|
سارة المكيمي
لم يعد ضميري ولا كرامتي يسمحان لي باتهام الرجل وإلقاء كل اللوم عليه، على ما سطرته الكاتبة الشجاعة سوزان المشهدي في مقالتها التي منعت من النشر في جريدة الحياة السعودية.. سوزان قامت بمقارنة بين الطريقة التي شبّت عليها صبية تلعب وهي «مكعبلة» بالعباءة السوداء، يستقطب رداؤها الداكن أشعة الشمس العمودية، ويطبخ جسدها الصغير على نار هادئة، بينما كان أخوها يسرح منطلقا بلباسه الأبيض الخفيف الطارد للأشعة الحارّة.
قارنت بين مشاعر والديها وهما يستقبلانه طفلا يحفظ امتداد اسم العائلة، ومفخرة للوالد الذي يعتقد ان فحولته لا تكتمل إلا عندما ينتج مولودا ذكرا، وفرحة والدتها بالمولود الصبي الذي سيبعد شبح الزوجة الثانية عنها لا قدّر الله.. وكانت «أم البنات»! مقالة مليئة بالألم، أشارت الى ما تعانيه الفتاة السعودية خاصة والعربية عامة من مفهوم الاستعباد والملكية القديم، مصوغا بصورة جديدة تحت لواء الولاية والوصاية والقوامة والرعاية.. وما شابه من كلمات.
أنا لا استطيع ان ألوم الرجال كليّا على استمرارية المعضلة ونحن في القرن الجديد، لأنه مع احتكاكي المتواصل بالنساء في عالمنا العربي عرفت انهن قد شربن الخضوع للقانون اللامكتوب من دستور «المُواطَنة من الدرجة الثانية»، ومستوى الحرية المتدني مع حليب امهاتهن.. الأمهات اللاتي ارضعن ابناءهن الذكور نفس الحليب ولكن بنكهات اخرى وتكوينات غذائية مختلفة، مليئة بالحديد والفيتامينات المقوية التي أعطت للأولاد، ومن ثم الرجال، اعتقادا انهم الأفضل خَلقاً والأصح حكماً!!
الرجل يتربّى ويكبر في برطمان من التبجيل والتأجيج الذكوري حتى يشب ويقوى عوده، فيكسر برطمانه الزجاجي فارداً ذراعيه ليلعب بالحياة كيفما اشتهى.. والفتاة تتربى وتكبر في برطمان اصغر حجما وأشد سماكة، فيكبر جسدها وتتمدد اطرافها ويختنق نهداها، وهي لاتزال محصورة بين الجدران الزجاجية السميكة.. فجناحاها لا ينفردان ولا الزجاج ينكسر.
المشكلة انه مع مرور الوقت واستمرار الإهمال بالقضية وعزوف المتضرر عن المطالبة بالحق المسلوب، جعل المرأة نفسها تألف برطمانها الخانق، بل وفي بعض الأحيان تستمتع بإحكام الغطاء واستنشاق بقايا الزفير الذي يخرج من انوف الرجال.. بات القليل من الهواء المستعمل الذي اعتراه العطب يرضينا ويحقق لنا أشباه الأمنيات التي كبرنا وتربينا على انتظارها، تُلقى علينا من سُكان الدرجة الأولى في الأعلى، فنتلقفها بسعادة، نشكر.. ونصمت تطلعا للمزيد!!
مازالت المرأة الخليجية خاصة والعربية عامّة محشورة بين العيب والعرف والأخلاق التي لا تمت للعيب ولا للأخلاق بصلة. قوانين «السنع» و«المنع» التي صنعتها جدّاتنا من أوليات نساء الخليج تأثرا بجهل واضح في تفسير آيات القرآن الكريم، وانصياعا لرغبات ازواجهن وابنائهن الذين ملأوا مسوداتهم الطويلة بمواصفات المرأة الحلم التي يعج ملفها بميزات أهمها السكون والخضوع والصمت والانصياع.. وآخرها «الكمكمة» والاحتجاب الجسدي والفكري عن كل ما يدور في دوامة التطوير!! تلك القوانين التي توارثتها النساء جيلا بعد جيل جعلت مملكة المرأة مطبخها، بينما مملكة الرجل دنيا واسعة من قرارات واختيارات لا يزاحمه فيها أحد، صيَّرت ثقافة المرأة في إسعاد زوجها سبع مرّات في الاسبوع، بينما ثقافة الرجل حلّا وترحالا سبعة شهور في السنة!!
ربما يسلّ البعض بوجهي حجة ان المرأة سعيدة ومقتنعة بحياتها تحت راية الانصياع، ولو أطلقناها لعادت ارادياً لبرطمانها السميك.
وأنا اقول، ليت القرار كان لها منذ البداية، في أي لون سترتدي، وأي حلم سترتئي، وأي برطمان ستختار!!
|