|
عبدالوهاب الأفندي
(1) تشهد الكويت الأسبوع القادم واحدة من أهم الانتخابات في تاريخها. ولأن هذه الانتخابات قد جاءت كما هو معلوم بسبب حل البرلمان رداً علي ممارسته لحقه الدستوري في مساءلة وزراء الحكومة، فإن التوقع كان أن تصبح قضية الديمقراطية وتحصين البرلمان ضد الحل التعسفي هي محور الحملات الانتخابية. ولكن بعض الظن إثم، لأن الذي حدث هو أن قضية منع الاختلاط بين الطلبة والطالبات في المدارس والجامعات أصبحت هي لب الصراع، مما قسم المعارضة وأضعف الديمقراطية.
(2) الكويت كما يحدثنا ابنها البار د. عبدالله النفيسي أصبحت المرأب الخلفي للمدرعات الأمريكية وإحدي أهم القواعد العسكرية الأمريكية التي تنطلق منها القوات لغزو الجيران. وعليه كان أيضاً يتوقع، خاصة من القوي الإسلامية والوطنية، أن ترفع صوتها ضد هذا الوضع الشاذ. ولكن الإسلاميين رأوا أن إقامة الحواجز التي تفصل بين الصبيان والبنات في أماكن التعليم هو الجهاد الأولي.
(3) في آخر زيارة لي للكويت قبل بضع سنوات سمعت بعض نواب البرلمان البحرينيين يفتخرون بأنهم انتفضوا لمنع المطربة اللبنانية نانسي عجرم من الغناء في البحرين، وعندما لم ينجحوا أصروا علي أن يفرضوا عليها الاحتشام وهي تغني. وقد عدوا ذلك نصراً مؤزراً وفتحاً مبيناً. نفس النواب قادوا في الشهر الماضي انتفاضة أخري لمنع فنانة لبنانية أخري هي هيفاء وهبي، من الغناء في البحرين. وقد صوت كل أعضاء البرلمان تقريباً علي قرار يطالب الحكومة بإلغاء حفل غنائي لتلك المطربة.
(4) بعض من علقوا علي هذا الطلب ذكروا بأن البحرين تزخر بمنكرات أخري كثيرة سكت عنها هؤلاء المجاهدون. ويمكن أن يضيف آخرون نقطة فرعية تتعلق بكون البحرين ظلت مأوي الأسطول الخامس الأمريكي لعقود. ولكن لعل النقطة الأهم من وجهة نظر برلمانيي البحرين كانت يجب أن تكون سلطة البرلمان نفسه الذي يضطر لتوجيه عريضة للحكومة مثله في ذلك مثل أي جمعية أو نقابة.
(5) هناك نقاط كثيرة يمكن أن تثار حول هذا السجال، منها علي سبيل المثال أن مجرد فكرة لبس الزي الإسلامي تفترض وجود الرجال والنساء في فضاء مشترك، وإلا لما كان هناك أي داعٍ لارتداء زي معين. ومنها أن الاختلاط قائم أصلاً في الكويت، وأحياناً كثيرة بدون الزي الإسلامي، هذا إضافة إلي ما نعرفه من رحلات الشتاء والصيف إلي أوروبا وغيرها. ولكن هذه تفاصيل، لأن المشكلة تظل هي نفسها حتي لو كانت قضايا الاختلاط تستحق كل هذا الاهتمام.
(6) قرأت مرة أن رجلاً أقسم بالطلاق أن الحجاج بن يوسف لا بد أن يكون من أهل النار، ثم ندم علي ذلك فاستفتي أحد الفقهاء عن طبيعة علاقته مع زوجته بعد هذا القسم. رد الفقيه قائلاً: إذهب فلا تثريب عليك، لأنه إن لم يكن الحجاج من أهل النار فلن يضرك أن تعاشر زوجتك بالحرام. بالطبع فإن وضع القضية بهذه الطريقة خطأ من الناحية العقائدية، لأن الله سبحانه تعالي وحده هو الذي يحدد مصائر العباد. ولكن هناك نقطة مهمة تتعلق بالتراتبية بين الذنوب، لأن هناك اللمم والكبائر وأيضاً الموبقات.
(7) المنطق البسيط يقول ان هناك فرقاً كبيراً بين التواصل البريء (وحتي غير البريء) بين الطلاب والطالبات في قاعات الدرس وحولها، وبين قيام أنظمة تغتصب حق الأمة وممثليها في الولاية علي الدولة والمال العام، وتستخدم سلطاتها للفساد والإفساد. ويصبح الاختلاف أكبر حين تؤجر هذه القلة المتسلطة البلاد كشقة مفروشة للغزاة الأجانب، فتصبح أنظمة القهر المحلي شريكة في قهر شعوب أخري بما تقدمه من تسهيلات لقاهريها. ويزداد المنكر فظاعة حين نجد أن هذه الأنظمة تمول احتلال أراضيها بما تقدمه من تسهيلات مالية للمحتلين.
(8) بنفس منطق المفتي سالف الذكر نقول إنه مهما كانت المضار المحتملة المترتبة علي الاختلاط بين الشباب، أو غناء مطربة بحشمة أو بدونها، فإنها تتضاءل أمام المنكر الأكبر والمؤكد في اغتصاب سلطة المسلمين وأموالهم، واستخدامها في الفساد والإفساد وموالاة أعداء الأمة وتسهيل عدوانهم علي ديار الإسلام. هذا مع العلم بأن المنكرات التي يخافون من وقوعها هي فاشية علي كل حال في تلك المجتمعات أصلاً كما هو معلوم.
(9) إذا كانت هناك حركات إسلامية حقيقية في البلدان المذكورة، فإن عليها أن تترك التلهي بهذه الصغائر، وأن توحد جهودها مع بقية فصائل المجتمع، بما فيها التيارات الليبرالية واليسارية لفرض سلطان الأمة وتقوية النظم البرلمانية والقدرة علي مساءلة الحكومات وتغييرها. فالخطر الأكبر علي الأمة لا يأتي من قاعات الدرس، وإنما من القصور التي تحاك فيها المؤامرات ضد الشعوب. وإنه من الضرر أن توجه البرلمانات العرائض لحكومات تمارس التغول علي صلاحيات الشعب وتخويلها اتخاذ قرارات ذات طابع ديني مما يعزز شرعيتها المشكوك فيها ويقويها علي ظلمها وعدوانها. فالحاجة هي إلي إضعاف سلطات هذه الأنظمة لا العكس.
|