صالح الأشقر
يبدو أنه حان وقت سقوط التركة العربية الهائمة في متاهات العولمة وحان قطافها أو بالأحرى تقطيعها وتوزيعها على الوحوش المفترسة وبالتأكيد سوف ينال الوحش الأقوى الحصة الأكبر من هذه التركة التي توقعنا سقوطها لتكون فريسة لهؤلاء الوحوش المتأهبين لهذا منذ فترة طويلة.
مع الأسف الشديد ليس المستهدف الوحيد من مذكرة المحكمة الجنائية الدولية الرئيس السوداني عمر البشير وإنما الوطن السوداني كدفعة ثانية على الحساب بعد سقوط العراق من قائمة طويلة يتوقع أن تأتي في الأوقات المخصصة لها لتحقيق الهدف الأساسي وهو تقطيع أوصال هذه الشعوب وتشتيتها وتيئيسها من مستقبلها المنشود.
المستقبل غير مطمئن للأنظمة العربية لعدة عوامل مخيفة تقوم العولمة بترتيبها للمنطقة ثم إخضاعها ليتسنى لوحوش العولمة الاستيلاء على مقدراتها وخيراتها والتي أهمها (الذهب الأسود) المتمثل بالطاقة البترولية وغيرها من الثروات التي ظلت وما تزال في أماكنها دون استفادة الشعوب منها.
عندما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتها قبل أسبوع بملاحقة الرئيس السوداني وعدد من المسؤولين في قيادته بتهمة ارتكاب جرائم واغتصاب وقتل جماعي في دارفور كان خط الدفاع الأول للبشير ورفاقه نائب الرئيس السوداني الذي بشرنا بأن السودان لم يوقع على قيام هذه المحكمة التي جاءت في زمن العولمة ولذلك فإن السودان غير ملزم بما تصدره تلك المحكمة الدولية.
ولسوء الحظ كنت من المتفائلين أن السودان لم يوقع على المحكمة ولكن عندما أجرت قناة (الجزيرة) الفضائية بعض الحوارات حول الموضوع وكان من المتحدثين السيد سامح عاشور رئيس اتحاد المحامين العرب الذي صدمني برده على الجزيرة من الناحية القانونية.
كان رد رئيس اتحاد المحامين العرب على الجزيرة مخيفا على السودان وعلى كل الأنظمة العربية وحسب رده القانوني قال: إن المحكمة التي تم تشكيلها في عام 1998 كان الهدف منها ملاحقة الذين يرتكبون الجرائم في حق الإنسانية وأن الدول العربية دون استثناء قاطعت هذه المحكمة مما يبعث على القلق أن تطالب هذه المحكمة بزعيم عربي آخر غير البشير خلال المستقبل.
وقال إنه كان من الأفضل لو أن الدول العربية لم تقاطعها ولو كانت عضوة في هيئة تلك المحكمة لاستطاعت الدفاع عن البشير وأي رئيس عربي يتعرض لمثل هذه المشكلة خاصة أن هذه المحكمة ترفع شعار الدفاع عن الإنسانية من خلال تصديها لجرائم القتل الجماعي والاغتصاب وغيرهما مما كان يتوجب على الأنظمة العربية أن تكون لها عضوية في تلك المحكمة.
وهنا تنهال على الإنسان العديد من التساؤلات أنه إذا كان الهدف من هذه المحكمة هو ملاحقة الذين يرتكبون جرائم في حق الإنسانية ويعتبر ارتكاب مثل هذه الجرائم من أولويات الدين الإسلامي في التصدي لها وردعها بقوة.. ترى لماذا تقاطع الأنظمة العربية المحكمة إذا كانت أهدافها إنسانية وهي في الحقيقة عوناً للعرب والإسلام وليست ضدهم؟ ولماذا نضع أنفسنا في محل الشبهات بمقاطعة العضوية في هذه المحكمة الدولية.. ألسنا مع العالم في محاربة ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية؟
وتساؤل آخر.. ترى كيف يتم اتخاذ القرار العربي لمواجهة أي حدث أو طارئ يواجه هذه الأمة؟. أتمنى لو أمكن معرفة لماذا قررت العروبة مقاطعة هذه المحكمة وما هي التبريرات للمقاطعة؟ وهل تمت مناقشة قانونية بين القائد والرفاق عندما قررت الدول العربية مقاطعة هذه المحكمة.؟ أليست المقاطعة تشبه تماماً الذي يصر على مواصلة ارتكاب الجرائم والاغتصاب والقتل وأنه لن يلتزم بعدم ارتكاب مثل هذه الجرائم؟
ليس لدينا سوى أن نكرر الأسف لأننا توقعنا وتوقع غيرنا منذ زمن بعيد أن الأمة ليست أقل همة ولا شأن من الأمم الأخرى في التطور الاجتماعي والديمقراطي والنمو الاقتصادي من غيرها من الأمم، ولكن ذلك لم يحدث فها هي الأمم الأخرى من حولنا تنمو وتتطور وتنتقل من السيء إلى الأحسن.. بينما الأمة العربية من الأحسن إلى الأسوأ كما هو الحال في العراق والصومال والسودان وغيرها على نفس الطريق.
توقعنا ومنذ زمن إمكانية البناء الاجتماعي على أسس سليمة لا قاهر ولا مقهور تتوزع المسؤوليات بين أبناء الوطن الواحد من خلال التراضي الوطني بين الأب والابن والمسؤول والمواطن والمهني والعامل لتصب كل الجهود المثمرة النبيلة في رحاب الوطن وحب الوطن وتنميته وازدهاره ورفع مكانته بين الأمم ليعيش الحاكم والمحكوم في ظل أسرة وطنية واحدة.
ذلك ما لم يتحقق ولم تلح في الأفق مؤشرات الأمل المستقبلي العربي والعكس هو الجاري والمتتبع لمسيرة هذه الأمة يرى بسهولة أن تسخير البشر والشجر وكل شيء في هذا الوطن للقائد وشلته رغم أن هذا القائد وشلته داسوا الجميع وأرغموا الجميع على طاعته وحبه وتقديسه والخنوع للقهر التعسف والإهمال والتمييز الصارخ بين شلة القائد والمواطن العادي المسالم الخاضع لكل أساليب القهر السلطوي لا لشيء وإنما للطبيعة الأنانية المتأصلة في النفس العربية.
وكان من الطبيعي والحال على هذا المسلك أن تتعطل وتلاشى معظم مقومات الحياة الضرورية في الكثير من الدول العربية أهمها التنمية الاقتصادية الحقيقية وتفشي الفساد لالتهام البقية الباقية من المداخيل الوطنية الشحيحة التي لا تتعدى نفقات الحاكم والمقربين من أعوانه فيما عزلت الغالبية العظمى من الشعوب بعيداً عن الأمل والعمل والمشاركة في أقل القليل الذي يمكن أن يعود على هذه الغالبية العظمى ونتيجة لذلك تدنى حب الوطن والانتماء الوطني من هذه الغالبية إلى تحت الصفر.
هذه الأوضاع المزرية كانت ومازالت الأرضية الخصبة لنمو الطائفية والعرقية والتطرف ونتج من كل ذاك الكراهية بين هذه الظوائف والعرقيات واضمحل الانتماء الوطني والترابط بين المواطن والنظام وهيأت كل هذه التطورات للتدخل الخارجي الذي قام برصدها وتغذيتها كمدخل للطامعين بثروات هذه الامة والعمل على تأجيج واشعال نيران الفتن بين القاهر والمقهور في البلد العربي الواحد حيث.
وفي غضون رصد المتربصين الذين اعتمدوا اشعال الفتن بطرق خبيثة وسرية غير مباشرة بهدف زيادة الجفاء بين الحاكم والمحكوم وتعبئة هذا المحكوم بالمزيد من الحقد والبغضاء ضد ولي أمره ومن الطبيعي في النهاية ان تثمر جهود المتربصين باستغلال الاخطاء واضفاء عليها جرائم القتل الجماعي والاغتصاب ثم المحاكمات الدولية لولي الامر ومن ثم الوصول الى اطماعهم المستهدفة.
هكذا يعمل العدو لتعميق الجراحات وبث البغضاء بين ابناء الامة الواحدة بهدف الوصول الى اطماعه وتنفيذ خططه من خلال التدخل العدواني المتمثل في المحاكم الجنائية الدولية للاستحواذ في النهاية على خيرات هذه البلدان بطرق متعددة ابرزها الدفاع عن الاقليات وحقوق الانسان وما ينسبوه الى حكام هذه الدول من جرائم كثيرة كان آخرها القتل والاغتصاب في دارفور وغيره.
كل هذه الاوضاع التي استمرت عشرات السنين في بعض دولنا العربية ادت الى تنامي النزعة الى العرقية والطائفية والانفصالية في العديد من الاقاليم العربية للفكاك من الاوضاع المزرية وغير الانسانية التي حلت بأبناء الوطن الواحد.
وبدلا من معالجة الاوضاع المتردية من قبل النظام وبحث الاخطاء التي ادت الى هذه النزعات الخطيرة تقوم هذه الانظمة وبتحريض من المحيطين المنتفعين السلبيين بالردود العشوائية غير المدروسة على اي خطر طارئ يهدد الوطن مثل المحكمة الجنائية الدولية التي بدأت اصدار اوامرها ضد رؤوس الانظمة والمحسوبين عليها والنتيجة النهائية كارثة شاملة على النظام والشعب وثروات هذا الشعب الذي فشل نظامه في مواجهة الخطر وتجنبه.