سلامة أحمد سلامة
لأول مرة يقترب سيف الادعاء والمحاكمة من رقبة حاكم عربي بتهمة ارتكاب جرائم ضد الانسانية.. وقد ارتجت ارجاء العالم العربي خوفا وجزعا من احتمال ان يصل الامر الي تنفيذ امر الضبط والإحضار الذي اصدرته المحكمة الجنائية الدولية ضد الرئيس عمر البشير بمساعدة مجلس الأمن.
وبات علي حكومة الخرطوم ان تخوض معركة قانونية وسياسية ضد تجمع عالمي قوي, يمسك بين يديه أدلة اتهام قوية عن عمليات قتل جماعي استخدم فيها الجيش وميليشيات الجنجويد ضد المدنيين في دارفور, وذهب ضحيتها عدة آلاف من القتلي وملايين من المشردين.
من الطبيعي ان تتضامن الدول العربية مع السودان.. بينما يلقي القرار ترحيبا حارا في الغرب ومن الحكومات ومن جماعات حقوق الانسان.. ومن الطبيعي ان يثار الحديث عن المؤامرات التي تحاك بتدبير امريكي ومساعدة عناصر صهيونية, بسبب الصراع علي الثروات الهائلة في دارفور, والتي اتاحتها حكومة الخرطوم للشركات الصينية.. وان تتجاهل المنظمات الدولية حقيقة المساعدات الخارجية التي تقدم للمتمردين لإفشال عملية السلام التي سعت اليها الخرطوم.
وهناك حجج كثيرة تقال ضد شرعية المحكمة الجنائية الدولية, وتغلب الأبعاد السياسية علي انشطتها. خصوصا إذا اخذنا في الاعتبار ان السودان لم يوقع علي الاتفاقية الدولية. التي نشأت المحكمة بموجبها.. مثلها مثل امريكا وروسيا وإسرائيل. كما يمكن ان تثار تساؤلات حول انتقائية الجرائم التي تنظرها المحكمة, فتغض الطرف عن جرائم الحرب التي ترتكبها اسرائيل في فلسطين او ترتكبها امريكا في العراق وافغانستان.
ولكن هذه الحجج يمكن ان توضع في كفة, وتوضع الجرائم ضد الانسانية في الكفة الاخري.. لنري إن ما ترتكبه الحكومات العربية, وليس السودان وحدها من فظائع في حق شعوبها, وما تحمله تقارير دولية لحقوق الانسان, عن سوء معاملة شعوبها, او بعض منها لأسباب سياسية أو عنصرية امر يستحق القلق, بل يستحق العقاب!
ومن الواضح ان تدني أخلاقيات الحكم في بلادنا يعطي للآخرين مبررات قوية لتوجيه الاتهامات بارتكاب جرائم وحشية, تنبئ عن إساءة استخدام السلطة, وغياب موازين الحساب والعقاب, ولا تكفي جرائم التعذيب وما يرتكب من فظائع في السجون والمعتقلات تتسرب انباؤها للخارج ولا يجري التحقيق بشأنها.. لتبرهن علي ان الطعن علي الأدلة والاجراءات القانونية لا ينفي وقوع الجريمة بكل اشكالها.
ومن السذاجة ان نتساءل عما يمنع البشير من تسليم نفسه للمحكمة الدولية لإثبات براءته.. ففي عالم يزخر بالمظالم والافتراءات, ولا تطبق العدالة إلا علي الضعفاء والمهزومين, ويهلك الملايين بكلمة واحدة ينطقها حاكم ظالم او مجنون. فإن عريضة اتهام البشير تظل فصلا من فصول المأساة الإنسانية, في دارفور, ولكنها ايضا دليل علي ما ترتكبه الحكومات من جرائم في حق نفسها وشعوبها, وهي تتواري خلف ادعاءا ت التضامن العربي, الذي هو في الحقيقة نوع من التواطؤ العربي!!