|
غسان تويني
لم نفتقد العميد ريمون اده يوماً كما نفتقده الآن، في الذكرى الثامنة لغيابه... والمسألة بالطبع ليست شخصية... ليس الرجل من نفتقد، بل الدور الذي لا نجد اليوم من يقدم على مثله، ومتطوّعاً... ألا وهو الارتفاع فوق الأزمات، وتجاوز الخلافات الحزبية ولو "حربية"، وفرض الحل، ولا نقول التسوية، حتى على السلطة العليا إذا هي بدت مترددة أو رافضة أو عاجزة ومشككة.
• • •
ليس ما يضيء على ما نقول مثل هذه القصة التي كنت شخصياً وفريقاً صغيراً من الأصدقاء والزملاء شهوداً عليها. أتذكر منهم النائب الدكتور البير مخيبر رفيقنا الدائم في المعارضة حتى عندما يكون وزيراً (وكان)، وشقيق العميد النائب والوزير السابق بيار، وبالطبع الزميلين لويس الحاج وميشال أبو جودة. كانت الساعة تقارب الثامنة مساء يوم 14 تشرين الأول 1958. البلد شديد الاضطراب الذي يقارب اليأس، لأنه من دون حكومة على رغم وجود اللواء الامير فؤاد شهاب في سدّة الرئاسة، بتوافق "دولي – عربي" وداخلي كذلك... إلا أن ذلك لم يمنع الحرب التي وضع انتخاب الرئيس شهاب نهايتها من ان تنشب من جديد، "حرباً - مضادة" بعدما عجزت الحكومة التي ألّفها رشيد كرامي عن الصمود أكثر من اسبوع اضطرت قبيل نهايته إلى الاستقالة لأن وزراءها الموارنة، وفي واجهتهم الاستاذ يوسف السودا، لجأوا الى الاستقالة تحت ضغط الشارع المسيحي بقيادة الكتائب اللبنانية التي كانت قد هادنت احزاب "الثورة"، ثم وجدت نفسها مضطرة الى الدعوة الى "حرب مضادة" إثر خطف الكاتب فؤاد حداد "أبو الحن" لدى خروجه من مكتبه في قصر الاونيسكو واكتشافه مقتولاً في وقت لاحق. وعلى رغم استقالة الرئيس رشيد كرامي أعاد الرئيس شهاب تكليفه تأليف حكومة جديدة... واستمرت الاستشارات وقتاً كان يطول الى ان قارب اللبنانيون درجة السأم بل خط اليأس الأحمر. اذذاك قرر العميد اده التدخل، على رغم كونه زعيم الجناح الماروني المعادي تقليدياً للكتائب اللبنانية والذي قاومها سلمياً في حربها الأولى، ثم في "الحرب المضادة"، وعلى رغم كونه المرشح الأوحد لرئاسة الجمهورية ضد ترشيح الرئيس شهاب "ليثبت – على حد قوله – ديمقراطية النظام اللبناني برفض انتخاب قائد الجيش بالاجماع لمجرّد ترشحه"... مما اضطر المجلس الى الاقتراع ثلاث دورات قبل ان ينال اللواء شهاب الأكثرية المطلوبة.
• • •
إذاً... الساعة الثامنة مساء ذلك اليوم رفع العميد اده سماعة الهاتف وطلب القصر الجمهوري قائلاً للسنترال انه ريمون اده، ويريد "مكالمة الجنرال"... دقيقة طويلة امتدت قبل ان يحوّل السنترال المكالمة، وكان العميد ودياً قدر ما يوحي تهذيبه عندما قال للواء الرئيس انه يريد زيارته في اقصى السرعة في شأن الأزمة الوزارية. الرئيس – اهلاً وسهلاً... متى يمكنك؟ العميد – فوراً. الرئيس – فوراً؟ ايه تفضّل. انا في منزلي في جونيه.
• • •
ركب العميد سيارته وحده، شأنه دوماً، وأبى ان يرافقه اي صحافي أو مصوّر، حتى ولا أي حرس على رغم الحرب، في ما عدا سائقه الذي استغرب ان يطلب منه العميد التوجه الى جونيه. السائق – الى جونيه؟ العميد – ايه نعم... الى بيت الجنرال! ولما قال السائق انه لا يعرف العنوان، اجابه العميد "نسأل بس نوصل. لا بد في ناس بيدلّونا!". ولما وصل العميد، استقبله المرافق العسكري (على ما روى لنا إثر عودته) بتأهيل يشوبه الاستغراب. وكان الرئيس شهاب وحده في صالونه، فاقترح العميد ان يجلسا الى طاولة. وانتقلا الى قاعة الطعام حيث لاحظ العميد (كما قال) وجود "جاط سندويش مش مدقور بعد!".
• • •
ما ان استقر المقام بالرجلين، ولا شاهد ولا ضابط مساعد ولا حتى زوجة الرئيس او سكرتيرة لوضع محضر، حتى بادر الى الترحيب ثم الى سؤال العميد بتهذيبه الاميري المعهود: - أمر. شو الموضوع؟ اجاب العميد، بلهجته الفورية المشهورة: "بدنا نألّف الحكومة بقا... صار لازم تتألف فوراً". - انا وانت، نؤلفها؟ بس انت زعيم المعارضة. جواب: هلّق ما في معارضة وموالاة. في بلد لازمه حكومة وانا شخصياً مستعد للمشاركة شخصياً. بس عندي مطلبين. أولاً: بدي وزارة الداخلية تا أوضع حد للحرب لأني الوحيد الذي لم يحارب أحداً لا مسلماً ولا مسيحياً. والثاني: لازم نشرك بيار جميّل بالحكومة معنا... وبيظل الأفندي رئيس حكومة وعليَّ أنا مصالحته مع الشيخ بيار. انا بعرف فيه وصديقه رغم الحرب والثورة". وكلمة "الثورة" فهم الرئيس شهاب المغزى من استعمالها، لأنها الكلمة التي أشعلت الحرب المضادة وتسببت باستقالة الحكومة التي أورد دولة الافندي في أول تصريح له بعد تأليفها العبارة التالية: "انه آن أوان قطف ثمار الثورة". فجن جنون أعدائها... وأعلنوا ثورتهم عليه! وطلب العميد من الرئيس بلهجة تشبه الوقاحة، اعطاءه التلفون، قائلاً انه سيطلب الشيخ بيار لدعوته للحضور فوراً الى القصر. كرر الرئيس استغرابه والتشكيك. ثم ناول العميد السماعة قائلاً: - تفضّل اطلب أنت من عامل الهاتف الشيخ بيار. وما كانت لحظة إلاّ والشيخ بيار على الهاتف، مستغرباً هو أيضاً ان تكون المكالمة من جونيه وريمون اده على الخط قائلاً: "عم حاكيك من عند الجنرال، ممكن تتفضل تنضم النا هلّق؟ ناطرينك!". الجميل: ليش شو في؟ وشرح العميد بأقل عدد من الكلمات ان الموضوع تأليف حكومة تضع حداً للحرب والثورة. وانه هو الذي اقترح الأمر على الرئيس الذي وافق. وأخذ الرئيس شهاب السماعة من يد العميد ليؤكد للشيخ الدعوة. فأعلن قبولها وقال انه سيحضر فوراً، انما يجب التفاهم على بعض الأمور. وسأل عمن يرئس الحكومة، فلما قيل له رشيد كرامي، وافق مع شيء من الاستغراب. ثم قال: طيب أنا جايي. وقبل ان تنتهي المكالمة حرص الرئيس شهاب على ان يقول للشيخ بيار: "طبعاً سنبحث في كل شيء عند حضورك وسنكون وحدنا نحن الثلاثة".
• • •
وفي انتظار وصول الشيخ بيار، كان الجو قد "طري بعض الشيء"، فسأل الرئيس العميد: طيّب هلّق راح يجي الشيخ بيار. أنا بحترمو كتير، بس بتعرف طبائعه. لازم نكون متفقين على ما سنعرض عليه حتى لا نسهر كل الليل. واجاب العميد ضاحكاً: "انتو العسكر ما بتحبو السهر، أنا بفهمك. بس أنا شخصياً مستعد ابقى للصبح، ومش رايح من هون بدون حكومة". وتطلع صوب "جاط السندويش" مقترحاً "ان نبدأ بالأكل فوراً تا نربح شوية وقت". واعتذر عن عدم قبول النبيذ الفرنسي الذي كان قد همّ الرئيس باقتراح كأس منه، قائلاً: "شكراً. بس نخلص، منشرب شمبانيا". وعلى وقع "كدش السندويش" شرح العميد للجنرال خطوط الحكومة التي يتمنى ويقترح: اربعة وزراء فقط، اثنين سنة واثنين موارنة. وشو ما صغرت شو ما تسهلت القرارات وشو ما قصرت المناقشات. وانا بعرف، فخامتك ما الك جلد على الحكي يللي بيطوِّل!". ابتسم الرئيس لكنه سأل وماذا عن "تمثيل الروم" أجاب العميد "انا بمثلهم، ما ينشغل بالك. أمي روم ومن بيت سرسق". - والدروز؟ - انت صحبة مع المير مجيد وانا مع كمال بك، كل واحد منا بيتولى اقناع صاحبه بأن هذه الحكومة موقتة وبأنه لا يمكن اشراك زعيم درزي دون الآخر، ويجب تحييد الدروز عن الحرب وعن شروط تصفيتها لأن لا مشكل درزياً في الأمر. ولم يطل وقت انتظار الشيخ بيار. فالطرق كانت سالكة بسبب الحرب ورئيس الكتائب يعرف طريق جونية جيداً، ويعرف عنوان "بيت الجنرال". فوجئ الشيخ بيار بالجو الودي بين الرجلين وقال انه سعيد بذلك، وتمنى ان يكون العميد "اقتنع أخيراً بمزايا الجنرال وضرورة انتخابه". طبعاً، رد ريمون اده باللهجة الحميمية التي تفرض نفسها عند التقاء رجلين يجمع بينهما ما يجمع بين رئيس الكتائب ونجل الرئيس اميل اده. ومع ذلك اجاب ريمون، "هلق مش وقت هالبحث. بدنا نخلص من تأليف الحكومة بسرعة كي نخلّص البلد من شر الحرب الأهلية يللي حضرتكم وقعتونا فيها ووقعتم ضحيتها". وعرض العميد خطته شارحاً بشيء (قليل) من الاسهاب "نظرية الحكومة الرباعية" ومزاياها: "لا حاجة الى حكومة فضفاضة وبتكاثر الوزراء وشروطهم وشروط اختيارهم "وبعدين كل ما كتر عدد الوزراء، كل ما زاد عدد الزعلانين، لأن مستوى التمثيل يكون قد تدنّى، فتتسع حلقة المستوزين"... ثم ان التمثيل الماروني الاجماعي يقطع الطريق على معارضة "الاقليات" ويطمئنها الى مناعة الموقف المسيحي. فضلاً عن وجود رئيس الكتائب شخصياً في الحكومة، وهو زعيم "الثورة المسيحية" يوازن برئاستها ممثل "الثورة المسلمة"، أي دولة الأفندي. وزيادة في التوازنات، يجب ان يكون السني الآخر من المسلمين التقليديين غير الثوريين ولا من المؤيدين المتحفظين. لذلك يقترح العميد الحاج حسين العويني، "صديق الجميع" والذي يحظى باحترام جماعي داخل طائفته وخارجها والذي له صداقات عربية عريقة تحتاج الحكومة ولبنان اليها لتجاوز هذه الظروف الصعبة. "وفهمكم كفاية". فضلاً عن ان الحاج بيروتي عريق ورئيس حكومة سابق ويوازن هكذا التمثيل الشمالي مع كرامي. لم يبق سوى الاتصال بالحاج واستدعائه. وهكذا كان بعدما شرح العميد الأمر للرئيس رشيد كرامي تلفونياً وتشاور معه في توزيع الحقائب. وكانت الكلمة الفصل مع كرامي للرئيس شهاب الذي سأله كرامي اذا كان مرتاحاً هو الى الأمر والى وجود ريمون اده في الحكومة. فاطمأن قلب الرئيس المكلّف الى شروحات الجنرال والى ارتياحه. وأكد له ذلك فازداد الجو صفاءً. في هذه الاثناء كان الشيخ بيار يشاور العميد بأنه مضطر الى الاصرار على وزارة الاشغال والحقائب المتصلة بها ليتسنى له تعويض ما اصاب الجبل من اضرار خلال الحرب. فقال العميد إنه شخصياً لا يمانع. ولكن على الشيخ بيار ان يبحث في الامر مع الرئيسين شهاب وكرامي. ولما وصل الحاج حسين ببدلته "الكتّان" البيضاء (انما من دون كرافة، "لأنّو الدني بعدها شوب"!) وطربوشه الاحمر ذي الانحناءة القليلة على الطريقة البيروتية، خاطب المجتمعين قائلاً، وابتسامته الدائمة تطفح بها كل قسمات وجهه: "خير انشالله"؟ جواب إجماعي: "حضورك هو الخير". وطلب الحاج حسين من رئيس الجمهورية الاجتماع به ولو لحظات على انفراد. وهكذا كان. ثم طلب الحاج فسح المجال له ليتصل بالرئيس كرامي "ولو لياقة"! وكان ذلك بلحظات قيل بعدها ان الحديث الذي دار بين الرجلين يمكن اختصاره بهاتين العبارتين: الحاج حسين: دولتك بترتاح لوجودي؟ رشيد افندي: ولو يا حاج... مسلّفنا انت كتير. والاتكال عليك تنخلص من هالمأزق، بس ما في "هيك وهيك... هيك واحد وبس". (وكانت عبارة "هيك وهيك" في تقويم الأمور تنسب باستمرار الى "دولة الحاج" وكأنها شعار!). وهكذا كان... وتألفت الحكومة الشهابية الأولى. من وحي العميد وبجهوده... وما يمكن وصفه بوقاحته. واتصل العميد بنا، وكنا لا نزال جميعنا ننتظره على أحر من جمر. وقد ازداد العدد بانضمام بعض الفضوليين من "أهل البيت والمحازبين". - آلو... ايه تألفت الحكومة رباعية. حضّروا المانشيت. بس اوصل بقلّكم التفاصيل. ولأنه لم تكن ثمة بعد تلفونات جوالة (ولا شبكات حزبية) تأخرت الجريدة، وملأنا الوقت في المناقشة و"المشارطة" على التفاصيل. وهل نبيح الخبر للصحف الأخرى أم تنفرد به "النهار". ولم يصل العميد الى "النهار" الا الساعة الاولى والنصف ودخل المصعد ومعه المصوّرون ليطلب منهم احضار صور الوزراء الاربعة... طبعاً لكل صورته وحده. ونزل المصوران سام وجورج من المصعد في الطبقة الثالثة، تاركين العميد يصل وحده الى الطبقة التاسعة حيث استقبل بالتصفيق والقبلات. ولم نغادر المكتب الا وفي يد كل منا نسخته المطبوعة من "النهار" لنفاجأ في شارع مصرف لبنان (الاسمه الرسمي شارع ميشال شيحا، وكأنه فأل خير دستوري!) بحشدٍ، متواضع طبعاً، لكنه حشد من الانصار شاهدوا سيارة العميد فتسللوا من شارع الحمراء ليسألونا عن الاخبار ومعظمهم كان يظن ان في الأمر ربما اعلان حرب على الحرب! ولعل هذا هو حقيقة الأمر الذي حصل .
|