محمد جمول - «تايم»
المشكلة في الحركات الشعبية أن الناس يريدون أن تكون لهم كلمتهم في نهاية الأمر. وقد يكون المهندس الأميركي جون روسنسكي واحدا من أولئك الذين يؤمنون بفلسفة حملة أوباما التي ترتكز على الآخر. ولذلك كان روسنسكي ومعه 22000 من أنصار أوباما في حالة ذهول حين صوت في مجلس الشيوخ في التاسع من هذا الشهر لصالح قانون يسمح لإدارة بوش بالتنصت على مكالمات الآخرين من دون إذن قضائي، وهو ما كان أقسم أنه لن يقدم عليه. ولذلك يتهمه روسنسكي بالكفر، معبرا عن عدم يقينه إن كان سوف ينتخبه لأنه يراه يمارس السياسة كغيره من السياسيين.
مثل هذا التحول في الموقف من جانب أوباما يجعل أكثر أنصاره تحمسا يعتبرونه مثل سياسيي واشنطن المراوغين الذين كثيرا ما وقف ضدهم، وهم يتساءلون عن عدد من المواقف المتعلقة برده على التشكيك بوطنيته عبر وضع العلم على صدره وموافقته على قانون السلاح الذي يتناقض مع ليبراليته، ومطالبته بالمباحثات التجارية ثم دعمه لوضع قيود على الإجهاض.
مثل هذه الخطوات التكتيكية نحو الوسط تمثل طقسا انتخابيا بالنسبة للمرشحين الديمقراطيين في انتخابات الرئاسة الأميركية، أي هي بمثابة دفاع استباقي في وجه آلة الهجوم الجمهورية. لكن أوباما ليس كأي مرشح. في كتابه «تهوّر الرغبة» الذي كان على قائمة أكثر الكتب مبيعا في 2006، كتب أوباما نفسه «أنا أقوم بدور الشاشة البيضاء التي يسقط عليها الناس، من مختلف المشارب السياسية، آراءهم». وهكذا مع بدء الجانب البراغماتي منه بإملاء تلك الشاشة، يبدأ مناصروه المخلصون، الذين اعتادوا أن يروا صورهم على الشاشة، بالصراخ موجهين له تهمة الخيانة. الناس الذين يشكلون حركة أوباما يشعرون أنهم على خط مفتوح معه مباشرة، وهذه الأيام يريدون لاعتراضاتهم أن تحظى بالاهتمام.
وكانت التذمرات الليبرالية بدأت الشهر الماضي بعد أن وقف أوباما إلى جانب قرار المحكمة العليا بإنهاء الحظر على الأسلحة الشخصية. وتبع ذلك مؤتمر صحافي بدا فيه وكأنه تخلى عن التزامه بسحب سريع للقوات الأميركية من العراق. وفي لقاء له مع مجلة « فورتشن» قال إن انتقاده للتجارة الحرة خلال حملته الانتخابية قد «ضُخّم وحُمّل أكثر مما يحتمل». ومع تصويت أوباما لصالح قانون التنصت، كان روسنسكي وأمثاله تحولوا إلى أكبر مجموعة على موقعه الإلكتروني.
أن يتهم بالمراوغة من قبل الجمهوريين فهذا شيء روتيني، ولكن إغضاب المناصرين له سيكون نوعا من المخاطرة. لكن أوباما ينفي أنه يضحّي بالمبدأ لخطب ود المعتدلين. في الثامن من يوليو (تموز) خاطب أوباما تجمعا من أنصاره قائلا: «لا تعتقدوا أني إن لم أوافقكم الرأي في أمر ما أني أفعل ذلك لأسباب سياسية. يمكن أن أختلف معكم بالرأي بشكل طبيعي». والواقع أن بعضا من تحولات أوباما هي من نوع التوجه في التأكيد على أمر ما أكثر مما هي تغير في الموقف السياسي. ففي الموضوع العراقي، مثلا، قال أوباما منذ فترة «علينا أن نكون حذرين في مسألة الخروج من العراق بقدر ما كنا عديمي الحذر عند الدخول».
ومع ذلك لا يمكن لمعسكر أوباما أن يتجاهل الصرخات الليبرالية. ولهذا السبب كان حريصا على الإجابة على أسئلة منتقدي موقفه من قانون التنصت، وقد خصصت حملته منتدى خاصا فيه ثلاثة مستشارين سياسيين للرد على الأسئلة المتعلقة بهذا الأمر. وعلى كل حال يظل أوباما حريصا على هؤلاء الليبراليين الذين شعروا بالخيبة، آملا أن يكونوا ذرائعيين بقدر ما هم متحمسون. وربما لن يظل هؤلاء مستعدين لمحبة كل ما له علاقة به حين ينظرون إليه، لكنهم في كل الأحوال سوف يصوتون لصالحه.
ورغم هذا التحول اعلن فريق المرشح الديمقراطي الى البيت الابيض باراك اوباما ان الجهود لجمع اموال لتمويل حملته الرئاسية انطلقت مجددا لتحصد في يونيو الماض 52 مليون دولار، اي اكثر بنحو مرتين ونصف من الشهر الاسبق مايو (22 مليون دولار).
وكتب مدير الحملة ديفيد بلوف في رسالة الكترونية الى الناشطين «في شهر يونيو على الاقل ساعد مناصرون مثلكم في جمع 52 مليون دولار»، موضحا «ان مئات الاف الناس العاديين ساهموا في حملتنا من اجل التغيير. وقد اعطى كثيرون للمرة الاولى ما يستطيعون،المعدل الوسطي للمساهمة بلغت 68 دولارا».
وقد سجل اوباما نتيجة افضل بشكل ملحوظ من منافسه الجمهوري جون ماكين الذي لم يجمع سوى 22 مليون دولار في يونيو وهو رقمه القياسي حتى الان.
لكن المبلغ الاجمالي الذي جمعه فريق اوباما مع حسبان الاموال التي جمعها الحزب الديمقراطي (72 مليون دولار) تبقى ادنى من المبالغ الاجمالية التي حصدها ماكين مع اضافة ما جمعه الحزب الجمهوري (95 مليون دولار) بحسب الارقام التي نشرها الاسبوع الماضي مدير حملة سناتور اريزونا ريك ديفيس.
والقدرة المالية لدى اوباما الذي جمع نحو 340 مليون دولار منذ بدء حملته قبل عام ونيف شجعه على ان يقرر الشهر الماضي تجاوز نظام التمويل العام للحملات الانتخابية.
ويحدد هذا النظام الذي ما يزال ماكين ينشط بموجبه، سقفا للنفقات لا يتجاوز 85 مليون دولار بين تاريخ انعقاد مؤتمر الحزب مطلع سبتمر وموعد الانتخابات في الرابع من نوفمبر.