إيلاف: الشركة / التحرير | إجعلنا صفحتك الرئيسية | المواضيع الأكثر زيارة | دليل إيلاف | إتصل بنا | Advertise | RSS Feeds
 العدد 2695 الثلائاء 7 أكتوبر 2008 آخر تحديث  GMT 5:00:00 AM

  Facebook
  Delicious
  Stumbleupon
  Digg
  Reddit
إيلاف>>جريدة الجرائد   
    

الوجه الآخر لصفقة تبادل الأسرى

GMT 0:00:00 2008 السبت 5 يوليو

الشرق القطرية


طلعت رميح

فى الخطوات ذات الطابع الاستراتيجى، يصعب ايجاد تفسير واحد واضح يرتكن اليه وحده فى فهم تلك الخطوة،اذ ان الخداع هو جانب متضمن دوما فى بنية اى خطة او خطوة استراتيجية، كما ان كل خطوة تتخذ خلال ادارة صراع واسع متعدد الاوجه والاتجاهات والقوى وتؤثر فى تطوراته على دول اخرى فى الاقليم، لا شك تأتى مرتبطة بتأثيرات تلك الخطوة على مختلف اطراف الصراع، بما يجعل قراءتها حالة متعددة باعتبارها تلبى مصالح اطراف وقوى متعددة فى ذات الوقت. وفى الاطلال على الصراع الجارى على لبنان وحوله، لا يمكن فهم خطوة تبادل الاسرى بين حزب الله واسرائيل، من خلال النظر الى الاهداف المباشرة لطرفى الصفقة على صعيد عملية التبادل فى حد ذاتها من كسب ومن خضع ومن انتصر، وانما يجرى فهمها من خلال دراسة تأثير تلك الخطوة على الصراع الجارى، باعتبار ان الصفقة جرى عقدها ضمن اطار صراع شامل بين طرفين لكل منهما امتداداته الاقليمية والدولية، وفى ظل حالة صراع داخلى تتشابك وتتعقد فيها مصالح واهداف ومواقف قوى داخلية واقليمية ودولية. ان من الخطأ النظر والتحليل للصفقة من خلال تحليل مواقف واهداف الطرفين اللذين وقعاها والطرف الوسيط فقط. كما ان من الخطأ ان ننغمس فى متابعة اشكال الضجيح الاعلامى والسياسى المتعلقة بالصفقة من تصريحات القادة والمعلقين السياسيين وانفعالات الاسر،خلال محاولة الوصول الى اهداف الاطراف المختلفة لعقد تلك الصفقة، سواء على صعيد حزب الله او على صعيد الطرف الاسرائيلى.

وواقع الحال ان الحالة اللبنانية اصبحت صراعاتها وخطوات اطرافها، حالة معقدة فى ذاتها، والى درجة يصعب الوصول فى تحليلها الى رؤية واحدة، حتى ان بعض الخطوات التى تتخذ فى الصراع الجارى يمكن الوصول فى تحليلها الى رؤيتين تفسيريتين، متعارضتين ومتناقضتين، لكن كل منهما وجاهته وقدرته على الاقناع. فما بالنا بحدث بعمق واتساع صفقة التبادل، التى جرى توقيعها بين حزب الله واسرائيل، واغلقت بمقتضاها كل الملفات المعلنة اساسا للصراع الحادث.


الحكومة نموذجا

ولتوضيح ما نقصد، نشير الى اننا فى تفسير حالة عرقلة تشكيل الحكومة اللبنانية نجد انفسنا امام تفسيرين ورؤيتين، تكاد كل منهما تحقق درجة من الاقناع للمتلقى الخارجى لها. فى التفسير الاول، يمكن القول بأن المسؤول عن التعطيل هو المعارضة. فوفقا لاتهامات الموالاة، فان المعارضة تعرقل تشكيل الحكومة على اعتبار ان الوضع الراهن - بلا حكومة - يمكنها من شل سيطرة الموالاة على الحكم وادارة شؤون البلاد، بما يتسبب فى حدوث تفجيرات اجتماعية بين كل يوم وآخر، تستثمره المعارضة فى إثارة السخط العام على الموالاة صاحبة الاغلبية فى الحكم، بهدف تغيير نتائج الانتخابات القادمة لتحقق المعارضة تغييرا فى موازين القوى داخل مجلس النواب وتتحول الى اغلبية. وان المعارضة بعرقلة تشكيل الحكومة انما تحقق لنفسها ظرفا يمنحها فعالية اعلى فى اثارة الاضطراب والفوضى - وهى الحالة التى اعتمدتها المعارضة كوسيلة ضغط منذ بدأت الاعتصام وحتى حالة العصيان المدنى - اى هى تستهدف استمرار عملية الحسم من خلال الشارع حيث موازين القوى العسكرية على الارض، تميل لصالحها وفقا لما اثبتت احداث الصراع المسلح فى بيروت والجبل، اذ كان الحسم والغلبة لقوى المعارضة، ومن ثم فان المعارضة تعمل على عدم اكمال تشكيل مؤسسات الدولة، حتى تظل هى فى موقع الفاعل والمؤثر من خلال الضغط على هياكل معطلة او فارغة بلا صلاحيات، وانها وجدت ضالتها الآن فى عدم تشكيل الحكومة - بعد ان ضمنت تحييد موقع الرئاسة، باعتبار الحكومة هى اداة الموالاة فى السيطرة على الاوضاع.

وفى التفسير الثانى، فان الموالاة هى من يعرقل تشكيل الحكومة، استمرارا للعب دور الضحية سياسيا واعلاميا، حيث هذا الوضع يمكنها من ارجاع كل عوامل اخفاقها الى المعارضة التى تعطل عمل الحكومة من خلال منع تشكلها وبقائها عند حالة تصريف الاعمال، كما ان الموالاة تستهدف من تلك الحالة، التوسع فى الاحداث الامنية هنا وهناك من اجل تعبئة جمهورها وتسليحه لكى تغير حالة التوازن وملامح وعوامل القوة فى الشارع لصالحها وفق استراتيجية تقوم على تجزئة المعارك مع المعارضة، باعتبار المواجهة الكلية المباشرة لا تفيدها كما اظهرت احداث بيروت. وان الموالاة تحقق لنفسها من خلال هذا الوضع استمرار السيطرة على القرار وحدها، او على الاقل هى بذلك تمنع المعارضة من المشاركة فى صناعة القرار -او بالاحرى تعطيله بعد حصول المعارضة على الثلث المعطل -وان الموالاة تهدف من خلال ذلك إلى استمرارها فى الحكم دون منازع حتى موعد الانتخابات التشريعية القادمة، وانها حصلت من خلال الوضع الراهن على شغل موقع الرئاسة كما حققت مطلبها فى تحرير السراى الحكومى من خلال انهاء اعتصام المعارضة، وان تشكيل الحكومة يعطى المعارضة حق تكرار الفعل العسكرى لتحقيق اهداف سياسية تجاه القوى الداخلية اللبنانية.

وهكذا فى تحليل نقطة واحدة نحن امام تفسيرين يكاد كل منهما ان يكون مقنعا، فاذا اضفنا الى ذلك الابعاد العربية والاقليمية والدولية، نجد ان مثل تلك الخطوة، تحتاج الى نمط دقيق من التحليل والفهم.


تبادل الاسرى

وهكذا الحال فى قضية تبادل الاسرى، وان كان الامر اشد تعقيدا باعتبارها خطوة ترتبط مباشرة بين طرف داخلى هو حزب الله وطرف خارجى هو اسرائيل - بما يعنى انها تطرح دون خجل بين الظروف الداخلية والاقليمية والدولية - وباعتبار ان الخطوة ذات تأثير حاسم على مجريات الصراع الداخلى، وتترتب عليها تغييرات فى صورة وخريطة الصراع فى المنطقة.

فى تحليل وفهم ابعاد تلك الصفقة، فنحن امام الحدث المباشر، وفى مواجهة اهداف بعيدة للطرفين المشاركين فى الصفقة تجاه بعضهما بعضاً وللتأثير على معالم قوة كل منهما تجاه الاطراف الاخرى، كما نحن لا يمكن لنا ان نفهم الرؤية الكلية لها دون النظر الى الابعاد الاقليمية والدولية ايضا.

فى الحدث المباشر فنحن امام صفقة بادل فيها الاسرائيليون، جثتى جنديين اسرائيليين ومعلومات عن الطيار الاسرائيلى رون اراد، مع حزب الله الذى حصل فى المقابل على اسراه القدامى والجدد وجثث لشهدائه فى المواجهة الاخيرة،كما هو حصل للبنان دولة وشعبا على خرائط الالغام التى زرعها الجيش الاسرائيلى فى جنوب لبنان وكذا خرائط القنابل العنقودية التى القتها الطائرات الاسرائيلية خلال الحرب الاخيرة على لبنان، وكذا هو حصل لايران على معلومات عن الدبلوماسيين الايرانيين الاربعة الذين اختفت آثارهم منذ فترة طويلة، كما حصل للفلسطينيين على تحرير عدد من الاسرى.

وفى تحليل الاهداف الظاهرة، يبدو بالمعنى الواضح ان اسرائيل هى من تراجع امام حزب الله، اذ هى كانت رفضت فكرة الصفقة فور وقوع عملية الاسر بل شنت حربا شاملة على لبنان وحزب الله لاستعادة الاسرى بالقوة، انتهت الى هزيمة اسرائيل، ودون استعادة الاسرى بما يعنى اننا امام اقرار جديد بالهزيمة لكل اهداف اسرائيل من الحرب. كما نحن امام قبول اسرائيلى بمعايير كانت تعتبرها من قبل خطوطا حمراء فى صفقات التبادل، سواء من زاوية قبولها بمبادلة جثث لاسرائيليين باحياء من اعدائها - وهو ما جعل اولمرت يستعين برأى الحاخام -او لانها تفرج بمقتضاها عن من تسميهم باصحاب الايادى الملوثة بدماء اسرائيليين، وكلا المعيارين كانا مرفوضين تماما من قبل (بالمناسبة :هذه الصفقة بتخطيها تلك المعايير قد فتحت الطريق لصفقة تبادل مع حماس كان يعوقها وجود هذين المعيارين والتمسك بهما).

وفى ذلك، فاذا كانت اسرائيل قد حصلت على جثتين ومعلومات عن طيار، فان الصفقة تميل تماما لمصلحة حزب الله وحلفائه، كما هى تمنح حزب الله ورقة جديدة فى الصراع الداخلى، سيوظفها الحزب على الاقل فى اعادة ترميم سمعته التى تضررت جراء استخدام سلاح المقاومة فى معارك بيروت، كما الصفقة ستعيد الحديث عن مصداقية الوعود التى اطلقها امين عام الحزب بما يجدد الانصات اليه والسير خلف قراراته،حين حدد الا طريق لاطلاق سراح الاسرى الا بالتفاوض غير المباشر عبر صفقة متفق عليها. كما الصفقة تحقق لحزب الله الفرصة مجددا للحديث عن دوره العربى فى مجال القضية الفلسطينية، وتعطيه ورقة قوة على صعيد الوفاء بالوعود لحلفائه.

وهكذا يمكن النظر للصفقة من زاوية انها انتصار كلى لحزب الله والاسرى وللبنان، وتأكيد على ان اسرائيل فشلت فى تحقيق اى هدف من اهداف حربها على لبنان، وانها لا تفهم إلا لغة القوة، اذ الاعتماد على القانون الدولى والامم المتحدة لم يمكن لبنان من الحصول على خرائط الالغام ولا خرائط انتشار القنابل العنقودية، ولم يستعد الارض ولا الاسرى.


سؤال الصفقة

لكن الصفقة على هذا النحو،لا شك تطرح تساؤلا حول الاسباب التى دفعت اسرائيل للقبول بمثل هذه المبادلة المذلة، حسب وصف اولمرت؟ وسبب التساؤل لا يعود فقط الى الفارق الكبير بين ما حصل عليه كل من الطرفين -خاصة على الصعيدين السياسى والاعلامى - ولكن ايضا لان التغير فى موازين القوى بين حزب الله واسرائيل لم يحدث لهذه الدرجة التى ظهرت فى معادلة المكاسب والخسائر فى الصفقة. والاجابة عن هذا التساؤل، هى تحديدا ما يكشف طبيعة التشابك والتعقيد للاوضاع بين ما هو داخلى واقليمى ودولى، وبما يلح على ضرورة النفاذ الى جوهر ما يجرى دون الوقوف كثيرا عند حدود الاحاديث والمظاهرات، بل يمكن القول ان النظر بامعان الى التصريحات والاحداث المصاحبة لحدث الصفقة قد تظهر هى نفسها الاهداف البعيدة لها.

والمتابع للصفقة والمحلل لها يكتشف ببساطة ان اسرائيل ارادت منها اغلاق الملف مع حزب الله، وليس فقط اجراء صفقة تبادل. الصفقة تنهى كل الملفات دفعة واحدة، وبمعنى ادق فان اسرائيل ارادت ان تفقد حزب الله كل الاوراق التى يعتمد عليها فى الحديث عن ضرورة ابقاء سلاح المقاومة على وضعه - وهى حالة جديدة على التفكير الاسرائيلى الذى كان يترك فى كل اتفاقاته ومعاهداته ملفا عالقا - وهو امر تتضح ابعاده بشكل اكبر واعمق، من خلال فهم التزامن بين الصفقة والتحركات الجارية بشأن نقل السيطرة على مزارع شبعا وتلال كفر شوبا من الاحتلال الاسرائيلى الى سيطرة الامم المتحدة. كما ان الصفقة تظهر ان حزب الله قد دخل فى مفاوضات نائبا عن الدولة الايرانية، حيث تضمنت الصفقة ادلاء اسرائيل بمعلومات حول الدبلوماسيين الايرانيين.

وهنا يبدو واضحا ان عقد اسرائيل لهذه الصفقة، ليس ناتجا فقط عن مبررات محلية داخلية تتعلق بوضع الجيش وفقا لما قاله رئيس الاركان (من انه استهدف ان يستطيع رفع عينيه فى وجه الجنود) او تبعا لضغوط حركة عائلات الجنديين، وان قول رئيس الاركان هذا واستدعاء اولمرت لاسر الجنديين خلال جلسة مجلس الوزراء لاقرار الصفقة، لم يكن الا للتغطية على اهداف اسرائيل من الصفقة. الصفقة تهدف استراتيجيا الى نزع الاوراق من يد حزب الله فى استمرار الصراع مع اسرائيل من لبنان، كما هى تأتى لتوفر اجواء صافية لنشاط الموالاة من داخل لبنان ودول عربية تقف ضد نشاط حزب الله ودوره فى لبنان - بالحديث والضغط بشأن سلاحه - ومن ثم فان الدورة التى سنراها فى حركة الاحداث، فور انتهاء الاحتفالات فى لبنان ودورة الالم فى اسرائيل، ستركز على انتفاء اسباب استمرار سلاح حزب الله او سلاح المقاومة، مع استمرار عمليات التحرش والصدامات المسلحة المتنقلة لايصال الامور الى حالة ضاغطة سياسيا وعسكريا، على سلاح المقاومة، وفى ذلك لن ترى الولايات المتحدة واسرائيل اية معوقات فى تسليح الجيش اللبنانى وقوى الامن بالاسلحة الاحدث نوعا ما، خاصة وقوة اليونيفيل تشكل قوة عزل بين جنوب لبنان واسرائيل.


ايران ورام الله !

واذا كان ذلك هو ما حدد اختيار اسرائيل لتوقيت عقد الصفقة وجعلها شاملة تغلق بمقتضاها كل الملفات دفعة واحدة، لتحقيق اهداف محددة فى الداخل اللبنانى، فانه لا يمكن فهم ابعادها الاخرى الا بالنظر الى السلوك الاسرائيلى مع اطراف عربية اخرى، حيث لا يمكن فصل السلوك الاسرائيلى فى عقد الصفقة دون ربطه بالمفاوضات الاسرائيلية السورية، والتهدئة المتحكم فيها فى غزة. نحن امام اعادة ترتيب الاوضاع فى المنطقة، او امام اضعاف اوراق المقاومة او لنقل نحن امام ازالة للعوامل الناتجة عن الغطرسة الاسرائيلية والامريكية، التى وفرت للمقاومة وقودا فى كشف جرائم الاحتلال وفى الحشد والتعبئة، كما نحن امام عملية التفاف حول نجاحات المقاومة من خلال ادخالها فى معارك داخلية تعطل قدرتها على مواجهة اسرائيل، وهو امر بدأ منذ فترة، لكنه يتطور الآن لتعزيز عوامل قوة الاطراف المنغمسة فى المخططات الامريكية والاسرائيلية، كما نحن تحديدا امام حصار النفوذ والدور الايرانى فى المنطقة بالعمل على ازالة عوامل قوة كل الاطراف التى تساندت مع ايران او ارتبطت بها.

وهنا يبدو ان الامور تتجه فى الفترة القادمة نحو الضغط فى اتجاهين او فى نقطتين، الاولى واضحة وهى ايران، اما الثانية فهى الضفة الغربية. ان بعضا من التفكير والتحليل يظهر ان السلطة الفلسطينية فى رام الله هى اضعف النقاط الآن فى المنطقة، وان التهدئة التى جرت فى غزة والوصول الى اتفاقية مع حزب الله والدخول فى مفاوضات مع سوريا، كلها تجعل اسرائيل فى حالة "تفرغ" للضغط على الضفة التى هى نقطة الصراع الاضعف فى معالم القوة والاكثر اهمية استراتيجيا لاسرائيل.

 

 

0 :عدد الردود
تعليقات القراء
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إيلاف.
 
 

جميع الحقوق محفوظة © 2001 - 2008 إيلاف للنشر المحدودة Elaph Publishing Limited ©
تطوير وصيانة Developed & Maintained By