إيلاف: الشركة / التحرير | إجعلنا صفحتك الرئيسية | المواضيع الأكثر زيارة | دليل إيلاف | إتصل بنا | Advertise | RSS Feeds
 العدد 2695 الثلائاء 7 أكتوبر 2008 آخر تحديث  GMT 8:15:00 AM

  Facebook
  Delicious
  Stumbleupon
  Digg
  Reddit
إيلاف>>جريدة الجرائد   
    

سـيادة الضميـر

GMT 23:30:00 2008 الجمعة 4 يوليو

الاتحاد الاماراتية


غازي العريضي

تأخر تشكيل الحكومة اللبنانية إلى حدود مقلقة؛ فالتأخير ترافق مع فتن متنقلة في المناطق هددت أمنها واستقرارها، وبلغت حد الحرب الحقيقية في مواقع معينة، وأخذت طابعاً مذهبياً خطيراً، ولا شيء يوحي بإمكانية ضبطها إذا ما استمر التأخر في التصدي لها ومعالجة أسبابها في السياسة. وهذا يبدأ بتشكيل الحكومة كخطوة تعيد القوى السياسية المختلفة إلى طاولة الحوار والعمل المشترك على أساس بيان وزاري جامع بينها، يحدد القواسم المشتركة، ويهيئ المناخ لإجراء انتخابات نيابية في أجواء طبيعية وهادئة تفرز بنتائجها تركيبة سياسية جديدة. بلا حكومة لا يمكن إجراء الانتخابات.

وتأخير تشكيل الحكومة يعني تعميق أسباب الخلاف وزيادة حدة التشنج وتوريط مناطق كثيرة في مشاكل وحروب بدأت ملامحها تظهر من خلال الاحتقان والفرز السكاني، بل التطهير السكاني في بعض الأحياء والأحيان، وبروز حالات تطرف خطيرة يرد عليها بحالات مماثلة. وإذا ما استمر هذا المناخ، فلن يتمكن أحد من فاعليات الصف الأول في الوسط السياسي، أو من الزعماء والقادة من ضبط مناطقه "والمونة" على شوارعها كما حصل مؤخراً في بعض شوارع طرابلس. وهذا ما سيهدد الدولة ومؤسساتها لاسيما المؤسسات الأمنية منها التي تشكل الضمانة الأساسية لأمن الوطن والمواطن، التي تضم أبناء أهل البلد المختلفين اليوم.

فمن إرباك إلى إرباك سيصل الجيش إلى إنهاك حقيقي، وبالتالي سيتعطل دوره في مواجهة هذه الفتن المتنقلة، وسيصبح الهدف الأهم والأصعب الحفاظ على وحدته كي لا ينفرط البلد، وهذه حقيقة ومسؤولية وطنية كبرى وأمانة ينبغي الحفاظ عليها بمسؤولية لحفظ البلد. وإذا ما هدأت الأوضاع الميدانية في منطقة، اجتاحتها موجة من الشائعات بما يذكرنا بما كان يحصل في الحروب التي امتدت من عام 1975 وحتى العام 1990 وكانت تلك الشائعات تمهد لها وتعبئ النفوس وتثير الحساسيات وتستنفر المشاعر.

لبنان يعيش اليوم كل هذه المخاطر والمظاهر، ويُضاف إليها الخطر الاقتصادي. فلولا تدارك الحكومة لأزمة الرغيف في مواجهة ارتفاع أسعار القمح والمحروقات، لقامت موجة من الرفض والتحركات في كل المناطق، لأن لقمة العيش هي الأساس. ومع ذلك، فإن الحلول كانت تخديرية ليس إلا. أمام جنون ارتفاع الأسعار المستمر والخارج عن إرادة الحكومة اللبنانية والذي يهدد موضوعياً بانهيار أنظمة ومجتمعات كثيرة في العالم كما تؤكد ذلك الدراسات والمعلومات والقراءات والتوقعات في سياق متابعة أزمة الغذاء العالمية.

ماذا يفعل لبنان؟ بل ماذا يفعل اللبنانيون؟ بل ماذا نفعل نحن كسياسيين للبنان؟ هل يمكن أن يستمر الوضع هكذا؟ حالة قلق مفتوحة لا نفعل شيئاً حيالها، بل ننتظر من أين ستنطلق الشرارة؟ فنصبح في دائرة التقاتل، وتحت الأمر الواقع، ونستخدم مجدداً وقوداً في حروب أو تسويات الآخرين؟

لماذا يتأخر تشكيل الحكومة؟ أصحيح أن السبب هو الخلاف على توزيع الوزارات السيادية والخدماتية؟ وتوزيع على مَن ومِن مَن؟ أتوزيع على طوائف ومذاهب؟ ألا تنتظم أمور الدولة والمجتمع ومصالح الناس إلا إذا كانت هذه الوزارة السيادية أو الخدماتية في خانة هذه الطائفة أو تلك؟ وهل الطوائف الأخرى عاجزة، أم غير حريصة على السيادة أو لا تريد خدمة أبنائها وخدمة أبناء الطوائف الأخرى؟ من حدد ومن يحدد هذه التعريفات وهذه العناصر والمعايير؟ أو لا تنتظم مصالح الناس والدولة أيضاً إلا إذا حصرت الوزارة باسم هذا أو ذاك من الطوائف المعنية، وغالباً ما كان أصحاب الأسماء -ومع احترامنا للجميع- من غير أصحاب الكفاءة والقدرة، بل بالتأكيد ثمة في الطوائف الأخرى من هم مثلهم وأفضل وأكفأ وأقدر على تحمل المسؤولية، لكنهم حرموا وفق المعايير المعتمدة؟ فأين مصلحة البلد والناس والحرص على مكافحة الفساد وعلى الإصلاح والتغيير والتطوير وبناء دولة العدالة الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص؟

أما السؤال الأهم فهو: ماذا يعني مصطلح وزارة سيادية؟ ما هي الوزارة السيادية؟ هل الدفاع أو الداخلية أو المالية أو الخارجية وزارات سيادية يعبر فيها عن الالتزام بسيادة الدولة والدفاع عنها، والوزارات الأخرى فيها ليست كذلك ولا ضرورة لسيادة الدولة فيها ومن خلالها؟ وهل ثمة طوائف أو ممثلو طوائف أحرص من غيرهم بهذا المعنى على السيادة هنا والآخرون معنيون بعكس ذلك هناك؟ وماذا عن سيادة القانون والأخلاق والضمير في كل مواقع المسؤولية في الدولة، لكي تتمكن من خلال من يتمتع بهذه السيادة من المحافظة على سيادة الدولة؟

لو كان الانقسام سياسياً فعلياً- كما يصرح معظم القادة السياسيين لإظهار أنفسهم فوق الطائفية- لكان كل شيء غير ما نشهد اليوم، لأن توزيع الوزارات كان على أساس القوى السياسية وبينها استناداً إلى مواقعها، آخذين بعين الاعتبار اسم الوزير أو انتماءه الطائفي للمحافظة على التوازن. لكن الجوهر كان الاتفاق السياسي والمصلحة الوطنية، وهي الحصص والمكاسب لهذا أو ذاك على رأس هذه الطائفة أو تلك ومن طريق اختيار هذا "الزلمة" أو ذاك حسب القاعدة المتعامل بها الآن بشكل عام دون أن ننتقص من قدر أحد، لكن قول الحقيقة صعب وجارح!

ليس مقنعاً هذا السبب في تأخير تشكيل الحكومة على الإطلاق، وليس مقنعاً هذا التعريف والتوصيف والتفسير للوزارات السيادية، فكيف إذا سمعنا البعض يكرره ثم يناقض نفسه ويقول: ليس ثمة وزارة أهم من أخرى، كلها وزارات خدماتية ومهمة. وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا الاستمرار بالعبث وتوليد المشاكل؟

إن المطلوب سيادة على الذات، سيادة الضمير على مستوى كل العاملين في السياسة لاسيما القادة منهم، وسيادة الأخلاق وسيادة القانون. ساعتئذ تطمئن النفوس لأي وزير من أي طائفة ومذهب وحزب وفي أي وزارة كان.

لقد كان كبيرٌ من لبنان اسمه كمال جنبلاط وصاحب تجربة حزبية وسياسية كبيرة في تاريخ لبنان الحديث يخاطب الحزبيين والمناصرين بالقول: "إذا خيرتم بين ضميركم وحزبكم فاختاروا ضميركم". الضمير هو الأهم.

إنها قمة الشجاعة، إنها السيادة الحقيقية، فهل لنا بمثلها اليوم؟ أو هل لنا باستلهام المعاني والألفاظ والمصطلحات والتفسيرات من أفكاره ومعانيه ورسالته وممارسته؟

 

 

0 :عدد الردود
تعليقات القراء
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إيلاف.
 
 

جميع الحقوق محفوظة © 2001 - 2008 إيلاف للنشر المحدودة Elaph Publishing Limited ©
تطوير وصيانة Developed & Maintained By