|
جهاد الخازن
كل ما يمكن أن يقال عن تبادل الأسرى والجثامين بين حزب الله واسرائيل قيل مرة، بعد مرة، ولم أعلق على الموضوع عشية التبادل أو في يومه، لأنني شعرت بأنني سأضيع وسط الزحام. وإنما اخترت أن أجمع بعض ما سمعت أو قرأت مما يستحق التوقف عنده. وهكذا أتجاوز كلاماً من نوع أن التبادل كان انتصاراً لحزب الله وضربة نفسية قاسية نزلت باسرائيل، لأقول إن صور السيد حسن نصرالله وهو يبتسم وايهود أولمرت وهو يبكي تعليق كاف. قرأت الصحف الاسرائيلية مترجمة الى الانكليزية كلها منذ الأحد، وهي جميعاً قالت إن سمير القنطار قتل شرطياً اسرائيلياً هو ايلياهو شاهار، ومدنياً اسرائيلياً اسمه داني هاران وابنته اينات. وركزت الصحف كلها على الطفلة التي كانت في الرابعة. وروايتها أن القنطار بعدما قتل أباها أمامها ضربها على رأسها بكعب مسدسه حتى ماتت. هل هذا صحيح؟ هو ليس وحياً، والصحافة الاسرائيلية تكذب على نفسها وعلى جمهورها حتى تصدق كذبتها. الرواية الأخرى، على لسان القنطار، أن اينات ماتت في تبادل اطلاق نار على الشاطئ، وماتت اختها يائيل في خزانة البيت حيث اختبأت أمها معها، ثم وضعت يدها على فمها لتمنعها من الصراخ فماتت الطفلة مختنقة بيد أمها. كان الحادث فاجعة انسانية، نحن أخبَر بمثلها، فمقابل الاختين هناك ألف طفلة وطفلة قتلهن الاحتلال، أو جيش الدفاع المزعوم في ارهاب مؤسسات لا يمكن أن يقارن به أي ارهاب فردي. الثعلب المتهالك شمعون بيريز قال وهو يوقع العفو عن سمير القنطار إنه لن ينسى ولن يغفر، وكان أجدر به أن يسأل نفسه من رمى أول حجر؟ من احتل أكثر فلسطين وطرد أهلها، ثم احتل البقية ولا يزال محتلاً بعد 41 سنة. اسرائيل قتلت اينات (أو عينات) لأن لولا بقاء الاحتلال ما قام حزب الله، أو حماس أو الجهاد الاسلامي، أو أي فصيل مماثل، ولما بقي سبب للقتل لو استقل الفلسطينيون في أقل من ربع بلادهم. ولكن «من هم الفلسطينيون؟ لا يوجد فلسطينيون»، كما قالت غولدا مائير يوماً. الاسرائيليون ايضاً تحدثوا عن «اخلاقهم» فهم في حزن مقابل مظاهر الاحتفال في لبنان، وأقول إن القتل ليس له أخلاق. واسرائيل تقترب من المَثَل النازي في القتل، أي انتفاء الاخلاق، وهي من العنصرية أن تتحدث عن اعادة 199 جثة «غالبيتهم من الارهابيين»، وهم مقاومون مع نساء وأطفال، ثم تطلق على جيش الاحتلال والجريمة «جيش الدفاع». الإرهابي مائير داغان، رئيس الموساد، عارض الصفقة، وشكا من أن التقرير عن رون أراد لم يضم جديداً. هو قاد عصابة قتل رسمية وسرية اسمها سايريت رامون قتلت النساء والأطفال في غزة في السبعينات، وعاد ليقتلهم اليوم، وقتل بين هذا وذاك، ولا أعرف عن تقارير صدرت عن جرائمه على امتداد عمره النتن. لست هنا لأدافع عن أي قتل أو ارهاب، ولا أدافع عن سمير القنطار تحديداً، ولكن أقول إن مقابل بضع نساء من أسرتي ايهود غولدفاسر وإلداد ريغيف انتحبن بعد ثبوت موت الجنديين، هناك عشرات ألوف النساء الفلسطينيات واللبنانيات والمصريات والعربيات الأخريات اللواتي بكين ازواجهن وأبناءهن الذين قتلوا بأيدي جيش الجريمة الاسرائلي أو المستوطنين. وهل ننسى قتل الجنود المصريين الأسرى صَبْراً في سيناء؟ وأسمع شلومو غولدفاسر يقول لـ «سي ان ان» إن السيد حسن نصرالله قتل ابنه ايهود. هذا مستحيل، فقيمة الجندي الأسير الحي أعلى ألف مرة من قيمة جثة، ولو استطاع حزب الله أن يبقي الجنديين على قيد الحياة لفعل، لا حبّاً بهما، بل لأنهما، حيين، يمثلان ورقة مساومة أقوى كثيراً منهما ميتين. ولعل زفي ريغيف والد الداد قال شيئاً مماثلاً، ولا ألوم والداً أو أماً على توزيع التهم، فالعاطفة لا بد غالبة، إلا أنني اتهم حكومة اسرائيل بقتل الاسرائيليين مع الفلسطينيين عبر سياسة الاحتلال والاستيطان المستمرة. اليوم يقف عدد القتلى من القاصرين من الطرفين منذ 29/9/2000 وحتى نهاية الشهر الماضي عند 951 ولداً فلسطينياً مقابل 123 ولداً اســرائيلياً، أي ان اسرائيل أكثر ارهاباً سبع مرات أو ثمانٍ من جــميع الفــصائل الفلــسطينية. لم أكتب في صخب الاحتفالات اللبنانية بعودة الأسرى حتى لا أنجرف مع المهللين، وأقول اليوم بالموضوعية الممكنة إن حزب الله انتصر وهزمت اسرائيل، وإن اسرائيل وحدها ستظل تتحمل المسؤولية عن القتلى من الجانبين، حتى تدرك أنها لن تفرض شيئاً بالقوة، حتى لو كانت قوة أميركا وراءها، وإنما ستخرج من النفق المظلم الذي ادخلتنا ونفسها فيه اذا تفاوضت على تسوية سلمية، مع الفلسطينيين والعرب. حتى ذلك الحين ننتظر أن نسمع اسم الطفلة الضحية الجديدة، والأرجح أن تكون فلسطينية. ملاحظة: الحلقات اسلاموفوبيا تُستأنف بعد أيام.
|