حازم مبيضين
بدأ الرئيس الروسي الجديد ديمتري مدفيديف عهد رئاسته الاولى للاتحاد الروسي بخطوتين تؤشران إلى ما سيكون عليه الوضع مستقبلا، أولاهما ترشيحه للرئيس السابق فلاديمير بوتين رئيسا للوزراء وبما يعني ضمنا عزم الاثنين على العمل بشكل وثيق لتحقيق الخطط التنموية للبلاد، التي بدأت إبان حكم بوتين الذي يبدو مستمرا عبر مدفيديف، والثانية حضورهما عرضا عسكريا هو الاول من نوعه منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وذلك في الساحة الحمراء في موسكو وقد ضم العرض أسلحة متطورة من بينها صواريخ توبول أم العابرة للقارات والقادرة على حمل رؤوس نووية، في دلالة على تعافي القوة العسكرية الروسية.
لم يكن منتظراً من النواب الشيوعيين في مجلس الدوما الموافقة على ترشيح بوتين لاختلافهم مع نهجه الليبرالي، خصوصا بعد إعلان مدفيديف أن الرئيس السابق وبصفته الجديدة رئيسا للحكومة سيلعب دورا أساسيا في تحقيق خطط التنمية في السنوات الـ12 المقبلة. لكن حزب روسيا الموحدة تمكن من ضمان الموقع للرئيس المنتهية ولايته في سابقة لم تشهدها روسيا من قبل، وهي التي اعتادت انقلابات القصر على الرؤساء السوفييت، أو انتظرت أجلهم المحتوم ليكون ممكنا للمكتب السياسي للحزب الشيوعي أن ينتخب قائدا جديدا للقوة العظمى التي ظلت تخوض حربا باردة مع نقيضها الرأسمالي، وتسعى لتكوين جبهة عالمية مناوئة له، عبر تأييدها للمطالب الوطنية لشعوب الدول التي خرجت لتوها من ربقة الحكم الاستعماري الآخذ بالانحسار منذ خمسينيات القرن الماضي، وإذا كان بوتين يصر على المضي قدما بسياساته على صعيد تعزيز الاقتصاد وتحسين الواقع المعيشي للمواطنين وخفض التضخم وقيادة روسيا للارتقاء إلى مصاف الاقتصادات العالمية الكبرى. ويتعهد بإرساء الحوار مع جميع الأطياف السياسية في البلاد، فان ذلك كله لن يمنع مناوئيه من الشيوعيين، أو حتى من القوميين اليمينيين، من محاولة وضع العصي في دواليب عربته .
لكن المؤكد أن بوتين سيظل في واجهة الصورة الروسية بعد أن ضمن بتوليه رئاسة الحزب الحاكم السيطرة على إحدى أهم دعائم الحكم لتعزيز موقعه بعد تركه الرئاسة امتثالا للدستور لكنه ظل حريصا على الإمساك بسلطات مهمة توازن موقع الرئيس الجديد، بسيطرته على السلطة التشريعية إضافة لما يوفره له منصب رئيس الوزراء من مهام السلطة التنفيذية في خطوة رأى فيها بعض المراقبين أنها تغير روح الدستور دون المساس بحرفيته، واعتبر البعض أن عواقب هذه التغييرات تهدد بإثارة توتر ونزاعات لكن ذلك سيتوقف على كيفية تطور العلاقات بين الرجلين الذين يخوضان تجربة - سلطه برأسين - رغم أن لا جذور لها في التقاليد الروسية والمجتمع المعتاد على تركز السلطات في يد رئيس الدولة.
وإذا كان بوتين يعتبر قراره طبيعيا ويأتي في سياق الممارسات الرائجة في الديمقراطيات، فان معارضي استمراره في السلطة يرون في ذلك ذراً للرماد في العيون، لكنهم لن يتمكنوا من تجاهل أن سياساته تتماشى مع مطالبهم وهي تحاول استعادة هيبة روسيا كدولة عظمى، وذلك ما بدا بارزاً في العرض العسكري الذي شارك فيه مدفيديف بدايات ممارسته لسلطاته الرئاسية،وفي رسالة واضحة للجميع مفادها أن أية انجازات جديدة إنما تستند إلى إرث بوتين المتواصل تراكماً في مبنى مجلس الوزراء وفي قيادة الحزب الحاكم بأفكاره الليبرالية التي يبدو أنها ما زالت تحظى بالرضا من المواطنين الروس، وإلى أمد بات مؤكداً أنه لن يكون قصيراً .