ريم عبيدات
إنها الحنطة التي صنعت تقاليد الحضارة فنونها وكتاباتها، أغاني أعراسها، دبكات فلاحيها، وأعياد القرى الخيرة التي تفوح روائح خبزها مع شروق الشمس وغروبها كل مساء... وهي أيضا صانعة حروبها الأولى وطقوسها وقوانين القوة فيها وشروط التفوق الأولى على أرضها منذ تفاتيح البذرة الإنسانية البكر ذات فجر موغل.
وهي ذاتها التي تطل الآن من مشهد نوستالجيا البيادر الى أزقة الفقر وأحزمته ومدنه العشوائية المتزايدة الى حد الانفجار... فعلى مشارف أسوار منازلنا التي تضيق مساء تلو آخر اليوم، هناك مئة مليون شخص جديد يزلقون بسرعة الى ما تحت أعماق الفقر وصخوره القاتلة كنتيجة لهذه الأزمة الحادة.
التاريخ يشهد وللمرة الأولى ارتفاعا جنونيا في أسعار قوته التي جاءت على كل شيء، وبالذات سلعه الرئيسية لحوالي 40%... فقمحه الذي يصنع ليس فقط رغيف العالم بل خط دفاعه الرئيسي ضد الجوع بمعانيه المباشرة والضمنية ... فتحت اية شريعة ترتفع اسعاره لأكثر من120% خلال السنة الماضية و181% خلال السنوات الثلاث السابقة.
الأمر ليس قاصرا على قارات القمح وشعوب الخبز التاريخية، فلم تسلم شعوب الأرز من ارتفاع رغيفها بمعدل 74% والحنطة بمعدل 130% والحليب ومشتقاته بمعدل 80%... فيما شهدت السنوات الثلاث الماضية ارتفاعا في اسعار المواد الغذائية عموم بمعدل 83% حسب البنك الدولي.
الأخطر أن أكثر من 33 دولة تنفق على الغذاء من 50-75% قد بدأت تشهد هزات اجتماعية وأمنية كاسحة وأن طوابير الملايين الجديدة من جياع العالم سوف تأكل منجزات العالم أجمع في لحظة جوع متفردة في كمها وكيفيها الإنساني.
المسألة تتعدى الآثار المباشرة لتراجع المقومات الغذائية لمعظم سكان الأرض وإنعدامه لعشرات الملايين الأخرى، بل ان متلازمة الجهل والمرض ستتسع كحفرة غائرة سينزلق العالم بأسره الى مستنقعها، ليسحق بملايين الأسر الى جهنم معيشية جديدة، وليقذف بملايين الأطفال الجدد نحو الشوارع وأزقة العصابات والجريمة المبكرة، وبيع الأطراف والتحول الى الدروع البشرية الأولى لمجرمي تجارة الأطفال والسلاح والمخدرات.
وسواء كان البترول الفلكي الأسعار هو المتسبب، ام تحويل الكثير من غذاء العالم الى وقود، أم تزايد حجم الثقافة الغذائية اللاحمة وتزايد الطلب على الحيوانات التي تنافس البشر على الحنطة. ويحتاج إنتاج الكيلو غرام الواحد من لحومها الى إبادة 70 كيلو جراماً من الاعلاف والحبوب.
ام تنامي اقتصاديات أكبر مستودعين لبشر العالم “الهند والصين” واتهامهما بإحداث الخلل الفظيع في أسعار الغذاء كنتيجة لتزايد إستهلاك شعوبها المليارية للغذاء بسبب تحسن أوضاعها.
مهما كانت الاسباب فإن الجوع لن يأبه بكافة الأسباب المنطقية والتحليلات المختلفة، ولن يقف دقيقة صمت ليسمع خطبنا وتقاريرنا، بل سيرى العالم وجها جديدا لم يعرفه من قبل، وسيأخذنا جميعا مخفورين الى غياهب ألم لا تصدق.