|
داود الشريان
يقر كثير من اللبنانيين، على اختلاف طوائفهم وانتماءاتهم السياسية، بأن الرئيس الراحل رفيق الحريري همَّش السياسة والجدل الطائفي ونجح في تغيير اهتمامات اللبنانيين من الاختلاف على حكم البلد إلى الاختلاف على أسلوب ادارته وتنميته. ويشيرون هنا إلى لغة الخطاب التي سادت في عهده، وكيف أن اللبنانيين أصبحوا يتحدثون عن الإعمار والتنمية والتجارة عوضا عن الطائفية ورموزها. فضلاً عن انه كسر هيبة الزعامات، وتعلم اللبنانيون من خلاله «فشة الخلق» من دون خوف من أن الحديث عن الرئيس يعني الحديث عن طائفته. فهو كان في نظرهم يمثل الأمة، ولو طال به الأجل لاستطاع رفيق الحريري الوصول إلى تجديد الفكر السياسي لهذا البلد.
لا شك في أن رفيق الحريري أهمل الثقافة والفكر والفن، ووضع حرية التعبير تحت يده، واستبدل الطائفية السياسية بأخرى مرجعيتها المصالح. لكن هذه الطائفية، رغم تجاوزاتها وأخطائها، كانت كفيلة بإطلاق البلد من القيد الطائفي المستند إلى الدين. فالحريري بمعنى ما أخذ على عاتقه إشاعة منطق الدولة، وتصرف على أساس أن السنة في لبنان أمة وليسوا طائفة، وحكماً لا طرفاً، تماماً كما كان دورهم في الحرب الأهلية. لكن يبدو اليوم أن ما بناه رفيق الحريري وأسلافه يتهاوى. فها هو سعد الحريري يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويتحدث بمنطق زعيم الطائفة. وهذا بالضبط ما يريده خصومه وبعض حلفائه. فهو اعتقد خطأ أن من يمثل بيروت يمثل السُنة، متجاهلاً أن والده كان يتعامل مع بيروت كرمز للدولة، وحاضنة للأمة. نتمنى على سعد الحريري أن لا يستفزه المنطق الطائفي الذي يرفعه بعضهم، وأن لا تأخذه حماسة الشاعر أبي فراس الحمداني في رده على قائد الروم الذي قال مستهتراً بالعرب والحرب: أنتم أهل التجارة وإيلاف قريش، فرد عليه بقصيدته المشهورة: «أتزعم يا ضخم اللغاديد... من للحرب إن لم نكن لها». فالموقف مختلف، ولا احد يستطيع أن يزايد على سواد الأمة بالشجاعة. والسُنة كانوا طوال تاريخهم لجام الفتن ودعاة الاستقرار، وهم أمة تجيز المذاهب، لكنها تنفر من الطائفية ولا تعرف لغتها. فهذه الحروب التي تجري في المنطقة هدفها الأول والأخير نقل السنة عنوة من رحابة الأمة إلى ضيق الطائفة، ويجب أن لا تتاح لهم الفرصة لذلك. صحيح أن ما جرى في العراق ويجري حالياً في لبنان مستفز وشرس. لكن الأمة ستبقى أكبر من دعاة الفتنة وضيق الأفق. وأهل السنة في لبنان ليسوا حزباً، ولن يكونوا طائفة. إنهم أهل الحل والحلم والتجاوز والاستقرار، وإن اختلت هذه المعادلة سيلقى لبنان مصير العراق.
|