رغيد الصلح
ينكب النواب والشيوخ الأمريكيون حالياً على دراسة مشروع ميزانية عام 2009 المقدمة من قبل إدارة الرئيس بوش الى الكونجرس خلال شهر شباط/فبراير المنصرم. وتستأثر باهتمام خاص البنود المتعلقة بالمساعدات التي تعتزم الإدارة الأمريكية تقديمها من أجل تنمية الديمقراطية في الخارج وخاصة في الشرق الأوسط. وينوه مؤيدو الإدارة هنا بالزيادة الملحوظة في المال المخصص لهذه الغاية إذ تضاعف ثلاث مرات فارتفع من 132 مليون دولار في العام الفائت الى 390 مليون دولار كما جاء في الميزانية الجديدة.
في تأكيدهم لأهمية هذه الزيادة، يحرص مؤيدو الرئيس بوش على الإشارة الى أنها تقدم دليلاً جدياً على الأولوية التي توليها إدارته الى مسألة دمقرطة الشرق الأوسط والعالم. ويحرص المحافظون الجدد بصورة خاصة على اعتبار هذه الزيادة علامة مهمة تميز إدارة بوش عن سائر الإدارات السابقة الأمريكية. وينتقد المحافظون الجدد تلك الإدارات، بما فيها إدارة بوش الأب، لأنها كانت تتبع النهج الواقعي في نظرتها الى العلاقات الدولية، لم تكن تولي مسألة الديمقراطية اهتماماً كبيراً. وبلغ إهمال الإدارات السابقة للمسألة الديمقراطية، كما يقول الناقدون، الى درجة أن إدارة كلينتون كادت أن توقف خلال التسعينات أعمال “الوقف الوطني للديمقراطية” أي المؤسسة التي نشأت في الثمانينات برعاية الكونجرس الأمريكية من أجل تنمية الديمقراطية خارج الولايات المتحدة.
إدارة بوش الابن تختلف عن الإدارات السابقة،كما يجزم المحافظون الجدد، من حيث إنها تولي البعد “الأخلاقي” في السياسة الخارجية عناية اكبر من السابقين. ففي حين كانت الإدارات السابقة تسكت عن الأنظمة الاستبدادية في العالم وتحالفها وتساعدها ضد الديمقراطيين في كثير من الأحيان، فإن إدارة جورج بوش - كما يقول أنصارها - لا تسير على هذا الطريق، وهي مستعدة للمجاهرة برأيها في المحافل الدولية وتوجيه النقد حتى إلى الأنظمة الصديقة إذا ما خرجت عن المبادئ الديمقراطية. هذا السلوك قد يكلف الولايات المتحدة بعض الخسائر هنا وهناك، وقد يكلف أيضاً إدارة بوش نفسها الخسائر، ولكن هذه الادارة التي يقف على رأسها زعيم ذو قناعات دينية قوية، مستعدة لتحمل تكلفة مواقفها المبدئية.
فضلاً عن استعداد الإدارة لتحمل هذه التكلفة، فإن الشعب الأمريكي - كما يقول البوشيون - مستعد لتحمل تكلفة هذه المواقف. استطراداً فإنه على الكونجرس الأمريكي إدراك هذه الحقائق، وإقرار التغطية المالية لبرنامج “الحكم العادل والديمقراطي” كما تسميه إدارة بوش من دون نقاش كبير وتأخير طويل.
عند المقارنة بين ما يقوله انصار إدارة بوش عن سياستها الخارجية والشرق أوسطية بصورة خاصة، وبين ما تطبقه هذه الإدارة من سياسات، يمكن الاستنتاج بأن هذه الإدارة لا تقل إن لم تتفوق في “واقعيتها” على الإدارات السابقة. وكذلك يمكن الاستنتاج بأن الادعاء بأن إدارة بوش هي أكثر مراعاة للقيم الأخلاقية من الإدارات الأمريكية السابقة هو استنتاج بعيد عن الحقيقة. ففي حين يستند هذا الادعاء الى ان إدارة بوش مستعدة لممارسة “حق التدخل الإنساني” واستخدام سياسة الجزرة لمكافأة الديمقراطيين والديمقراطيات الناشئة، والعصا لمعاقبة الأنظمة التي تنتهك مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، نجد أنها تفعل ذلك بانتقائية شديدة ووفقاً لاعتبارات لا تدخل فيها الحسابات الأخلاقية.
إن إدارة بوش توجه، على سبيل المثال، انتقادات علنية بسبب تنكرها لمبادئ شرعة حقوق الإنسان. وتذهب الى حد فرض العقوبات على بعضها (سوريا مثلاً) وشن الحروب على البعض الآخر (العراق تحديداً)، لأنها خرجت على تلك المبادئ. وكذلك تبدي إدارة بوش استعدادها لتقديم مساعدات مباشرة الى معارضي هذه الحكومات. بيد أن هذه الاستعدادات تتبخر عندما يتعلق الأمر بالدول والحكومات الأخرى. فإدارة بوش تظهر حِلماً كبيراً تجاه المخالفات التي ارتكبها الرئيس الباكستاني برويز مشرف الذي أصر على تجديد رئاسته رغم الأزمة الشديدة التي أثارها هذا الإصرار. ولم تتحرك واشنطن للمطالبة بالتحقيق في اغتيال الزعيمة الباكستانية بنازير بوتو، كما فعلت عندما طالبت في لبنان إثر اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، رغم أن المعارضة وجهت اتهامات صريحة الى الأجهزة الحكومية بأنها ضالعة في هذا العمل.
وآثرت إدارة بوش اعتماد سياسة واقعية - كما يلاحظ توماس كاروثرز مدير برنامج القانون والديمقراطية في معهد كارنيجي - في تعاملها مع دول آسيا الوسطى. صحيح أنها تقدم النصح الى رؤساء هذه الدول لإدخال بعض الإصلاحات التي تعزز نفوذهم ولا تضعفه، ولكن المسؤولين الأمريكيين يحرصون على تقديم هذه النصائح عبر القنوات الدبلوماسية ومن دون إثارة ضجيج كبير. وفي أكثر الأحيان، يتجاهل زعماء هذه الدول، كما يفعل رؤساء كازاخستان وأوزبكستان وقيرغيرستان، هذه النصائح ويحافظون على أنظمتهم المطلقة.
السياسة الواقعية إياها تطبع سياسة إدارة بوش تجاه الحكومات الافريقية المتحالفة مع واشنطن، فرغم الحكم الاستبدادي الذي يمارسه أسياس أفورقي في أريتريا ويوري موسيفيني في أوغندا، ورغم الانتقادات الكثيرة التي توجهها منظمات حقوق الإنسان الى حكومتيهما، فإن إدارة بوش تسقط البعد الأخلاقي في العلاقات الدولية عندما تتعامل مع الحكومتين ومع الحكومات المشابهة في القارة الإفريقية.
إن هذه الانتقائية التي تمارسها إدارة بوش في صوغ سياستها الخارجية تضع على المحك الادعاءات التي يطلقها المدافعون عنها والمروجون لسياستها حول التزامها العالي بالقيم الأخلاقية والقيم الديمقراطية خصوصاً. وفي ظل هذه الانتقائية السافرة التي تنطلق من تقديم الدعم الى القوى الدولية التي تماشي إدارة بوش، سواء كانوا ديمقراطيين أم لا، وتلتزم السلبية والعداء لمن لا يماشي هذه الإدارة، سوف يجد الكونجرس الأمريكي مجالاً واسعاً للتدقيق في الاموال التي ستنفقها إدارة بوش على “الترويج للديمقراطية في الشرق الأوسط”.
وفي هذا السياق سيكتشف المشرعون الأمريكيون أن مبلغ 193 مليون دولار المخصص كمساعدات لنشر الديمقراطية في العراق والذي يوازي نصف المبلغ المرصود لدمقرطة المنطقة العربية برمتها، سيذهب، في نهاية المطاف، الى الجماعات التي تؤيد الاحتلال الأمريكي في العراق، وأن أكثر هذه الجماعات تستقي تعليماتها وتعاليمها من جهات لا علاقة بها بديمقراطية إلكسيس دي توكفيل.