني توقيع ليتحدثوا باسمه في المطالبة باستقلال البلاد، وقد كانت وسيلة المصريين للمقاومة تنبني في الأساس على أساليب سلمية غلبت على المشهد العام، وظهر إلى جانبها الكفاح المسلح قليلا ضئيلا ومتقطعا.

واعتمد المصريون على ثلاث وسائل أساسية في مقاومتهم المدنية تلك: الأولى هي المقاطعة مثل مقاطعة طلبة «مدرسة الحقوق» لزيارة السلطان العثماني الموالي لبريطانيا لمصر في عام 1915، والمقاطعة الشعبية التي نظمها حزب الوفد، الذي كان يقود النضال ضد الاحتلال أيامها.

للجنة ميلنر التي جاءت إلى القاهرة في ديسمبر من عام 1919 ومكثت حتى إبريل من العام الذي يليه للوقوف على الوضع المتفجر في البلاد. ورفض المصريون التعاون مع هذه اللجنة أو مساعدتها على أداء مهمتها، مما حدا بها في النهاية إلى المغادرة وهي مطمئنة إلى أن الأحكام العرفية لم تعد مقبولة للشعب المصري.

والثانية هي التظاهر والذي بدأ تحديدا مطلع عام 1916 احتجاجا على قيام بريطانيا بإعلان مصر محمية بريطانية، وفرض الأحكام العرفية، وتجنيد أكثر من 5. 1 مليون مصري عنوة ليسندوها في الحرب العالمية الأولى، وفرضت رقابة صارمة على الاتصالات، وصادرت الطعام والحيوانات لخدمة المجهود الحربي.

لكن التظاهر تجلى في أقوى صوره ردا على اعتقال سعد زغلول واثنين من زملائه في الثامن من مارس عام 1919 ونفيهم إلى جزيرة مالطة، إذ اندلعت المظاهرات بعدة مدن مصرية في مطلعها القاهرة والإسكندرية، واشتبك المتظاهرون مع الإنجليز، فسقط عدد كبير منهم شهداء، فاضطر المحتلون في النهاية إلى إطلاق سراح زغلول وزميليه.

أما الثالثة فهي الإضراب الذي أصبح مكونا أساسيا من مكونات النضال المصري آنذاك، فبعد واقعة اعتقال سعد زغلول، المشار إليها سلفا، عمت الإضرابات العديد من المدن المصرية، بادئة بالطلاب والمحامين، ثم لحق بهم عمال البريد والترام والسكك الحديدية، وتبعهم موظفو الحكومة، الذين شكلوا بدورهم لجنة خاصة طالبت بالاعتراف بتفويض الوفد في مطالبة الإنجليز بالجلاء.

والتجربة العربية الثانية الناصعة في المقاومة المدنية هي الانتفاضة العراقية التي وقعت عام 1948 ضد الإنجليز أيضا حين احتج العراقيون على معاهدة وقعها رئيس الوزراء صالح جبر سرا في بوتسموت ببريطانيا تقضي باستمرار النفوذ البريطاني في العراق وإقامة قواعد عسكرية دائمة على أرض الرافدين.

فوقتها خرج طلاب كليتي الحقوق والهندسة في مظاهرة عارمة، وعمت الإضرابات بقية الكليات، وانضم العمال إلى الطلاب، وتواصلت المظاهرات يوميا للمطالبة برحيل جبر، الذي عاد إلى بغداد متخفيا، بعد أن هبطت طائرته في قاعدة عسكرية بريطانية بالحبانية.

وبعد اجتماع مع فريق حكومته قرر جبر مواجهة المتظاهرين بالقوة فأمر قوات الشرطة بإطلاق النار عليهم، فسقط أكثر من مائة شهيد إضافة إلى مئات الجرحى، لكن هذا الثمن لم يفت في عضد الشعب، فتدفق المتظاهرون إلى الشوارع، وواجهوا الشرطة ببسالة وإصرار، فما كان منها إلا أن أقلعت عن إلحاق الأذى بهم، وانهارت معنوياتها، ورفضت تنفيذ أوامر جبر، الذي لم يجد بدا من الاستقالة.

لكن رحيله لم يكن كافيا للناس، الذين واصلوا الاحتجاج السلمي بعد أن ألهبت قصائد محمد مهدي الجواهري وبحر العلوم حماسهم، ولم يبرح الناس الشوارع لمدة عشرة أيام بغية إلغاء المعاهدة حتى نالوا ما يقصدون. وهناك تجربة أحدث تتمثل في الانتفاضة الشعبية السودانية التي وقعت في أواخر مارس وأوائل فبراير من عام 1985، وبدأت باحتجاج محدود نظمه نحو أربعمائة طالب من جامعة أم درمان الإسلامية ضد رفع أسعار الخبز والسلع الغذائية الرئيسية.

لكنه سرعان ما تحول إلى معارضة شاملة لنظام حكم الرئيس جعفر النميري، الذي قمع المعارضين، وأورث البلاد عوزا وفقرا، واستهان بشعبه إلى درجة أنه ترك المظاهرات وغادر إلى القاهرة عازما أن ينطلق منها إلى الولايات المتحدة. وقد واجهت السلطات المتظاهرين بقبضة حديدية فقتلت 18 متظاهرا، واعتقلت أكثر من 2600 شخص، قدمت 850 منهم إلى محاكمات صورية، وصدرت ضدهم أحكام تراوحت بين السجن والجلد والغرامة.
 
لكن المهنيين انخرطوا في الاحتجاجات فأضرب أكثر من ستمائة طبيب في مستشفى الخرطوم التعليمي، ووزعوا منشورات تندد بالنميري وتحيي الشهداء، وانضم المحامون والمهندسون إليهم، وعاود الطلاب نشاطهم الاحتجاجي، مستجيبين لدعوة عامة إلى الإضراب والعصيان المدني. وأعلنت قطاعات من الشرطة استعدادها لعدم تنفيذ أوامر السلطات بقمع المحتجين، وظهر تنظيم يسمى «الضباط الأحرار».

وأفصح عن دعمه للانتفاضة الشعبية، وانضمت لجنة القضاة للانتفاضة، ثم أضرب العمال وأغلقت المحال التجارية والمكاتب، وتوقف الاتصال بالعالم الخارجي، وأغلق مطار الخرطوم لمنع النميري من العودة إلى البلاد، ورفضت الشرطة بالفعل الاستجابة لأوامر السلطات بقمع المتظاهرين، وطالبت النقابات المهنية باستقالة نميري.

فما كان من الجيش إلا أن تدخل صبيحة السادس من إبريل عام 1986، ليعلن وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة عبد الرحمن سوار الذهب الاستيلاء على السلطة والإطاحة بالنميري. وهناك تجارب عربية أخرى في المقاومة المدنية ضد الاحتلال الإسرائيلي البغيض، سنعرضها في مقال قادم إن شاء الله.

 

 

0 :عدد الردود
تعليقات القراء
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إيلاف.
 
 
جميع الحقوق محفوظة © 2001 - 2008 إيلاف للنشر المحدودة Elaph Publishing Limited ©
تطوير وصيانة Developed & Maintained By