إيلاف: الشركة / التحرير | إجعلنا صفحتك الرئيسية | المواضيع الأكثر زيارة | دليل إيلاف | إتصل بنا | Advertise | RSS Feeds
 العدد 2657 السبت 30 أغسطس 2008 آخر تحديث  GMT 2:45:00 AM

  Facebook
  Delicious
  Stumbleupon
  Digg
  Reddit
إيلاف>>جريدة الجرائد   
    

في مسألة نقد السياسة العربية

GMT 1:30:00 2008 الجمعة 16 مايو

أوان الكويتية


عبد الله علي العليان

في كتابه ( نقد السياسة ) يقول المفكر العربي السوري برهان غليون أن الأمم التي تفتقر إلى التراث القوي ليست هي التي تطمح أكثر إلى الإنجاز وتتعذب من اجل اللحاق بالركب الإنساني .. إنما هي غالبا ما تستلم وتندرج في محيط البؤس التاريخي والفوضى المعدة لهوامش العالم في كل حضارة ذلك انه متى ما ضمرت الذات الفاعلة فلا يبقى هناك إلا التسليم بالأمر الواقع بل اعتبار كل ما يقدمه هذا الواقع مكسبا مهما كان ضئيلا والتكيف معه كما يتكيف الإنسان مع الكارثة الطبيعية .
من هذه العبارات الموجزة من هذا الكتاب القيم يتجلى أن ثقافة الشعوب الذاتية تعتبر إحدى المرتكزات الهامة للتجديد والإبداع وليس العكس فالخطوة الهامة في المسار التجديدي والنهضوي لا تتأتى بالتقليد والتغريب بل بتوجيه الطاقات وصياغة الأهداف وفق بناء سليم وبناء الإنسان في وعاء ثقافي ملائم مستمد من تراثه وواقعه الحضاري .
ومن المثير للدهشة أن بعض المثقفين لا يكفون عن الصيحات المعروفة في ضرورة اقتفاء آثار الغرب ليس فقط في أسباب النهوض وأسس التفكير بل في الثقافة وسبل العيش فالمنطق الحضاري والتجربة الميدانية أثبتت أن الثقافة لا تستورد ولا يجب أن تكون كذلك فهي ليست لوحة رسم يمكن نقلها من مكان إلى آخر بل أن الثقافة صورة متكاملة للظروف البيئية والحياتية من الصعوبة بمكان فصلها عن هذه الظروف وكوامنها واشكالياتها الايجابية والسلبية لكن فكر الأزمة الثقافية في العالم العربي ينكر ذلك التوجه ويطالب بتأسيس فكرنا على ( الغير ) باعتبار أن الآخر أكثر تقدما في ميادين العلوم وتقنياتها فهم يتصدون ـ كعادتهم دائما ـ لإبراز الجوانب السلبية يختارونها اعتباطا ويغفلون عن الجوانب الأكثر إشراقا وما أكثرها لكن هذه الأحكام تنطوي على خطأ منطقي فادح عند التقييم لأهداف لا تخفى على متابع حصيف .
لقد كان دور الثقافة العربية في إطار الثقافة العالمية على الدوام دور إبداع وإضافة وعطاء وظلت رغم خصوصيتها ثقافة إنسانية متصلة بتراثها الإسلامي وهو ذروة عطائها وكذلك لما تمثله من عناصر راسخة عبر تاريخها الطويل من خلال التوازن الذي يعيشه الإنسان العربي بين المادة والروح وللنظرة المتميزة لموقع الإنسان في الكون إنها توازنية الإسلام .. ولذلك ليس البديل للغزو الثقافي و الاستلاب الحضاري هو الانغلاق لأنه غير ممكن وليس البديل من جهة ثانية الاستسلام والذوبان في الأخر كما يطالب بعض التغريبيين . يقول المفكر الجزائري مالك بن نبي : أن مقاييس الذاتية التي تتمثل في قولنا ( هذا جميل ) و ( ذاك قبيح ) هذه المقاييس هي التي تحدد سلوكنا الاجتماعي في عمومه كما تحدد موقفنا أمام المشكلات قبل أن تتدخل عقولنا . إنها تحدد دور العقل ذاته إلى درجة معينة وهي مع ذلك درجة كافية تسمح لنا بتمييز فاعليته الاجتماعية في مجتمع معين بالنسبة لمجتمع أخر .
وهذا يفسر لنا الفروق العامة المنطبعة في أسلوب الحياة في مجتمعين مختلفين تفصل بينهما حدود ثقافية حتى لو كانا يتعايشان في مكان واحد وبذلك نستطيع أن نعلم 
( شيئا ) ما قد يموت بصورة ما إذا ما قطع وسطه الثقافي المعتاد إذ أن لغته خارج هذا الإطار تفقد معناها .. فالفرد منذ ولادته غارق في عالم من الأفكار والأشياء التي يعيش معها في حوار دائم ، فالمحيط الداخلي الذي ينام الإنسان في ثناياه ويصحو والصورة التي تجري عليها حياتنا اليومية تكّون في الحقيقة ( إطارنا الثقافي ) الذي يخاطب كل تشكيل فيه روحنا بلغة ملغزة غريبة .. لكن سرعان ما تصبح بعض عباراتنا مفهومة فإذا بها تكشف عن مضمونها كما لو كانت اكتشاف ( نيوتن ) لسر الجاذبية .
ويجمع الباحثون المنصفون انه لم تقم نهضة جادة في امة ما إلا وسبقتها دعوة لإحياء الماضي والانتفاع بخيراته وتقاليده وهذا ما جعل الباحث الأوروبي ( سيمون وايل ) في مقاله :[ الحاجة إلى الجذور ] يقول : أن التراث الماضي في عنق الحاضر مسؤولية قدسية فإذا أنهدم الماضي فان عودته ضرب من المحال وهذا ينطبق عن ثقافة الشعوب وهويتها الحضارية حتى فرنسا البلد الأوروبي الأكثر انفتاحا على العالم كله تحذر وتطالب بــ " الأمن الثقافي " من الاختراق الثقافي الأمريكي الطاغي وهذا ما أشار إليه العديد من المفكرين الفرنسيين من أن " هوية شعبنا ـ الشعب الفرنسي ـ وهوية كل شعب في ثقافته وفي حرية الابتكار والاختيار حق مؤكد " والأغرب أن بعض المثقفين العرب يعتبرون مقولة الغزو الثقافي والأمن الثقافي والخصوصية الحضارية بمثابة " ردة حضارية وثقافية " ونكوص إلى الخلف لكن عندما تقول فرنسا أن هناك خطرا يتهددها من الغزو الثقافي الأمريكي لا يستنكرون ذلك . وربما يعتبرون ذلك صحيحا باعتبار أن فرنسا دولة متقدمة ورأيها جدير بالتقدير والاحترام .
والتحذير الفرنسي من الغزو الفكري والثقافي والدعوة إلى الخصوصية الحضارية إلي يجب أن تكون حدودا فاصلة بين الشعوب ليست بالخطورة الكبيرة لأنهم ينتمون جميعا إلى منظومة حضارية واحدة في أسسها وركائزها وفي تراثها كذلك فكيف يكون حجم التمايز إذن بين الأمة العربية أو المنظومة الحضارية العربية وبين المنظومة الحضارية الأوروبية دينيا وثقافيا ونفسيا وتاريخيا كذلك ؟
وهل نحن أكثر قدرة وحصانة من فرنسا عندما تدق ناقوس الخطر من خلال المفكرين والأدباء وحتى السياسيين ؟! ليس كذلك طبعا لكن هناك وعي بذلك الخطر ودلالاته المستقبلية .
ونحن نعتبر مسالة الاختراق الثقافي حقيقة جلية في هذا العصر ،عصر الثورة المعلوماتية والاتصال الرهيب، ولكن المواجهة وعدم القبول بكل ما يفد لدينا ليس بالتقوقع والانعزال بل بالفرز والانتقاء والاستعداد والتكيف مع الواقع والدعوة إلى الخصوصية الحضارية والتمايز الثقافي والفكري مع الانفتاح على الآخر والتفاعل مع الجديد المفيد بما لا يجعلنا متلقين سلبيين، بل علينا استغلال الفرص المتاحة بما ينعكس على قضايانا المختلفة.

 

 

0 :عدد الردود
تعليقات القراء
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إيلاف.
 
 

جميع الحقوق محفوظة © 2001 - 2008 إيلاف للنشر المحدودة Elaph Publishing Limited ©
تطوير وصيانة Developed & Maintained By