|
محمد صلاح
هكذا أضيف اسم دولي إلى لائحة الأسماء التي يتداولها العرب سلباً أو إيجاباً بعدما أصدر المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو اوكامبو الاتهام رسمياً إلى الرئيس السوداني عمر البشير بارتكاب جرائم حرب وجريمة الإبادة العرقية في إقليم دارفور السوداني وطالب باعتقاله وتقديمه إلى المحكمة الجنائية الدولية. وفي تاريخ العرب خصوصاً في العقود الأخيرة أسماء لشخصيات دولية لعب أصحابها دوراً مؤثراً في تخريب النظام العربي حتى لو تحت لافتة الإصلاح فزادته خراباً على ما فيه من خراب، وآخرون لعبوا دور الوسطاء بين العرب وإسرائيل تارة أو بين العرب وجهات دولية أخرى فلم تنجح غالبيتهم في إتمام أي وساطة بل زادوا الهوة وكانت نتائج جهودهم دائماً في غير مصلحة أي طرف عربي. ومن دون الخوض في أسماء مبعوثي الأمم المتحدة أو سفراء النيات الحسنة أو السيئة أو منسقي عمليات السلام في الشرق الأوسط أو موفدي اللجان الرباعية أو الخماسية ورؤساء المنظمات الأهلية الدولية فإن المحصلة النهائية أن قضية العرب الكبرى في فلسطين لم تحل وزادها الدوليون تعقيداً. كما أن الأوضاع الداخلية في المجتمعات العربية زادت سوءاً وتفاقمت فيها المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والدينية والسياسية ولم يمنع أي مبعوث دولي الولايات المتحدة من غزو العراق ولم تصحح أي جهة دولية معلومات الإدارة الأميركية حول أسلحة الدمار الشامل الصدّامية، وحين كُشفت الحقائق وعرف المجتمع الدولي أن العراق لم يكن يملك أسلحة دمار شامل ولا علاقات مع ابن لادن أو غيره من الأصوليين الراديكاليين لم يجرؤ أي مُنسق دولي على المطالبة باعتذار أميركي أو خجل دولي. لا ينال العرب دائماً من الشخصيات الدولية سوى عبارات الأسى والخجل أو التهديد والوعيد وسوء العقاب. انشغل العرب بالسعي إلى علاج الأوضاع التي فرضها قرار اوكامبو وزادوا من مساحة الإدانة والاستنكار بعد الدهشة والاستغراب، وانعقد مجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية، وصدرت تصريحات الوزراء والزعماء العرب التي صبت جميعها في اتجاه إبداء المخاوف من تأثير القرار على الأوضاع في دارفور وانفلات الأطراف السودانية المتنازعة في الإقليم وانقلابها على السلطة المركزية في الخرطوم. أما حكام السودان فانشغلوا بـ «الرفض» تحدياً للقرار فشبهوا أنفسهم بغيرهم ممن رفضوا من دون أن ينفعهم الرفض في التصدي لغزو أو مواجهة قرار دولي عقابي. وأكثر ما لفت الانتباه في ردود فعل بعض الدوائر العربية تجاه قرار اوكامبو حال البهجة التي سادت بعض دوائر المعارضة في أكثر من بلد عربي والتي لم تخف تمنياتها بأن يكون البشير أول المُحاكَمين من الزعماء العرب وأن يدشن قرار أوكامبو سلسلة من القرارات الدولية التي تعاقب هؤلاء الحكام على أفعالهم تجاه شعوبهم. والمدهش أن تلك الأصوات الغاضبة من حكامها لم تظهر القدر نفسه من الغضب تجاه تجاهل المجتمع الدولي الرسمي مذابح إسرائيلية ارتكبت في حق الشعوب العربية على مدى عقود لم يظهر لها اوكامبو أو أي مدّعِ دولي آخر. صحيح أن العرب لم يبلغوا من القوة ما يؤثرون به على أي طرف دولي وحقيقي لأنهم دائماً ينشغلون بالرفض تحدياً لكل قرار دولي غير منصف لهم، لكن الصحيح أيضاً أن اليقين ترسخ بأنه بقدر سطوة ونفوذ الجاني سيتحدد مصيره، وبقدر أوراق الضغط التي يمتلكها أي طرف ستكون النجاة من العقاب الدولي، وأن المحاكم الدولية لا فارق كبيراً بينها وبين المحاكم المحلية في بعض الدول العربية، إذ لا يحال عليها دائما المتهمون باختراق القوانين أو ارتكاب الجرائم وإنما الضعفاء الذين لا يملكون من السلطة والسطوة والنفوذ... سوى الرقص.
|