إميل أمين
لعل أسوأ ما يمكن أن يصيب أنظمة الحكم حول العالم هو أن تترسخ لديها قناعة بأنها تحكم انطلاقا من الحق الإلهي، وقد عانت أوروبا على نحو خاص من هذا النسق عندما حكم رجال الدين بوصفهم «موظفو الله Fonctionair de dieu» أصحاب التفويض الإلهي وملاك الحقيقة المطلقة، ولم يقدر لأوروبا التقدم والفكاك من براثن هذا الأسر سوى بعبورها إلى عصور النهضة والتنوير بجعل ما لقيصر لقيصر وما لله لله، دون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير، وكانت الحداثة والدولة العلمانية.
ولأن آفة حارتنا النسيان كما يقول روائي مصر الكبير نجيب محفوظ في رائعته أولاد حارتنا، فإن القرن الواحد والعشرين، قد بدا وكأنه قد نسى أو تناسى تلك الخبرة الأليمة وها هو يعود إلى صراع المنطلقات في الوقت الذي يجب أن يحتكم فيه الأمر إلى النسبيات، بمعنى انه عندما يشتد الجدل السياسي والخلاف الإيديولوجي وتحتدم الصراعات المذهبية وربما تمضي في سبيل المواجهات العسكرية، فإنه عوضا عن اللجوء إلى نسق ما يعرف بفلسفة التوافقات COMPROMISE نجد صراع الدوجماطيقيات (العقائد) هو الفيصل والحكم والسيف البتار في ذات الوقت.
ما الداعي لهذه الخلفية الفلسفية؟ إن «الإمام (المهدي) عليه السلام يدير العالم، ونحن نرى يده المدبرة في شؤون البلاد كافة»، هكذا تحدث الرئيس الإيراني احمدي نجاد منذ أيام قليلة، مضيفا إن على الحكومة «تسوية مشاكل إيران الداخلية في أسرع وقت إذ إن الوقت يداهمنا».
وأنه قد حان الوقت لكي ننهض بواجباتنا العالمية، إيران ستكون محور قيادة (العالم) إن شاء الله. ولان المهدي عليه السلام سيكون طليعة قيادة إيران العالمية، لذا فإن القوى العظمى تجد أنفسها في حالة ذهول من أن إيران سوف تصبح قوة نووية عن قريب. والخلاصة عند الرئيس نجاد «أننا نرى في ذلك اليد المدبرة للإمام الغائب».
وحتى لا ننسى، فإن الطرف المضاد لإيران هو الولايات المتحدة الأميركية والتي يقف على رأسها اليوم وعبر ثماني سنوات رئيس «مولود ثانية» من الله بحسب اعتقاده وله دور مثل دور موسى النبي، كما قالت له والدته باربارة بوش ذات مرة.
والثابت أن بوش منقاد طولا وعرضا، شكلا وموضوعا ومساحة إجمالية وراء فكرة تدميرية ذات بعد عقائدي لا تقل عن رؤية الرئيس نجاد، هي فكرة الحرب الهرمجدونية، التي فيها تهيئة للمسرح العالمي لعودة المسيح المخلص ثانية إلى الأرض.. ماذا عن ذلك؟
هذا المفهوم المشوش والمضطرب دعا صحيفة الصنداي تايمز البريطانية لان تتساءل: هل ما يجري في الشرق الأوسط من قلاقل ونيران مشتعلة هو مقدمة الحرب الكونية الهرمجدونية، كما كانت أوروبا الشرقية منشأ الحربين العالميتين الأولى والثانية؟
إذا ما نظرنا إلى عدة عناصر مدمرة مجتمعة مثل التشرذم العرقي والتدني الاقتصادي وإمبراطورية آخذة في الأفول (أميركا ) فضلا عن الضخ المالي الصادر عن عائدات النفط والغاز وخطورة امتلاك القوة الأكثر ثورية في المنطقة (إيران) السلاح النووي، فإننا سندرك أن دوامة العنف المتصاعد من الصعب تجنبها مما ينذر بقرب معركة هرمجدون.... تقول الصنداي.
ماذا عن تلك المعركة؟ ومن يقف وراءها؟
باختصار غير مخل هي مفهوم لصراع حربي عالمي منطلقه ديني ويمثل آخر المواجهات بين أمم العالم من جهة واليهود في إسرائيل من جهة ثانية، ويرجع ذكرها إلى بعض المواقع في التوراة وتخص تجمع اليهود في فلسطين وتعرضهم لهجوم ساحق من ملوك الشرق غير أن يهوه سيحارب عنهم وستحقق إسرائيل نصرا مبينا. ويصف القس هال لندسي المتصهين بدوره شكل المعركة فيقول «تأملوا عدة ملايين يحيطون بالمدينة المقدسة أورشليم في وادي هرمجدون «غير أن النار والبرد اللذين سينزلان من السماء سيتكفلان بالقضاء عليهم».
هذا المفهوم المحرف والمجتزئ لفهم التوراة قد أصبح قناعة مطلقة اليوم عند ساكن البيت الأبيض وأصحاب المجمع الصناعي العسكري الأميركي، ما حدا الكاتبة الأمريكية جريس هالسل لان تصف في كتابها النبؤة والسياسة تغلغل الروح الصهيونية في البيت الأبيض وكافة الإدارات الأميركية، بالقول إن الأصوليين المسيحيين الأميركيين على أتم الاستعداد بل راغبون بكل قواهم في إشعال نيران حرب نووية بشأن إسرائيل تحقيقا للتنبؤات المقدسة. لكن كيف يمكن الإعداد لهذه الحرب؟
الإجابة تتطلب من القارئ النظر إلى الصراعات الدموية القائمة في المنطقة اليوم وفي مقدمتها المواجهة الإيرانية الأميركية المحتملة والتي يمكن أن تتطور إلى صراع مسلح تستخدم فيه الأسلحة النووية ولن تصبح إسرائيل بعيدة عن المشهد بل في عمقه وإيران في المفهوم التوراتي هي بلاد فارس بلاد المشرق وملوكها الذين سيحاصرون إسرائيل مع ما يحمل ذلك من إشارات دموية مهلكة.
ولعل هذا الطرح يأخذنا للجانب الإيراني الذي عزز في السنة الأخيرة من خطابه العقائدي تلك الشكوك، وكثيراً ما نظر إلى إسرائيل نظرة لا تخلو من أبعاد ذات ملمح ديني يقود إلى تصادم حتمي لا مفر منه ولا سيما بعد تهديده بإبادة إسرائيل في محرقة جديدة وهو التصريح الذي ألّب عليه الغرب بأكمله ولا يزال.
وقد تجلت المنطلقات الإيرانية المرتكزة على توجهات عقائدية في تصريحات الرئيس أحمدي نجاد والتي رد فيها على اتهامات بوش له بأنه طاغية بقوله (إن بوش لا يمثل شيئا أمام مشيئة الله، مضيفاً أن اتجاه عبادة الله وحكومة الإسلام الحنيف يتقدم وأنت لست شيئاً أمام مشيئة الله).
وقد حث الرئيس الإيراني العالم الغربي على أن يسلك طريق الله وإلا واجه بئس المصير قائلاً إن أولئك الذين لا يستجيبون للدعوة إلى الامتثال لإرادة الله سيلقون بئس المصير.
هذه التصريحات تعود بنا إلى فكرة أن الدين هو قطب الرحى وحجر الزاوية والمنطلق الأساسي للصراع وهو فكر أبعد بكثير من مجرد الخلاف على الصراع على السلاح النووي أو امتلاكه، ذلك أن هناك دولاً غربية وآسيوية كثيرة تمتلكه ولا يقلق الأمر ساكن البيت الأبيض، أما فكرة إيران الجمهورية الإسلامية التي يمكن أن تكون عاملاً مؤثراً في المعركة النهائية بين قوى الشر والخير (هرمجدون) فهي غير مقبولة طولاً وعرضاً، شكلاً وموضوعاً.
ومثلما أن التيار اليميني الديني المسيحي الحاكم اليوم في الولايات المتحدة تسيطر عليه أوهام هرمجدون، فهكذا نجد على الجانب الإيراني وازعاً مساوياً في التفكير ومضاداً في الاتجاه، ويتمثل في فكرة المهدي المنتظر.
وجوهر الأمر في فكر أتباع المهدي المنتظر أن بني إسرائيل تجمعوا في دولتهم هذه لا لشيء إلا للقضاء عليه قبل أن ينشر دعوته، وأنهم يعلمون أن رجلاً مسلماً قوياً من آل محمد سيظهر بعد أن يصل اليهود إلى أعلى مراحل القوة والسطوة، وأن نهاية دولة إسرائيل ستكون على يديه، وما زادهم إصراراً لمعرفة وكشف أمر المهدي هو تنبؤات العراف الفرنسي الشهير نوستراداموس التي ذكر في كثير منها أن المهدي سوف يفتح القدس، وينطلق منها إلى فتح أوروبا والعالم، فقد جاء في النبوءة الخامسة والخمسين أنه (في منطقة الجزيرة العربية سيولد حاكم مسلم قوي هذا الحاكم سينهك ويرهق إسبانيا عند فتحه لمدينة غرناطة وإيطاليا أيضاً عن طريق البحر) وأن هذا الإمام سوف يتخذ من الكوفة والنجف عاصمة لدولته العالمية وأنه ينطلق باتجاه بيت المقدس ومنه إلى أوروبا.
وفي ظل هذه الرؤية يصبح عند هؤلاء احتلال الولايات المتحدة للعراق بمساعدة دول أوروبا أمراً أبعد شأناً من مجرد تأمين منابع النفط أو الاستيلاء عليها، ويقود للقول بالمواجهة الدينية الكبرى القادمة. بل إلى أبعد من ذلك فإن هناك حديثاً عن أن المهدي سيمتلك قنبلة نووية متطورة تهدد الغرب، وأنه مع ظهوره سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً، لذا ستقوم دول الغرب بتوجيه الإنذارات إليه كي لا يقترب من أراضيها ظانين أنهم بأسلحتهم سيثنونه عن مهمته المقدسة، غير أنه يخرج عليهم بسلاح نووي فتاك ومتطور لا مثيل له على الأرض صوته كصوت الزلزال تذكره رواياتهم الرسمية باسم (الصارخ) وهو صاروخ عظيم يحمل رأساً نووياً يجعل الغرب يدخل صاغراً في اتفاقيات صلح مع المسلمين ويطلق (الروم) في كناية عن الغرب، كافة أسرى المسلمين.