إيران... بين "شيطانين"
الإتحاد الاماراتية
GMT 9:45:00 2008 الجمعة 4 يوليو
عبدالله العوضي
تدرك إيران جيداً، بأن ضربها -ونحن ضده- من قبل إسرائيل منفردة أو أميركا بالاتفاق والتعاون فيما بينهما، أسهل من شرب كأس من الماء البارد في الجو الساخن. وضرب المفاعل العراقي سابقاً وقصف مقر منظمة التحرير في تونس، وتدمير جنوب لبنان منذ عامين واستمرار ذلك في سوريا لاحقاً، كلها شواهد صارخة على أن مضي إيران نحو التصعيد ليس من مصلحتها أولاً لأن الذي يلعب بالنار لابد وأن يحرق أصابعه قبل إيذاء غيره، فما يمكن أن يحدث لا يقارن بالألعاب النارية التي تشهدها المهرجانات الشعبية والاحتفاليات السارة.
الغرب، ولا نقول أميركا وحدها، رمى بالحوافز في مرمى من الصفيح الملتهب في إيران وهي تبث رسائل وتسوق مشاعر جياشة تستخف بقدرات العدو أو الشيطان الأكبر وهو أميركا بالنسبة لها، والشيطان الأصغر وهو بالطبع إسرائيل. ونرجو في معادلة الشيْطنة هذه أن لا تحوِّل إيران نفسها إلى شيطان متوسط الحجم، لأن السياسة الشيطانية صعبة أن تدار بحروب إعلامية، كما نلاحظها في الوسائط المختلفة.
من قال إن إيران بسياستها هذه تهدد أميركا وإسرائيل، فالنار التي يراد لها أن تشعل المنطقة برمتها في الخليج أولاً ثم في الشرق الأوسط ثانياً والعالم آخراً، لا يدرك أن "النووي" الإيراني لا يستحق كل هذا الدمار حتى يحقق الغرور مطالبه والعظمة المتضخمة سلطتها وسطوتها، إن الحرب -لا سمح الله- إذا وقعت وفقاً للسيناريو القاتم لا تهدي إيران السلم الذي تبحث عنه في ثنايا النووي المشكوك في أمره.
ولن نذهب بعيداً مع إيران لضرب الأمثلة الحية بالنوويين الآخرين منذ عقود مضت، ولن نطالب إيران الاقتداء بالمشروع الكوري الشمالي الذي تم تفجير برج التبريد العملاق للدلالة على حسن السير والسلوك في الاتجاه نحو التخلص من المخزون النووي الضار بالجميع.
وإنما نأخذ بأنفسنا إلى دولة أوروبية توجت قريباً على رأس كأس الأمم الأوروبية في 2008 حيث قلبت الموازين الرياضية وقد ودعت الفوز منذ عام 1964، أي قرابة خمسة عقود، إلا أنها أعادته بنكهة إسبانية لا يعرفها إلا من ذاقها، فليس من ذاق كمن عرف.
ترى ما علاقة الرياضي بالنووي في الموضوع الإيراني؟ فالعلاقة تتضح عندما ندرك أن إسبانيا دولة نووية سلمية ولم تخلق زوبعة في فنجان أوروبا ولم تهدد به جيراناً تقربهم إلى الله زلفى، فهي بعد أن قطفت ثمار النووي السلمي عسلاً جَنيّاً، تتعهد اليوم وتجعل العالم أجمع شاهداً عليها، بالتخلي عن الطاقة النووية السلمية وقد جُعل هذا الشرط رهاناً أمام فوز الحكومة الإسبانية الجديدة، وقد حدث.
نعيد معاً قراءة الخبر بصورة أخرى، وعلى لسان رئيس الوزراء الإسباني بتاريخ 29/6/2008 حيث قال إنه "لن يمدد عمل المشاريع النووية الإسبانية، مؤكداً على تعهدات حكومته حول التخلي عن الطاقة النووية: نحن ملتزمون بالتقيد بالمدى الزمني الطبيعي للمنشآت النووية ما لم تكن هناك حاجة عاجلة للطاقة".
وكانت الحكومة الاشتراكية التي أعيد انتخابها في مارس الماضي، قد تعهدت بالإلغاء التدريجي للمشروعات النووية، لكنها للمرة الأولى التي تؤكد فيها صراحة أنها لن تمدد العمل في المشروعات النووية التي قاربت مدتها على الانتهاء، وتنتهي رخص العمل فيها ما بين 2009 إلى 2011، وهي نفس الفترة المتوقعة لإنتاج أول قنبلة نووية إيرانية حسب توقعات مراكز الأبحاث الخاصة بالنووي، علماً بأن الطاقة النووية غير شائعة الاستخدام في إسبانيا، وتركز الحكومة بدلاً منها على الطاقات المتجددة كالشمس والرياح. هل الشمس وقفت في إسبانيا ولم تعد تشرق في إيران إلا عبر النووي الذي بدأ أهله في توديعه دون أن يودعوا الكرة الأوروبية في ملعبهم المغري؟