حسن مدن
“الصقور” كانوا موجودين دائماً في الولايات المتحدة الأمريكية، في عهد كل الرؤساء الأمريكيين، غير انهم كانوا مكبوتين طويلاً حتى من أكثر الإدارات محافظة. لكنهم اليوم فقط، في إدارة الرئيس الحالي بوش الابن، سيطروا أخيراً على السياسة الأمريكية.
موقف هؤلاء الصقور واضح: تستخدم الولايات المتحدة قوة عسكرية طاغية، حتى إذا كان عدد لا يحصى من زعماء العالم لا يرون حكمة في ذلك، فإن هؤلاء الزعماء أنفسهم لا يمكنهم أن يفعلوا شيئاً ولن يفعلوا شيئاً إذا فرضت الولايات المتحدة إرادتها ببساطة على الآخرين.
يعتقد هؤلاء الصقور أيضاً أن الولايات المتحدة يجب أن تتصرف كقوة إمبراطورية لسببين: الأول، أنها تستطيع أن تفعل ذلك، والثاني أنها إذا لم تفرض قوتها فستزداد تهشماً.
هذا جانب من تحليل معمق للسياسة الأمريكية الحالية قدمه، منذ سنوات، إيمانويل والرشتاين أحد أبرز المفكرين اليساريين الأمريكيين بعد نعوم تشومسكي، يرى فيه أن قراءة الصقور للتطورات العالمية الأخيرة تقوم على أن المعارضة لأفعال الولايات المتحدة وإن كانت جدية، فإنها عموماً بقيت لفظية، فلا أوروبا ولا روسيا ولا الصين ولا حتى الدول العربية الحليفة لواشنطن، بدت مستعدة لقطع الصلات مع الولايات المتحدة جدياً.
لكن إيمانويل والرشتاين يرى أن تفسيرات الصقور لن تساهم إلا في انحدار الولايات المتحدة، وستحول التراجع التدريجي سقوطاً أكثر سرعة واضطراباً، وهو يقر بأن الجيش يبقى الورقة الأقوى لدى الولايات المتحدة، فهي تمتلك أضخم جهاز عسكري في العالم، خاصة إذا صدقت المزاعم عن تكنولوجيات عسكرية جديدة، لكن تجربة غزو واحتلال العراق تدل على أن الرهان على القوة العسكرية وحدها رهان خاسر.
وبعدما يعدد الكاتب مواقع ضعف أخرى من الأداء الأمريكي، اقتصادياً وأيديولوجياً، يخلص إلى أن طريق الصقور سيجلب لأمريكا وللجميع طبعاً نتائج سلبية. وعلى الولايات المتحدة في رأيه أن تختار: إما أن تترك قوتها تذوي أو تجد طريقة للتراجع بلياقة وبأقل الأضرار الممكنة لها وللعالم.
السجال الذي أثير وسيثار في الحملات الانتخابية الحالية في الولايات المتحدة، والتي يُفترض أن تُفضي برئيسٍ جديد الى البيت الأبيض، حول مآزق السياسة الخارجية الأمريكية التي هندسها المحافظون الجدد يلتقي، في الجوهر، مع التحذيرات التي أطلقها المفكر آنف الذكر.