إيلاف: الشركة / التحرير | إجعلنا صفحتك الرئيسية | المواضيع الأكثر زيارة | دليل إيلاف | إتصل بنا | Advertise | RSS Feeds
 العدد 2601 السبت 5 يوليو 2008 آخر تحديث  GMT 10:15:00 AM

  Facebook
  Delicious
  Stumbleupon
  Digg
  Reddit
إيلاف>>جريدة الجرائد   
    

التحولات الدينية والتجاذب الإسلامي- المسيحي

GMT 0:15:00 2008 الجمعة 16 مايو

الاتحاد الاماراتية


محمد السماك

عندما خسر رئيس الحكومة البريطانية السابق توني بلير موقعه الرئاسي في الحكومة وفي حزب "العمال"، كان أول عمل قام به هو إعلان تحوله من الإنجليكانية إلى الكاثوليكية. وقد توجه مع عائلته إلى الفاتيكان حيث جرت مراسم إعادة تعميده على يد البابا بنديكتوس السادس عشر نفسه.

شكل هذا التحول صدمة للكنيسة الإنجليكانية التي يترأس أسقفيتها الدكتور روان ويليامس. ذلك أنه منذ أن تخلت بريطانيا عن الكاثوليكية في عهد الملك هنري الثامن واستحدثت الإنجليكانية ديناً للدولة، لم يتولَ رئاسة الحكومة أي شخص لا ينتمي إلى هذه الكنيسة الوطنية. ومع ذلك لم يندد الرأي العام البريطاني ببلير ولم ينتقد مبادرته. فالمجتمع البريطاني يتمتع بقدر كبير من ثقافة احترام حق الفرد في أن يختار الدين الذي يريد، وهو يعتبر الإيمان أو عدمه مسألة شخصية.

كذلك لم يصدر عن بلير أي توضيح حول أسباب تخليه عن كنيسته، كما أنه لم يُبن أسباب التحاقه بالكنيسة الكاثوليكية. إلا أنه تردد أن بلير كان مستاءً من قرار بعض كبار قساوسة الكنيسة الإنجليكانية في الولايات المتحدة تنصيب أساقفة من الشاذين جنسياً، وكذلك قبولهم إجراء مراسم زواج للشاذين جنسياً رجالاً أو نساءً.

ولكن أياً تكن أسباب تحوله، فقد تزامنت مبادرته مع الكشف عن فضيحة أخلاقية كان أبطالها عدد من كبار قساوسة الكنيسة الكاثوليكية في الولايات المتحدة يقدر عددهم بأربعة آلاف قسيس، أي حوالي 4 في المئة من مجموع القساوسة. والتهمة الموجهة إليهم هي الاستغلال الجنسي لحوالي عشرة آلاف ولد من طلاب المدارس الكاثوليكية. وقد أعرب البابا نفسه خلال زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة عن "شعوره بالعار" من جراء ذلك.

وكانت المحاكم الجزائية الأميركية قد أصدرت أحكاماً بالإدانة تقضي بالتعويض على الضحايا بما مجموعه 2.4 مليار دولار. ونظراً لضخامة هذا المبلغ اضطرت مجموعة من الأبرشيات إلى بيع ممتلكاتها من الأراضي والعقارات، كما اضطرت أربع منها إلى إعلان إفلاسها.

ومن هنا فإذا كانت الكنيسة الإنجليكانية الأميركية قد وقعت في خطأ إباحة زواج المثليين -الشاذين جنسياً- فإن الكنيسة الكاثوليكية الأميركية وقعت ضحية شذوذ بعض أركانها, حتى أنها عمدت إلى طرد 700 قسيس بعد انكشاف الفضيحة.

وإذا كان ذلك يعني شيئاً، فإنه يعني أن توني بلير لم يتخلَّ عن الإنجليكانية لأسباب أخلاقية، ولم ينضم إلى الكاثوليكية لأسباب أخلاقية كذلك، وإنما كان تحوله لأسباب إيمانية حيث يبدو أنه وجد في الكاثوليكية ما لم يجده في الإنجليكانية.

وفي الأسبوع الماضي عقد لقاء في الفاتيكان بين البابا بنديكتوس السادس عشر ورئيس أساقفة كانتربري ممثل الكنيسة الإنجليكانية الدكتور ويليامس (رئيسة الكنيسة هي دائماً الملكة)..

ولم يعلن شيء رسمياً لا عن جدول أعمال اللقاء ولا عن نتائجه. وبالتالي لا يعرف ما إذا كان موضوع المشاكل الأخلاقية التي واجهتها الكنيستان، والتي تجتاح المجتمعات العالمية وليس الغربية وحدها، قد جرى بحثها. كل ما أعلن عنه، وهنا المفاجأة، هو أن البابا ورئيس الأساقفة بحثا في العلاقات المسيحية- الإسلامية. ومن خلال المواقف المعلنة للزعيمين الروحيين، فإن ثمة نظرتين مختلفتين لهذه العلاقات.

فالدكتور ويليامس دعا رسمياً منذ أشهر قليلة إلى إعادة النظر في القانون البريطاني للأحوال الشخصية بحيث يتضمن مواد مستمَدة من الشريعة الإسلامية وتكون خاصة بالمسلمين البريطانيين الذين يزيد عددهم على المليون ونصف المليون مواطن. وجاء اقتراح الدكتور ويليامس الذي لقي معارضة حادة من الدوائر الرسمية والإعلامية في بلاده ليعالج المشاكل المترتبة عن فشل اندماج المسلمين في المجتمع البريطاني. وهو الفشل الذي جاء نتيجة حرمانهم من تطبيق بعض شعائرهم الدينية (في الزواج والطلاق والميراث)، وهو ما يتمتع به اليهود البريطانيون منذ أجيال عديدة. وقد عكس اقتراح الدكتور ويليامس مشاعر إيجابية متفهمة للقضايا التي تثير اهتمام المسلمين وقلقهم على هويتهم الخاصة.

أما البابا بنديكتوس السادس عشر فإنه ما أن يخرج من وعثة في علاقاته مع العالم الإسلامي، حتى يسقط في أخرى. فبعد محاضرته المثيرة للجدل التي ألقاها في جامعة رايستنبرغ الألمانية في عام 2006، قام بنفسه بتعميد صحفي مصري ارتد عن الإسلام واعتنق الكاثوليكية ويدين بالولاء للحركة الصهيونية كما يقول هو نفسه، ويكره الإسلام بحجة أنه يحض على العنف والإرهاب!

ومع ذلك لابد من الإشارة إلى الموقف الرمزي الإيجابي الذي اتخذه البابا أثناء زيارته لاسطنبول وصلاته في مسجد السلطان أحمد (المسجد الأزرق). كما أنه لابد من الإشارة إلى ترحيبه بالرسالة التي وجهها 138 عالماً إسلامياً لإقامة علاقات إسلامية- مسيحية على قاعدة المحبة، حيث من المنتظر عقد لقاء مشترك في نوفمبر القادم في الفاتيكان لوضع ما يمكن وصفه بخريطة طريق تترجم هذه المحبة إلى برنامج عمل متكامل.

لقد أدى انتشار المسيحية في آسيا وأفريقيا إلى تداخل إسلامي- مسيحي على نطاق واسع. إلا أن لهذا التداخل بعدين متناقضين. الأول إيجابي وهو التعايش البناء بين المسلمين والمسيحيين، والثاني سلبي وهو التخوف من وقوع صدامات بين الجانبين. والبعدان يتوقفان على القيم الأخلاقية والدينية التي تعتمد في التربية وثقافة الحوار والتعارف.

ففي أفريقيا كان عدد المسيحيين في عام 1900 يقل عن 9 ملايين شخص. أما الآن فقد ارتفع العدد إلى 423 مليوناً. وفي آسيا لم يكن عدد المسيحيين في عام 1900 يزيد على 20 مليوناً. أما الآن فإن العدد وصل إلى 355 مليوناً. وتقدر الدراسات الإحصائية المسيحية عدد المسيحيين في الصين وحدها بحوالي مئة مليون. ولكن هذه الدراسات تتوقع أن يرتفع العدد ليصل في عام 2050 إلى 218 مليوناً. وبذلك تصبح الصين ثاني أكبر دولة في العالم من حيث عدد المسيحيين.

أما الوجه الآخر لهذا التنامي في الحضور المسيحي في آسيا وأفريقيا، فإنه يتمثل في تنامي الحضور الإسلامي في أوروبا وأميركا الشمالية (الولايات المتحدة وكندا) وحتى في بعض دول أميركا اللاتينية (البرازيل -الأرجنتين -فنزويلا)، فالاختلاط الإسلامي- المسيحي يتسع أفقياً وعمودياً على مستوى العالم كله، وما لم تكن هناك ثقافة دينية لتقبل الاختلاف واحترام المختلف معه، فإن هذا الاختلاط يؤسس لخلافات وصراعات لن يكون بالإمكان حصرها في مكان وفي زمان محددين. فالعالم كله أصبح منفتحاً على بعضه بعضاً كما أصبح بفضل أجهزة الإعلام والتواصل سريع التأثر بما يجري في أية زاوية من زواياه.

لقد كانت الكنيسة الإنجيلية الأسرع انتشاراً وتوسعاً في العالم كما تشير إلى ذلك الإحصاءات المسيحية ذاتها، غير أن ذلك لا يغير من واقع الأمر. وهو أن الكاثوليك الذين يؤمنون بمرجعية البابا وعصمته يبلغ عددهم حوالي المليار و200 مليون نسمة، وهم منتشرون في كل القارات -ولو بنسب مختلفة. ولذلك يبقى البابا المرجع المسيحي الأول في العالم الذي لابد من التفاهم معه على الأسس التي تقوم عليها العلاقات المستقبلية بين المسلمين والمسيحيين.

وإذا كان لقاء البابا مع رئيس أساقفة كانتربري خصص كلياً أو جزئياً للبحث في العلاقات الإسلامية- المسيحية، فإنه يؤسس لتفاهم كاثوليكي- إنجليكاني- إنجيلي قد يكون أساساً لموقف مسيحي موحد من العلاقات المستقبلية مع المسلمين. فهل يبادر المسلمون إلى وضع أساس موحد لهم أيضاً؟

 

 

0 :عدد الردود
تعليقات القراء
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إيلاف.
 
 
جميع الحقوق محفوظة © 2001 - 2008 إيلاف للنشر المحدودة Elaph Publishing Limited ©
تطوير وصيانة Developed & Maintained By