|
هل يمكن استثمار التأثير الكبير لوسائل الإعلام لبناء ثقافة السلام ؟
بيروت - رلى مخايل
هل من ظلّ يتحدث عن السلام وسط كل مظاهر العنف التي حاصرتنا الاسبوع الماضي من كل صوب؟ وهل يمكن ان تجد الدعوة الى السلام اسساً واقعية لها وسط المعطيات الاقليمية والمحلية غير المشجعة لها؟ الجميع يغلي، وسط الحديث عن سيناريوات حرب اقليمية ونزاع داخلي. وتبقى وسائل الاعلام صلة الوصل بالحوادث المتسارعة ووسيلة نقل مجريات الحوادث والآراء. ومع تنامي دورها، اي دور تلعبه في بناء ثقافة السلام؟ وكيف تبدو معطيات الواقع اللبناني؟ منذ بداية التسعينات، استاثر مفهوم ثقافة السلام بالاهتمام العالمي، ولا سيما على صعيد المنظمات الدولية وهيئات المجتمع المدني. ففي تلك الفترة شهد العالم تحولات مفصلية على صعيد تبدل المحاور الدولية التي تتحكم في القرارات الدولية والاستراتيجية العالمية. ففي العالم 1989 سقط جدار برلين. وفي العام 1990 انهار حلف وارسو، كما سقطت منظومة الاتحاد السوفياتي عام 1991.
حقبة تعميم ثقافة السلام
مع تتالي حقبات من الحروب العالمية، والحرب الباردة، والحروب الاقليمية والاهلية، والنزاعات، قامت هيئة الامم المتحدة بخطوة بارزة ومهمة في اطلاق "عهد دولي لتعميم ثقافة السلام" بماهيتها وطبيعتها وبرامج تطبيقها، وعهدت الى منظمة الاونيسكو العمل على تنفيذه في العالم اجمع، كما يشرح الدكتور جيروم شاهين. فاعلنت الجمعية العامة للامم المتحدة عام 1981 يوم 21 ايلول من كل عام يوما عالميا للسلام. ثم نقحت الجمعية العامة للامم المتحدة عام 2001 اهداف ذلك اليوم ليصبح يوما لوقف اطلاق النار وعدم العنف في العالم، وهي دعوة لجميع البلدان والشعوب الى التزام وقف الاعمال العدائية خلال ذلك اليوم". وقد اعلنت هيئة الامم المتحدة عام 2000 عاما كاملا للسلام. ثم اعلنت الاعوام من 2001 الى 2010 عقدا كاملا لتعميم ثقافة السلام وعدم العنف لمصلحة اطفال العالم. وصاغت المنظمة العالمية اعلانا في هذا الشأن تضمن المبادئ التي يجب ان ترتكز عليها ثقافة السلام والوسائل التي يجب استخدامها لذلك في مستويات عدة من الحياة الفردية والجماعية وعلاقات الدول ببعضها بعضا. فما ابرز مضامين هذا الاعلان التي تشكل، في الواقع، اشمل تحديد لماهية ثقافة السلام؟ باختصار، تحدد ثقافة السلام بانها مجموعة القيم، والمواقف، والتقاليد، والمسلكيات، وطرق العيش المبنية على: "احترام الحياة، رفض العنف، ممارسة اللاعنف سلميا، تحقيق المساواة في الحقوق والواجبات ما بين النساء والرجال، احترام حق كل فرد في التعبير والرأي والاستعلام، احترام مبادىء الحرية والعدالة والديموقراطية والتسامح والتضامن والتعددية، تطبيق شرعة حقوق الانسان، تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، التغلب على الفقر، محو الامية، ادارة الشأن العام بشفافية ومسؤولية، القضاء على جميع اشكال التمييز العنصري، احترام حقوق الاقليات الدينية والاتنية واللغوية، حق الشعوب في تقرير مصيرها، تحرير الشعوب من الاحتلال والهيمنة بشتى اشكالها". هذا باختصار شديد تحديد ثقافة السلام، كما جاء في اعلان منظمة الامم المتحدة. فعلى من تقع مسؤولية بناء ثقافة السلام، ذهنيا ومسلكيا وبنيويا؟ في هذا المجال يشير شاهين الى ان المسؤولية تقع على المؤسسات التربوية، وعلى الحكومات، وعلى المجتمع المدني في اشكاله وتنظيماته، وعلى المنظمات العالمية، وعلى وسائل الاعلام بكل انواعها. فما دور وسائل الاعلام في بناء ثقافة السلام؟
وسائل الاعلام والقدرة التدميرية
في لبنان، من كثرة ما عشنا الحروب، نسينا ان هناك لغة اخرى غير لغة العنف. تشتد الازمات لدينا وتشتد حدة الحملات الاعلامية ويتعزز الاصطفاف. ضاقت سبل الحوار والتواصل، علت المتاريس، واخذت طبول الحرب تقرع على الجبهات المختلفة الدستورية منها وغير الدستورية وبالطرق السلمية وغير السلمية.. ومنها الاعلام الذي شكل ساحة اخرى للحرب. الرسائل الاعلامية، التحليلات، الصور، التوقعات التي تحاصرنا من كل صوب لا تدعو الى التفاؤل... والسؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن وسط الانقسامات الحادة ان تلعب وسائل اعلامنا اللبناني دورا في بناء ثقافة السلام في لبنان وترسيخها؟ وهل يمكن استخدام وسائل الاعلام عموما كوسيلة لتعميم السلام؟ إن فكرة استخدام وسائل الاعلام كوسيلة لتعميم السلام ليست جديدة، يقول الدكتور جورج صدقة، اذ انه "طرح قديم يتكرر بعد كل حرب بعدما تم تلمس القدرة التدميرية لوسائل الاعلام، وبعد اكتشاف طاقة الشحن والترويج العدائي التي تختزنها". تاريخيا، حاولت عصبة الامم تغيير قدر وسائل الاعلام هذا، فدعت الى عقد مؤتمر لحكومات الدول من اجل التفاوض في توقيع اتفاقية حول استخدام الاذاعة لمصلحة السلام. وقد انعقد المؤتمر في 17 ايلول 1936 وتبنى اتفاقية بقيت حبرا على ورق. كان ذلك في اوج الحرب الاعلامية في اوروبا التي مهدت للحرب العالمية الثانية. بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عاد السؤال ليطرح كالآتي: هذه القوة الهائلة التي تملكها وسائل الاعلام وهذا التجييش الدعائي الذي يدفع بالمجتمعات الى حروب افنائية ويدفع بالجنود الى القتال بحماسة والى الاستبسال حتى الشهادة، اولا يمكن استعمالهما في نشر ثقافة السلام وبهدف اقناع الجمهور برفض لغة الحرب وتبني طروحات الحوار؟ اي كيف يمكن استخدام القوة الكبيرة التي تختزلها وسائل الاعلام لمحاربة الحرب؟
خصوصية وسائل الاعلام في الحرب
إن استخدام وسائل الاعلام في زمن الحرب يختلف عنه كليا في زمن السلم، يشرح صدقة. فالطاقة الكبيرة التي تختزنها وسائل الاعلام في زمن الحرب ليست بالقوة نفسها او بالاتجاه نفسه كما في زمن السلم. وبالتالي فان الدور الذي تلعبه ايام الحرب لا يمكن ان يقارن بأي ظرف اخر. لذلك فان كل الابحاث والنظريات التي سادت بعد الحربين العالميتين الاولى والثانية عن استخدام قوة الاعلام من اجل نشر السلام تلاشت. لا بل بالعكس، ما تطور هو الاستخدام المتزايد لهذه الوسائل في زمن الحروب. ان وسائل الاعلام تستمد جزءا من قوتها في الحروب من الظروف التي توجدها الصراعات. هي تستمدها من دينامية الحرب التي تختلف عن دينامية السلم، وبالتالي فان دور وسائل الاعلام وقدراتها تختلف بين الحرب والسلم. كذلك فان متابعة الناس لها وما تنتظره منها تختلف ايضا. ان التحديات التي تحملها الحروب والمخاطر الكبيرة التي يشعر بها الناس على حياتهم وارزاقهم ومصيرهم تجعل انتظاراتهم مختلفة وتقبلهم للامور مختلفاً . هم في ايام الحرب مضطربون، قلقون، يبحثون عن ثوابت تطمئنهم. في هذه الحال "لبدة الباب يعتقدها هولاء انفجارا". الكلمات تتحول اسلحة، خطاب القائد يصبح مقدسا، التعليمات تصبح اوامر لا يجادل فيها، الخطاب المنطقي يتراجع لمصلحة خطاب يتلمس عناصر التأثير المختلفة. ونلاحظ في مثل هذه الظروف توجه المجتمعات نحو العنف والتماس الخطاب المتطرف، ويصبح الخطاب المعتدل مرفوضاً او مخوناً.
علاقة وسائل الاعلام بالحرب
العلاقة بين وسائل الاعلام والحرب علاقة وثيقة، يؤكد صدقة. ففي كل الحروب كان دائما يتم اعتبار وسائل الاعلام كأحد الاسلحة الرئيسية المستخدمة. اي ان السلطات العسكرية والسياسية كانت تسعى دائما الى استخدام وسائل الاعلام في المعركة، باعتبار ان دورها رئيسي وقد يوازي السلاح العسكري ويتكامل معه. من اوائل الباحثين عن دور وسائل الاعلام خلال الحروب هارولد لاسويل، الذي اصدر كتابا عام 1927 بعنوان "تقنية الدعاية في الحرب العالمية". وقد تحدث عن الدعاية على انها ادارة الرأي العام ووسيلة ضغط على الحكومات. بعد ذلك بعام كتب ادوار برنيز، وهو نسيب فرويد: "اذا فهمنا الآليات والدوافع المحركة لروحية الجماعة يسهل تحريك الجماهير في الاتجاه الذي نريده ومن دون ان تعي الامر. ان التلاعب الواعي والذكي بعادات الجماهير وآرائها عنصر اساسي في المجتمعات الديموقراطية. من يدير هذه الدعاية يصبح في مثابة حكومة ظل. ان هذا دور النخب في استخدام الدعاية بشكل دائم". كما كتب هتلر في كتابه كفاحي: "ان دور حاجز النار الذي تنفذه المدفعية ستقوم به في المستقبل الدعاية الثورية. انه يقوم على التحطيم المعنوي للخصم قبل ان تبدأ الجيوش بعملها". هذه الاستشهادات نذكرها على سبيل المثال عن الدور الذي برز لوسائل الاعلام في تلك المرحلة. واظهرت الدراسات المتلاحقة كيف استخدمت وسائل الاعلام اساليب الدعاية المختلفة للسيطرة على العقول. هذه الاساليب سيصبح اسمها الحرب النفسية، كمثل تحريك الغرائز والتعليب الفكري وزرع الخوف وخلق ردات فعل محددة وغيرها. واستمرت الحال في الخمسينات مع حركات التحرر الوطنية و"حروب الانصار" التي اعتبرت تحريك الفرد وتوجيهه اساس الانتصار. ثم مع الحرب الباردة التي شهدت حرباً سياسية بين العسكرين عبر وسائل الاعلام على امتداد الكرة الارضية. وقد بات من قواعد الحروب الحديثة ان التحكم في وسائل الاعلام هو ضرورة من اجل تحقيق النصر. ففي حرب فيتنام كان آلاف المراسلين ينقلون من ارض المعركة الصور بحرية تامة، وقد بقي منها الكثير في الاذهان كالطفلة الفيتنامية التي تحترق بالنابالم، والجنود الاميركيين المقطعي الاوصال. وكان الانتقال مع حرب المالوين عام 1982 الى حرب اللاصورة، والى الصومال حيث أخّر المارينز انزالهم 24 ساعة في انتظار وصول "السي ان ان"، وصولا الى الخليج حيث تمت كودرة الصحافي وتحديد ما يمكنه ان يصور او يتم تزويده باخبار ترويجية عن حجم تسلح الخصم او خسائره سواء للتاثير على الخصم او على الرأي العام المحلي او العالمي، وصولا الى الشيشان حيث لا حرب في غياب اي صحافي لينقلها. هذا العرض السريع عن استخدام وسائل الاعلام في الحروب، يقول صدقة، "يدل على ان هذه الوسائل تفقد في مثل هذه الظروف دورها الاساسي ألا وهو نقل الوقائع وتزويد الجمهور بالحقائق الضرورية له لتكوين رأي وموقف. وهنا تغيرت مهمة الوسيلة الاعلامية تغييرا جذرياً. ويشرح الفرد سوفي ان هناك تناقضا تاما بين الدور الاعلامي والدور الدعائي. فالاول يحرر الانسان اما الثاني فيستعبده.
تحديات الاعلام اللبناني
بعيداً من ادارة المعركة ومن الدور المراد للاعلام في الحروب، لا بد من طرح بعض الاسئلة عن قدرة الاعلام اللبناني على الحركة في ظروف معينة كالحرب او النزاعات الداخلية او الصراع السياسي، وهي اسئلة في حاجة الى اجوبة وتصلح قاعدة لحوار جدي وعميق حول الواقع اللبناني سياسيا واعلاميا، ولا سيما اذا اخذنا حرب تموز كمثل. اذ هل كان في امكان الاعلام اللبناني ان لا يتضامن مع "المنار" في خطها الدعائي، سواء لاسباب وطنية او لاسباب سياسية؟ واذا كنا رأينا في اسرائيل نقاشا علنيا حول حرب تموز، فلماذا لم نرَ في اعلامنا مثل هذا النقاش؟ وهل تتقبل ظروف المجتمع اللبناني انتقادا حول ادارة المعركة من الجانب اللبناني؟ وهل من الممكن القيام بجردة لمعرفة النتائج الايجابية والسلبية لهذه الحرب؟ هل نستطيع القول انه ما كان على المحطات التلفزيونية ان تنقل صور مجازر الحرب لان ذلك مخالف للاخلاق الاعلامية، ام كان ذلك ضروريا من اجل كسب الحرب الاعلامية؟ اي هل نستطيع ان نتبنى مبادئ اخلاقية نقدمها على هدف النصر؟ هل الوحدة الوطنية التي عكستها المحطات التلفزيونية خلال هذه الحرب حقيقية ام مصطنعة؟ ولماذا لم يتبعها نقاش في وسائل الاعلام؟ هل الصحافي اللبناني يجرؤ على كتابة ما يفكر به من دون ان يشعر انه مهدد؟ ما الهامش الذي يتركه اصحاب المؤسسات الاعلامية للصحافي للتعبير عن رأيه الشخصي؟ ما الآليات القانونية والتنظيمية الضامنة لمهام وسائل الاعلام ولحقوقها ولحقوق الصحافيين؟ هذه الاسئلة، يقول صدقة، "قد تقود الى استنتاجات كارثية عن حال وسائل الاعلام اللبنانية التي نطالبها اليوم بأن تكون في خدمة السلام. اذ ان بنية الاعلام اللبناني، كما البنية السياسية للمجتمع اللبناني، باتت مترهلة، مفككة، وعاجزة عن مواكبة مهام الاعلام، ليس فقط في زمن الحرب بل وخصوصا في زمن السلم. وكما تتحمل وسائل الاعلام اللبنانية جانبا من المسؤولية عن اندلاع الحرب اللبنانية عام 1975، نراها مسؤولة اليوم عن جانب من التوترات الموجودة في المجتمع وتهدّد باشعال الحرب مجددا". لذلك لا بد من التفكير في تطوير بنى الاعلام اللبناني، يقول صدقة، عبر: "- وزارة الاعلام الموروثة منذ الثلاثينات والتي انتفى دورها اليوم. - المجلس الوطني للاعلام المطعون في حياده ومهنيته نظرا الى آليات تعيين اعضائه ولانعدام صلاحياته. - وجود نقابتين: واحدة للمحررين يرأسها رب عمل صاحب مجموعة من الامتيازات الاعلامية لذلك هي لا تجسد مطلب المحررين. واخرى لاصحاب المؤسسات الاعلامية بات الجميع على اقتناع بضرورة اندماجها بالنقابة الاولى. واقل ما يقال في هاتين النقابتين انهما باتتا من "التراث". - قوانين الاعلام: قانون المرئي والمسموع الذي قام على اساس المحاصصة السياسية والطائفية، وقوانين الصحافة المكتوبة التي تحصر امتلاك صحيفة باصحاب الملايين".
ماذا يبقى من بنى الإعلام اللبناني؟
رغم العوائق، لا يزال الاعلام اللبناني يتمتع ببعض عناصر القوة مثل الحرية التي تميز بها لبنان تاريخياً. لكنها باتت اليوم في ايدي اصحاب المؤسسات وليس الصحافيين. وغالبا ما يستخدمها اصحاب المؤسسات لاغراض مختلفة كليا عن اهداف رسالة الصحافة. اضافة الى العنصر البشري المتفوق، لكنه ليس محصنا وهو فريسة الاغراءات نظراً الى تدني الرواتب والظروف السيئة التي يمر بها الوطن والمؤسسات الاعلامية. وثمة عنصر اخير يتمثل في ان المؤسسات الاعلامية اللبنانية، من دون استثناء، مصابة بعجز مادي كبير الى حد انها باتت غير قادرة على تأمين توازنها المالي من مداخيلها الذاتية، اي انها في حال بحث دائم عن ممولين، مع ما يعني ذلك من تبعية وفقدان المهنية. ويخلص صدقة الى ان الاعلام اللبناني بشكله الحالي لا يستطيع ان يؤسس لمجتمع سليم، ولا ان يخدم رسالة السلام، ولا ان يكون السلطة الرابعة المراقبة السلطات الاخرى.
|