عبدالله العوضي
لبنان الوطن المستباح من قبل أربع دول تُحكِم الخناق حوله، فبعد أن كان الحديث سارياً عن وجود دولة داخل الدولة، إلا أن الوضع قد انقلب إلى تفريخ أربع دول تتقاسم عملية الإباحة لصالح نزوات سياسية غائرة في نفوس حكام لبنان الحقيقيين.
فإذا تفاقمت الأوضاع في لبنان فإن أحد السيناريوهات المطروحة هو إقامة دولة إيرانية صغرى هناك بقيادة ممثل الثورة الإسلامية زعيم "حزب الله" وبمساعدة عاجلة من سوريا عن طريق الطائفة العلوية الموالية للحزب، وذلك لاسترداد جزء من الفاقد السياسي بعد انسحاب سوريا من لبنان.
وبناء عليه فإن إيران تسعى مع الميليشيات الشيعية لتأسيس جسر على ضفاف البحر المتوسط، ولديها من الأسباب ما يكفي للمضي في دعم حلفائها حتى النهاية.
تتنافس اليوم ثلاث دول على إزاحة دولة القانون لبنان وإيقاعها في شراك الفخاخ التي تزيد من عنصر اللامسؤولية التاريخية للطبقة السياسية اللبنانية التي تتفاعل بطريقة غير مناسبة مع الانقسامات الطائفية الخطيرة في البلاد، وهي التي أزكمت الأنوف في الحرب الأهلية التي دامت لقرابة عقدين لم يذق فيهما لبنان طعم الاستقرار لحظة إلا في الزمن الحريري الذي اغتيل بين أيدي اللبنانيين. بعدها والطوفان يُراكم أزمة فوق أخرى حتى غدت كالجبال الشاهقة ولكنها تشهق طلباً للإنقاذ من هذه الوهْدة لا للإغراق في أعماق الفتن التي تؤجج على حساب الوطن.
فاللاعب الرئيس هنا ليس سوريا ولا "حزب الله" ولا الحكومة شبه الشرعية نظراً لغياب الرئيس عنها عنوة، وإنما إيران التي تدخل إلى لبنان دون إذن رسمي من أي مسؤول في الدولة إلا من قبل مسؤولي "حزب الله"، فهل سمع أحد بهذا الوضع في تاريخ ونشأة الدول حتى وإن سُيِّست وفقاً لقانون الغاب؟
إيران "الثورة" تنفِّس عن مشاكلها الداخلية عبر الخارج في العراق ولبنان وأفغانستان وفلسطين وبقاع أخرى لا تخفى على الحصيف، باستثناء إسرائيل بطبيعة الحال، وحتى تواصل ذات المسيرة فإن الإعلام الداخلي الموجه للشعب المغلوب على أمره مخدر بالإبرة "النووية" أي بمعنى الإنجاز القومي الأكبر في تاريخ إيران، والكل يدرك أن ذلك لا يطعم خبزاً ولا يسد رمقاً. وذلك هو الحال منذ دأبت الأنظمة الشمولية ذات الأيديولوجيات التي تتمسَّح بالدين إسلاماً كان أو غيره من الأفكار التي تتحول إلى معتقد كالشيوعية التي دمرت كيان الإنسان الحقيقي لقرابة سبعة عقود إلى أن أعلنت عن فشلها في تبني الإنسان كمشروع حضاري، فلفظها أهلها من غير أسف ولا ندم.
فماذا تبقى إذن من لبنان؟ فإذا كان الحكم المجرد للتاريخ فإنه لابد من الحفاظ عليه من قبل الجميع المختلف قبل المتفق على لوحة الموزاييك التي تزين سماءه قبل أرضه وجوِّه.
لماذا إذن يسمم هذا الجو المنعش بسهام الطائفية الطائشة وترطب حاراته بشوائب النفوس التي ضاقت بنفسها واتسعت للآخرين من أعداء الداخل قبل الخارج، فأي أيديولوجية طائفية طاغية في لبنان تعكر صفو السلام في ربوعه؟
فلا إيران ولا سوريا ولا "حزب الله" الحليف والكفيل المعتمد لديهما في لبنان يساهمان في السلم الاجتماعي المفقود هناك، فاللبنانيون وحكومتهم الشرعية هي الكفيلة بضمان إعادة "الوطن" من أيدي خاطفيه، أما بغير ذلك فإن لبنان الوطن سيبقى "مرهوناً" بيد المجهول وقد يحفظ ملفه تحت هذا البند.
فعلى العرب جميعاً مسؤولية إيقاف تحويل الملف اللبناني الساخن إلى مشروع "جريمة ضد مجهول"، فلا محكمة دولية قادرة في ظل هذه الأجواء على الإمساك بالجاني الأكبر، ولا محكمة لبنانية أو عربية بصيغة ما تجرؤ على تولي هذا الملف الذي غدا كبركان مستعد لإذابة الحديد قبل الجليد.