|
فايز رشيد
في الذكرى الستين للنكبة ، وبقراءة معمقة للحركة الصهيونية تاريخا وايديولوجيا ، ومن ثم تعبيرها المادي: اسرائيل ، وبمحاولة الالمام بكل ما يجري في داخلها من متغيرات ، وبكل ما يحيط بالصراع الفلسطيني العربي ـ الاسرائيلي من عوامل ذاتية وموضوعية ، ليس غريبا على مطلق باحث الخروج باستنتاج بمثل ما خرجت . ان دروس التاريخ كما الماضي القريب اظهرت وبما لا يقبل مجالا للشك ان الظواهر الشمولية ، استعمارية كانت ام عنصرية ، فاشية كانت ان نازية ، وصلت إلى ذروتها التطورية ، ومن ثم ابتدأت مرحلة انحدارها وصولا إلى سقوطها ومن ثم اندثارها كظواهر طارئة في مجمل التطور البشري وسيرورة العملية التاريخية ، ويمكن ايراد العديد من الامثلة الحسية على صحة ما نقول : هولاكو ونابليون ، هتلر وموسولويني ، النظام العنصري في جنوب افريقيا ، فرنسا والجزائر ، وغيرها وغيرها ، ولكن مع فارق جوهري في الحالة الاسرائيلية ، وهو ، ان شمولية الظواهر السابقة ارتبطت بالشرائح / الفئات الحاكمة التي فرضت برامجها على شعوبها في انماط دكتاتورية من اجل تنفيذ سياساتها ، بينما في اسرائيل ، فان الفئات الحاكمة للدولة هي نمط مجتمعي سائد ، وقد تجد في هذا (المجتمع) الفسيفسائي كثيرين ممن هم على يمين الفئات الحاكمة بمعنى آخر فان القيادات السياسية والعسكرية الاسرائيلية هي حصيلة مجتمعية ، لأن ما يدور في عموم هذا (المجتمع) المتشكل عنوة ، ليس بفعل التطور الطبيعي في سياق التاريخ ، وانما في ولادة قسرية ، وحكما والحالة هذه ستظل ولادة مشوهة ، وما نراه من ممارسات يستند إلى خلفية توراتية فوقية ، عنصرية قائمة على إلغاء الآخر بالكامل وعلى نفيه ، انطلاقا من رؤى تلمودية عنوانها الاساسي ، الانتقال بالدين إلى الظاهرة القومية ، والحالة هذه ، فان هذا الانتقال سيصبح محكوما ببروز الظاهرة الاستعمارية القائمة على العدوان والعدوان ، ومن ثم العدوان بكل مظاهره ، التي نراها ، والتي رأيناها أو قرأناها تاريخا منذ ما قبل ولادة اسرائيل ، وفي ظروف انشائها ، وصولا إلى اللحظة الراهنة ، ولكن بأشكال عدوانية اكثر تطورا في نمطيتها وأساليبها وفقا بالطبع لمظاهر التطور العلمي التكنولوجي ، الذي يحمل معه ايضا تطورا في آلات وآليات وِاشكال ممارسة هذا العدوان . لذلك ليس غريبا ان نتائج الاستطلاع الاخير الذي نشره معهد داحف الاسرائيلي بالاضافة إلى استطلاعات بعض الصحف الاسرائيلية ، وكلها تشير : بأن 83% من الاسرائيليين هم ضد انسحاب اسرائيل من هضبة الجولان العربية السورية المحتلة ، وان ما يزيد على 78% منهم ، هم ضد الانسحاب من مدينة القدس . ولذلك ليس غريبا ، ان تجد في اسرائيل من ينادي بقتل العرب ، فهم ليسوا اكثر من (صراصير) ، والعربي الجيد هو العربي (الميت) ، وان تجد من ينادون بترحيل (ترانسفير) العرب من (ارض اسرائيل التاريخية) بعد 60 عاما على انشاء الدولة الاسرائيلية ، وان تمارس اسرائيل مجازر دموية فاشية في عام 2008 اكثر رعبا من تلك المجازر التي مارستها في اعوام 1947 ، 1948 ، 1956 وغيرها ، بالتالي ، فان ممارسة العدوان هو مظهر حتمي مرتبط عضويا بالوجود الاسرائيلي على صعيد آخر ، فان آباء الحركة الصهيونية ربطوا ولادة وبقاء وتطور دولة اسرائيل ، بمدى متانة علاقتها وتنفيذها للاهداف الاستعمارية في المنطقة ، منذ بدء الطرح السياسي للمشروع الصهيوني في اواسط القرن التاسع عشر ، مرورا بالمؤتمر الصهيوني الاول عام 1897 ، مرورا باتفاقية كمبل بيترمان 1908 ، وبالحرب العالمية الاولى ، ومن ثم الثانية وولادة اسرائيل ، وحتى اللحظة الراهنة ، بمعنى آخر انه لا يمكن لاسرائيل الانفصال عن مجمل الظاهرة الاستعمارية العالمية وتوجهاتها بالنسبة لعموم المنطقة . على الصعيد (المجتمعي) الاسرائيلي ، فان اسرائيل دولة تنخرها التناقضات الاساسية العرقية ، والطبقية بين يهود شرقيين وغربيين وفالاشا وذوي الياقات البيضاء والعمال ، وحتى اللحظة لم يجر تعريف موحد لمن هو اليهودي ، ويوجد حاخامان اكبران للاشكناز والسفارديم ، وهناك امتيازات كثيرة لطلبة المدارس الدينية وللمتدينين عموما ، مما يثير عليهم غضبا من مجمل الشرائح الاجتماعية الاسرائيلية الاخرى وغير ذلك من التناقضات الكثيرة والكبيرة ، والتي وبغض النظر عن ان العداء الاسرائيلي للعرب وهو القاسم المشترك الاسرائيلي الجامع ، والذي يخفف من حدة ظهور هذه التناقضات ، إلا انها ونظرا لحتمية تفاقمها المجتمعي فهي مرشحة للبروز إلى السطح بغض النظر عن الموقف من العرب . المؤسستان العسكرية والدينية هما صاحبتا النفوذ الاقوى في اسرائيل ، وهاتان وبغض النظر عن البريق (الديمقراطي) ، الذي تحاول اسرائيل اضفاءه على حياتها المجتمعية ، فانهما تطبعان مستقبل اسرائيل بالطابع الدكتاتوري ، الذي يحتم التدخل المتزايد للدين في الدولة ، ويعزز نفوذ المؤسسة العسكرية ، باعتبارها الخلفية الاساسية لتسلم المناصب السياسية في الدولة الاسرائيلية . عشرات الآلاف من اليهود وعلى صعيد العالم اجمع يرفضون الهجرة إلى اسرائيل من منطلقات دينية ايديولوجية بنيوية (لا مجال لذكرها في مساحة قليلة) وبالتالي فان هذا يضرب مبدءا صهيونيا اساسيا في كون اسرائيل هي الدولة التي سيهاجر إليها اليهود من كل انحاء العالم ، وتداعيات ذلك على الموازين الديموغرافية . اثبتت الاحداث وهي ليست قليلة : معركة الكرامة 1968 ، حرب 1973 ، تحرير الجنوب اللبناني في عام 2000 ، رد العدوان الاسرائيلي على لبنان في عام 2006 ، امكانية هزيمة اسرائيل عسكريا على الجانب الآخر وبعيدا عن المنطلقات العاطفية ، فان الشعب الفلسطيني الذي يجابه اسرائيل مباشرة ، هو شعب مصمم على نيل حقوقه الوطنية رغم كل التضحيات والعذابات على مدى قرن زمني ، ورغم مضي ستة عقود على انشاء اسرائيل لم ينس الفلسطينيون ، الشيوخ منهم والاطفال ، في الوطن أو الشتات حقوقهم في العودة إلى بلدهم ، ولم ينسوا ايضا جنسيتهم ولا القرى او المدن التي ينتمون إليها . كذلك هي الجماهير العربية من محيطها إلى خليجها ، والتي لو قدر لها بذل طاقاتها في مجابهة اسرائيل لما تأخرت لحظة واحدة . يبقى القول ، انه وفي ازمان تاريخية سابقة ، عانت الامة العربية انكسارات سابقة ، اكبر بكثير من الانكسارات الحالية ، لكنها انتفضت في كل مرة واستطاعت دحر المحتلين .. واسرائيل لن تكون استثناء من هذه القاعدة فالمشكلة ليست في سوبرمانية الجنود الاسرائيليين ولا في قدرات قيادتهم الخارقة ، ولا فيما تمتلكه اسرائيل من سلاح ، وانما هي في الانسان العربي المطالب بالانتصار على ضعفه !
|