|
حمزة قبلان المزيني
أشرتُ في مقال الأسبوع الماضي إلى النشاط الذي تقوم به لجنة المناصحة في إحدى المناطق التي كانت مركزا للممارسات التي تدعو إلى التشدد والتطرف والعنف وإلى إخراج "الشباب" السعوديين إلى خارج المملكة للانخراط في الفتن والحروب الأهلية في بلدان متعددة تحت مسمى "الجهاد". ويستحق هذا النشاط الذي تقوم به لجنة المناصحة خارج السجون أن يسمى بـ "صحوة" مباركة طال انتظارها. ذلك أنه برهان واضح على أننا أخذنا نصحو من غبشة الإنكار وصرنا نعترف بتوطُّن الفكر المتشدد الذي يمكن أن يؤول إلى العنف في داخل المملكة، وإلى التدمير والتفجير في داخل المملكة وخارجها، وبانتشاره على نطاق واسع. وتشير هذه الصحوة المباركة كذلك إلى أننا بدأنا نتعرَّف البيئات التي ينجح فيها المتطرفون في بذر هذا الفكر، وهي ـ كما أشار أعضاء لجنة المناصحة الذين أوردت بعض الصحف السعودية تقارير موسَّعة عن نشاطاتهم ـ المدارسُ وخطب المساجد وحلقات تحفيظ القرآن الكريم والأشرطة والمحاضرات والنشاطات غير الصفية. ولم يقتصر هذا الوعي المبارك على نشاط الفضلاء من أعضاء لجنة المناصحة الذين أشرت في مقال الأسبوع الماضي إلى بعض ما نشرتْه الصحف من محاضراتهم الكثيرة التي ألقوها في تلك المنطقة. فقد أوردت الصحف الصادرة في الأسبوع الماضي تقارير عن لقاءات معالي وزير الشؤون الإسلامية بخطباء الجمعة في بعض مدن وقرى مكة المكرمة. وأوردت تلك التقارير وجهة نظر معاليه في بعض الخطباء الذين يستغلون منابر الجمعة لغرس أفكار التطرف والتشدد المفضية إلى العنف. كما أوردت الصحف تقارير عن النشاط المماثل الذي تقوم به جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية منذ فترة، ومنها عقد لقاءات في بعض المعاهد العلمية وفي الجامعة نفسها ألقيت فيها بعض المحاضرات التي تسعى إلى الكشف عن الأفكار المتشددة والتأويلات الدينية المتطرفة التي تسهم في انحراف بعض "الشباب" السعوديين وتوجيههم إلى مسارات التشدد والعنف. وشاركت الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة بإقامة نشاطات مماثلة حاضر فيها بعض العلماء من الجامعة وخارجها. وأقامت جامعة الملك سعود في الرياض عددا من النشاطات المماثلة. وأنشئ فيها الآن كرسي صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز، وزير الداخلية، للأمن الفكري. وتشهد هذه النشاطات كلها على عزم المسؤولين في الدولة على اجتثاث هذا الفكر وتجفيف منابعه. ولقد مرت فترة طويلة ونحن نوجد لأنفسنا الأعذار عن تراخينا في مواجهة هذه الحقائق الواضحة؛ فقد صَرَفنا عن ذلك طويلا أننا كنا نُقنع أنفسنا بأن هذا الفكر مستورد من الخارج، وأن "شبابنا" مغرَّر بهم، وأن مؤسساتنا الدينية والتعليمية ليست مسؤولة بحال عن تنمية هذا الفكر ورعايته وتشجيعه. كما كنا نتردد في التعاطف الجاد مع معاناة الأسر التي وقع بعض "شبابها" في شراك دعاة التطرف والعنف. وإذا ما خرج فرد من هذه الأسر "المكلومة" إلى العلن ليتحدث عن مصيبته والمسار الذي سلكه قريبه "الضحية" فكثيرا ما يقابل هذا الأمر بالتعمية عليه أو التقليل منه. ومن الأمثلة الصارخة التي حاولتْ مبكرا الكشفَ عن المخططات الدقيقة لإيقاع "الشباب" في حبائل منظِّري هذا الفكر ما كتبه والد أحد "الشباب" الذين قضوا في المواجهة مع قوى الأمن في حادثة اليرموك قبل ثلاث سنوات تقريبا. لكن صرخته تلك ذهبت أدراج الرياح ولم يصل نشاط لجان المناصحة إلى المنطقة التي كان يتحدث عنها إلا في الأسابيع الثلاثة الماضية. فمما قاله في مقال نشرته صحيفة الرياض في 9/2/1427 أنه "جاهَد"، ومعه آخرون، في التصدي لهذه الظاهرة وكشفها منذ سنوات. وحذَّر من أن تلك المحافظة ".. . سوف تستمر في ضخ المزيد من الإرهابيين أو على الأقل تشكيل خلايا نائمة وذلك للأسباب الآتية: 1ـ المشهد الثقافي والاجتماعي مشحون ومعبأ في بعضه بكل ما هو ضد الدولة وانتقاد للأداء الحكومي وفي بعض الأحيان تكفَّر إجراءات وأنظمة الدولة بل قد تصدر فتوى بذلك سواء من بعض خطباء الجوامع أو بعض المدرسين وبعض مؤسسات التنشئة الاجتماعية. 2ـ تردي أداء بعض الدوائر الحكومية وعجزها عن ضبط البعض وردعهم. 3ـ لا يوجد من يردع الناس فكل من يشاء يجمع الناس بإحدى الجمعيات أو إحدى الاستراحات ثم يوقع المئات من الناس على المطالبات ومشاغبة الدوائر الحكومية... 4ـ لم تستطع قيادات مؤسسات التنشئة الاجتماعية الرسمية الحكومية أو التطوعية كبح جماح هذا الشحن بل كان بعضها سبباً في تغذيته وعلى أضعف الأحوال لم تستطع مجابهته ومع ذلك لم يتغير أي منهم إلا في حدود ضيقة. 5ـ قدرة هذا المشهد على تهييج العامة ضد الدولة فعندما خرج أحد الإرهابيين من السجن أقيمت له الاحتفالات والولائم التي حضرها المئات من المواطنين وكذلك عندما خرج أحد المعارضين من السجن احتفي به مثل السابق وأكثر ومما يزيد الحيرة تبني بعض القيادات التربوية والدعوية لذلك فإذا كانوا يمارسون ذلك علانية فماذا يقولون لطلابهم في السر. 6ـ عندما أُوقف أحد خطباء الجوامع عن الخطابة لمخالفاته هيج الرأي العام للوقوف معه على الرغم من تجاوزاته وكثير ممن وقف معه من المعلمين فمن وقف معه لا يخلو من أحد أمرين إما أنه يؤيده على أفعاله أو لا يدري ماذا يفعل... فكيف نأمن على أبنائنا بوجود هذه العينة من المعلمين.... 7ـ لم يتم استبعاد أي معلم بالمحافظة على الرغم من تجاوزات بعضهم في هذه المسألة واستبدال تحية العلم الصباحية بالقنوت وغيرها من التجاوزات". وكان الأولى أن تؤخذ هذه التحذيرات على محمل الجد، في وقتها، ويحقق فيها مباشرة، ويعالج هذا الوضع الذي يشهد على وجود أزمة خطيرة في تلك المنطقة. ومن الشواهد الأخرى على عمق الأزمة هناك بيانٌ أرسله لي أحد أولئك الآباء المكلومين يحوي ما يقرب من مئة أسرة في تلك المنطقة فقدت كل واحدة منها ابنا أو عددا من الأبناء راحوا ضحايا لتجنيد بعض المتطرفين لهم في تيارات العنف. فقد قتل كثير منهم وشرِّد بعضهم ويقبع بعضهم في السجون في المملكة وخارجها. ومع الاستبشار بهذا الوعي بالمشكلة وبالعزم الرسمي على مكافحتها إلا أن هناك بعض الملحوظات التي ينبغي إبداؤها على نشاطات "المناصحة" حتى يعالج الوضع بشكل أفضل. وكنتُ أشرت في مقال الأسبوع الماضي إلى أن بعض أعضاء المناصحة لا يزالون يعيدون ظاهرة العنف والتطرف المحلي إلى عوامل خارجية كالصهيونية العالمية. وهذا المنحى من المعالجة ربما لا يساعدنا كثيرا في مشروعنا "الصحوي" الجديد. كما أن بعض المناصِحين لا يزالون يبرئون مناهجنا الدينية من المسؤولية عن نشأة هذا الفكر وتعميمه. ويتناقض هذا بشكل صريح مع الدراسات العلمية الموثَّقة التي أنجزها بعض المهتمين من السعوديين بهذه القضية، وهي دراسات نوقشت على مستويات عدة، رسمية وغير رسمية، في السنوات القليلة الماضية. ويكمن خطر الاستمرار في تبرئة مناهجنا من بعض المسؤولية في أنه ربما يستخدَم تسويغا لبعض التأويلات التي تتضمنها المناهج. وهي تأويلات يمكن أن يتخذها بعض المتأوِّلين من المعلمين مسوِّغات لـ"المنهج الخفي" الذي يوظفون من خلاله كثيرا من التأويلات الأخرى التي يأتون بها من خارج المنهج الرسمي ليستخدموها في نشر التطرف والتشدد والعنف. ومن تلك المشكلات ما ورد في محاضرة فضيلة الشيخ عبد الرحمن السديس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة التي نشرت الصحف مقتطفات منها. فقد"... رأى أن خطأ الإرهاب لا ينبغي أن يقابل بخطأ المطالبة بإلغاء "الجهاد" من مناهجنا الدراسية" (الرياض، 8/5/1429). والمشكل هنا أن "الجهاد" يرد في المناهج الدينية، هو والشروط التي تحكمه، بالصورة التي توردها المصادر الفقهية القديمة التي كُتبت في ظل واقع دولي يختلف عن الواقع السياسي الدولي المعاصر، وهذا ما يوجب ـ كما قلت في بعض المقالات السابقة ـ فقها جديدا لهذا المفهوم. ومن الملحوظات الأخرى أن كثيرا من نشاطات المناصحة تأتي على صورة مواعظ مباشِرة جُرِّبت في مكافحة ظاهرتي التطرف والعنف خلال السنين الماضية ولم تنجح في اجتثاث أي منهما. فتكتفي تلك المواعظ بالاستشهاد بالنصوص القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة والآراء الفقهية المعروفة التي تؤوَّل على أنها تَمنع مثل هذه الممارسات. وربما لا يكون الوعظ المباشر بهذه الصورة الطريقة الأنجع في مقاومة هذا الفكر. لهذا لابد من الاستعانة، بالإضافة إلى الوعظ، بدراسة هذه المشكلة اجتماعيا وسياسيا ونفسيا وتربويا وتاريخيا، وأوجب من ذلك أن تصاغ المناهج الدراسية والوعظ والتثقيف العام والوسائل الإعلامية في ضوء النتائج التي تتحصَّل من هذه الدراسات.
|