ليونيد ألكسندروفتش
بالقطع لا يمكن المقارنة بين الإرثين، إرث الرئيس الراحل يلتسين لخليفته بوتين عام 2000، وإرث الرئيس المنتهية ولايته بوتين لخليفته ميدفيديف عام 2008، لقد ورث بوتين من يلتسين تركة ثقيلة لدرجة أنه يمكن وصفها بالكوارث وليس بالمشاكل والأزمات.
حيث كان الاقتصاد الروسي منهاراً تماماً ومعظم المشاريع الإنتاجية في يد زعماء المافيا وأباطرة المال من اليهود الروس العاملين وفقاً للأجندة الغربية، وكانت العسكرية الروسية في أسوأ حال وقادة الجيش الروسي يبيعون كل ما يملكون في بيوتهم حتى أوسمتهم وميدالياتهم من أجل المال لإعالة أسرهم، بينما العلوم والأبحاث الروسية في اندحار وتراجع كبير بعد وقف تمويلها من الدولة مما أدى إلى هروب أكثر من مليون عالم وخبير روسي للخارج بحثاً عن الرزق.
كما تدهورت الحالة الأمنية في عهد يلتسين لدرجة أصبح الناس يخشون فيها السير في الشوارع حتى في وضح النهار، أما عن الوضع الدولي الخارجي فحدث ولا حرج، فقد فقدت روسيا تقريباً كل حلفائها وأصدقائها السابقين بعد أن هرول نظام الرئيس يلتسين نحو الغرب وواشنطن، ولم يعد لروسيا أية فاعلية على الساحتين الدولية والإقليمية.
بينما كان حلف الناتو يتقدم متوسعاً تجاه الشرق ليفرض حصاره على روسيا، وكانت الحرب في الشيشان تستنفد الجهد والمال الكثير وكان الانفصاليون الشيشانيون يتلقون الدعم من مختلف أنحاء العالم وخاصة من واشنطن ولندن.
لم يتصور أحد عام 2000 أن يستطيع الشاب فلاديمير بوتين المجهول وغير المعروف لأحد الصمود أمام أية مشكلة من هذه المشاكل، وكان أكثر المتفائلين لا يتوقع لبوتين الاستمرار في الحكم أكثر من عامين ثم يستقيل أو ينزاح بأية وسيلة أخرى، خاصة وأن الذي أتى به للحكم هم أنفسهم خصومه وأعداؤه من أباطرة المال والمليارديرات اليهود الروس الذين سيطروا على الاقتصاد الروسي طيلة حكم يلتسين وظنوا أن بوتين الموظف الصغير في الكريملين سيكون لعبة في أيديهم ينفذ كافة أوامرهم وتوجيهاتهم.
ولكن حدث العكس تماماً، واستطاع بوتين التخلص من نفوذ هؤلاء ومطاردتهم في كل مكان واستعادة نفوذ الدولة على الاقتصاد، كما استطاع مواجهة باقي المشاكل والسيطرة عليها بشكل أدهش العالم كله، وأعاد بوتين لروسيا مكانتها ودورها الفعال على الساحة الدولية، وحقق بوتين على المستوى الشعبي في روسيا شعبية كبيرة لم يحظ بها أحد في تاريخ روسيا الحديث، ورغم هذا رفض الاستمرار في الحكم بعد انتهاء ولايته ورفض تعديل الدستور، وقرر أن يترك السلطة لخليفته ميدفيديف.
ما حققه بوتين من إنجازات أشبه بالمعجزات يجعل البعض يتصور أن الإرث الذي تركه بوتين لخليفته ميدفيديف سهلاً ومريحاً للغاية، وأن المشاكل الكبيرة ذهبت ولم يعد أمام الرئيس الجديد سوى إدارة الأمور على ما هي عليه دون تغيير، هذا التصور بعيد عن الواقع والحقيقة، حيث يواجه الرئيس الجديد لروسيا مشاكل ربما لا تقل أهمية وصعوبة عن سلفه، فقد نجح بوتين في فرض هيمنة الدولة على الاقتصاد ومطلوب من ميدفيديف الآن أن يعطي هذا الاقتصاد للشعب الروسي الذي عانى الكثير في سنوات التسعينات.
كما أنه مطلوب من ميدفيديف أن يواجه مخطط حرب جديدة في القوقاز بدأت أصداؤها تتردد في أبخازيا، وهي الحرب التي ستكون أكثر شراسة من الحرب في الشيشان بكثير، ومطلوب من ميدفيديف أن يواجه مخططات غربية تستهدف أمن وقوة روسيا ومصالحها الإقليمية والدولية، حيث حلف الناتو مستمر في توسعاته وينوي ضم جورجيا وأوكرانيا وربما غيرهما، وواشنطن تنوي إحاطة الحدود الروسية ببرنامجها الدفاعي الصاروخي، ومشاكل أخرى كثيرة في كافة المجالات.
لهذا من الخطأ تصور سهولة مهمة الرئيس الروسي الجديد عن سلفه، خاصة في ظل تطور الظروف على الساحتين الإقليمية والدولية ومع تصاعد الأزمة على الحدود الروسية الجورجية في أبخازيا، وفي ظل استمرار تواجد القوات الأميركية في منطقة الخليج، وأيضاً في ظل تصميم حلف الناتو على تنفيذ توسعاته شرقاً.