صالح الخريبي
كم تغيرت أمريكا وكم تبدلت خلال السنوات القليلة الماضية من حكم بوش وكم تبدلت بحيث أن الأمريكيين عندما ينظرون إلى صورتهم الماضية لا يكادون يعرفونها.
عندما تسلم بوش الحكم في بداية هذا القرن كانت أمريكا زعيمة العالم من دون منازع، فقد خرجت من الحرب الباردة منتصرة، واقتصادها أقوى من اقتصاد اليابان وأوروبا مجتمعين، وكان المفكرون في العالم يتحدثون عن “القرن الأمريكي”، وعشية تسلم بوش الحكم في فترة رئاسته الأولى كتب فريد زكريا، رئيس تحرير الطبعة الدولية من مجلة النيوزويك مقالا قال فيه: “واضح أن المرحلة الحالية تحمل اسما واحدا هو: أحادية القطب، وأن عصرنا فيه قوة عالمية عملاقة واحدة هي الولايات المتحدة، فأمريكا أقوى قوة عسكرية في التاريخ، واقتصادها أقوى من اقتصاد اليابان وأوروبا مجتمعين، وأكثر ديناميكية، ونسبة الشباب بين سكانها أعلى من مثيلتها لدى أية دولة أخرى، وهي أكثر انفتاحا على ثقافات الآخرين من أية دولة أخرى، وستظل دول العالم طوال هذا القرن تعيش في عالم تشكله وتحكمه أمريكا”.
والآن، وقد أوشكت ولاية بوش الثانية على الانتهاء نشر فريد زكريا كتابا يتوقع فيه انتهاء العصر الأمريكي “بسرعة الضوء”. والكتاب بعنوان “ما بعد العصر الأمريكي” وفيه يردد الكاتب ما قاله زبينيو بريجنسكي، مستشار الرئيس كارتر السابق لشؤون الأمن القومي، من أن الولايات المتحدة “تعيش الآن معولة في عالم معاد”، فحربها العبثية ضد ما تطلق عليه اسم “الإرهاب” استنزفت طاقتها وسمعتها ومصداقيتها، وخلال سبع سنوات من حكمه حول بوش أمريكا من زعيمة للعالم إلى كاوبوي للعالم، يضاف إلى ذلك أن الولايات المتحدة تنكرت حتى للمبادئ التي تعبت حتى فرضتها على العالم من حرية السوق إلى حرية التجارة إلى الحدود والآفاق المفتوحة، ويقول في الكتاب: “طوال العقود الستة الماضية كان السياسيون والدبلوماسيون الأمريكيون يجوبون العالم ويضغطون على الدول لتحرير أسواقها وسياساتها وعملاتها، وكنا نقول لهم: “استفيدوا من تجربتنا ويمكن أن تحققوا النجاح الذي حققناه”. واستمعت هذه الدول باهتمام، وفعلت ما نريده، وبرز في العالم لاعبون جدد استغلوا انشغال أمريكا في العراق وأفغانستان لترسيخ أنفسهم كقوى جديدة، مثل الصين والهند، كما أن أوروبا أصبحت أكثر حرصا في تعاملها مع أمريكا، وروسيا أكثر عداء، لأن هذه الدول لاحظت أن الولايات المتحدة أصبحت تشك بالمبادئ التي تعبت من أجل إقناع الدول الأخرى بها.
ويرى فريد زكريا أن العالم ينتقل “بسرعة الضوء” من عالم أحادي القطب، إلى عالم متعدد الأقطاب. ويقول إن التحول الذي يشهده العالم حاليا شبيه بالتحولين اللذين مر بهما في تاريخه الحديث، وقد جرى التحول الأول قبل 500 سنة وأدى إلى الثورة الصناعية وبروز الغرب وانتشار الحضارة الحديثة كما نعرفها حاليا في العلوم والتكنولوجيا والتجارة والرأسمالية والثورة الزراعية، والتحول الثاني هو بروز الولايات المتحدة في القرن الماضي، أما التحول المقبل فإنه يتمثل بما يطلق عليه فؤاد زكريا اسم “بروز الآخرين، ويعني بذلك بروز الصين والهند فيما يطلق عليه “الشمس تشرق على الشرق”.
وماذا سيكون دور الولايات المتحدة في عالم ما بعد العالم الأمريكي؟ يقول المؤلف إن الولايات المتحدة ستضطر، طوعا أو كرها، الى التخلي عن دور “كاوبوي العالم” الذي تفرض فيه ما تريد على العالم، إلى دور يتسم بالتعاون والتشاور وحتى تقديم التنازلات حيثما يجب، إذا شاءت أن يكون لها مكان على المسرح العالمي.