"كفاية".. "اتخنقنا".. كلُ يهتف على ليلاه
انتعاش موسم الهتيفة في انتخابات مصر


نبيل شرف الدين من القاهرة : يبدو أن ما اصطلح على وصفه بتعبير "النيولوك" الجديد لأول انتخابات من نوعها تشهدها مصر على منصب رئيس الجمهورية لم يفلح في تجاوز الأساليب التقليدية المتجذرة في الشارع السياسي المصري، فعلى الرغم من رؤية مدرس العلوم السياسية د. محمد كمال، الذي يبدو أنه أصبح "جواد السباق" الأبرز الذي تراهن عليه "أمانة السياسات" التي يرأسها جمال مبارك، فكلفته بإعداد تصور والإشراف على تنفيذه لحملة الرئيس حسني مبارك، مرشح الحزب الوطني (الحاكم)، والتي اجتهد بالفعل فيها كمال، وهو من أكثر المقربين لجمال مبارك، لتدشين حملة إعلامية مختلفة عن تلك التي طالما حملت بصمات الحرس القديم، وفي صدارتهم الوزير والبرلماني العتيد كمال الشاذلي، أقدم نائب على وجه الأرض، والتي كانت تنتمي عادة لمدرسة "بالروح والدم" التي أفرزتها حقبة "الاتحاد الاشتراكي" الناصرية، وكانت تتمثل عادة في حشد الآلاف من مؤيدي الحزب في سيارات تتبع مصالح وهيئات حكومية، في مسيرة تهتف للرئيس وتجدد له البيعة، بينما يقف شخص له "سمت خاص"، كأن يكون يرتدي ملابس بلدية تقليدية، أو يحمل الملامح الشائعة لأهل الصعيد أو الريف على نحو بالغ الوضوح، ليقف مردداً "وصلة انفرادية" تتسم عادة بقدر من خفة الظل الممزوجة بالحماس، يقاطع خلالها الرئيس الذي يبدي درجة محسوبة بعناية من الرضا، بينما تتلقف الجماهير الكرة من "الهتيف السوبرانو" ليتحول الأمر إلى احتفالية تبدو عفوية ومرحة، وتكسر حاجز الأداء الرسمي لهذا التجمع الذي يحمل كل من يشارك فيه ـ بدءاً بالرئيس ومعاونيه وصولاً إلى الهتيفة المحتشدين ـ رغبة دفينة في إنهاءه بأسرع وقت ممكن، لكن بالطبع من دون الإخلال بالهدف المتوخى منه، وهو التأكيد على إبراز تلك "الحالة" من "البروباغندا" الشعبية المصرية، التي قد لا تختلف في مظاهرها كثيراً عن الأفراح والموالد وغيرها من الاحتفالات .

لغة جديدة

أعضاء الحملة الانتخابية الراهنة للرئيس مبارك من طراز مختلف، فهم فريق نجله جمال، وهم وزراء وساسة وحزبيون وأكاديميون وصحافيون لا ينتمون إلى حقبة "الاتحاد الاشتراكي"، ولا ينطلقون من مدرسة "الروح والدم"، بل يتصرفون على نحو أقرب إلى السلوك "الظاهري" لفرق المرشحين الغربيين، وخاصة الأميركيين، يرتدون الملابس "الكاجوال"، وإن اضطروا إلى ارتداء الحلل الرسمية، فيحرصون على عدم ارتداء رابطة العنق (الكرافت)، وهو ما جرى إظهاره على نحو لافت في الصورة (الأيقونة) لمبارك في أكثر الملصقات شيوعاً له خلال هذه الحمة، كما يحرص فريق حملة مبارك على استخدام الحواسب النقالة (اللاب توب) في أثناء عرض أفكارهم وأثناء الاجتماعات، وهو ما دشنه أيضاً جمال مبارك، خلال اجتماعات أمانة السياسات التي يرأسها، والتي يتنامى دورها ـ ودوره ـ على نحو لا تخطئه العين خلال الأعوام الماضية .

لكن اللافت في هذا السياق أيضاً تلك اللغة الجديدة والمفردات العفوية التي أفرزتها هذه الحملة الانتخابية، فهي التعبير الأكثر حضوراً وإثارة في برامج المرشحين للرئاسة، وقد كان طبيعياً أن تصنع ظاهرة الانتخابات والحراك السياسي الدائر في مصر نجومها، وتدشن "أيقوناتها" الخاصة المميزة لها، حين أفرزت فن أو حرفة "الهتاف"، وأصبح هناك من يعرف بـ "الهتيف" المحترف، الذي تحمله الجماهير على أعناقها، بينما يرفع عقيرته بشعار منغم رشيق معبر يختزل المعنى الكبير الذي قد يتطلب من المرشح أو السياسي المحترف ساعات لشرحه، إلا أن "الهتيف" يوجزه في بضع كلمات لها جاذبيتها ودلالتها الشعبية، بما قد يستعصي على غير المصريين ملامسة السحر الخاص لهذه المفردات .

المشهد لم يبدأ مع الحركة المصرية من أجل التغيير التي اختزلت اسمها ومطالبها وأهدافها بكلمة واحدة هي (كفاية)، وهو اختزال لا يخلو من عبقرية، وربما يرجع السبب في ذلك إلى أن معظم نشطاء حركة (كفاية) من قدامى المناضلين ومحترفي المعارضة منذ عقود مضت، وبالتالي فقد اكتسبوا خبرات هائلة في "نحت الشعارات"، وهو الأمر الذي حاول حزب "الوفد" اليميني مجاراتهم فيه بتدشين أيقونته التي أثارت جدلاً، بعد أن امتنعت صحيفة (الأهرام) والتلفزيون الحكومي من نشرها كإعلان مدفوع وهي كلمة واحدة "اتخنقنا"، التي سربت أنباء عن تخلي الوفد عنها كشعار لحملة رئيسه نعمان جمعة، إثر تفاهمات مع الحزب الوطني (الحاكم) الذي يرأسه مبارك، وقيل بتدخل شخصي منه .

مواسم الهتّيفة

وشأن كافة الأنشطة البشرية، التي صنعت نجومها، وخلقت "أيقوناتها"، فقد أفرزت المظاهرات فن أو حرفة "الهتاف"، وصار "الهتيف" موضع اهتمام الساسة المحترفين، وقادة أحزاب المعارضة، وقد لفتت هتافات أشهر هتيف مصري، وهو كمال أبو عيطة، نظر صحيفة "العربي" لسان حال الحزب الناصري المعارضة، فجمعت في عدد خاص عن المظاهرات عددا من هتافاته، منذ عهد الرئيس أنور السادات وحتى الآن حسب المواقف المختلفة، وأطلقت عليه لقب "مؤذن الثورة" و"مسحراتي العرب".

ولعيطة وغيره من "الهتيفة" مواسم ينشطون فيها، ويصبحون نجومها بلا منازع، ففي مظاهرات المناوئة للتسوية السلمية مع إسرائيل، بعد توقيع اتفاقية السلام الشهيرة في كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل كان يهتف: "أنور لما كان بيبيع .. جت نهايته في التطبيع" و" أكتب على حيط الزنزانة .. التطبيع عار وخيانة". وعندما وصل أول سفير إسرائيلي إلى القاهرة قام عيطة بتأليف وتلحين هتاف شهير استمر يقال حتى مظاهرات اليوم التي تطالب بطرد سفير إسرائيل، وهو: " يا سفيرهم اطلع بره .. مصر بلدنا هاتفضل حرة".

وبالرغم من التزام الهتافات عادة بحدود اللياقة الاجتماعية وانتقاء الألفاظ التي لا تجرح مشاعر الناس، باعتبارها فعلاً جماهيرياً علنياً لكن أحياناً حدث أن أنتجت قرائح "الهتيفة" عبارات قبيحة، وحدث أن قام شاعر عامية مصري شهير بتأليف شعار يحمل مفردة شعبية قبيحة هي "العرص" وتعني في اللهجة المصرية "القواد"، وخرج حينها الطلبة في الثمانينات يهتفون "يا مناحم يا ابن العرص .. القاهرة مش زي القدس"، في إشارة إلى احتلال إسرائيل لمدينة القدس، وكان الهتاف في مناسبة زيارة رئيس وزراء إسرائيل الأسبق مناحيم بيغين إلى مصر في أثناء مفاوضات السلام بين مصر وإسرائيل، إبان عهد الرئيس المصري الراحل أنور السادات، ويومها يذكر الصحافيون ومتابعو قضية محاكمة هذا الشاعر، مؤلف هذا الهتاف أن تندر عليه القاضي قائلاً له : "إنه كان ينبغي محاكمتك في قضية آداب، وليس أمن دولة"، وحينها أصدر القاضي حكمه ببراءة الشاعر "الهتّيف" الشهير . وكما يقال تندراً .. كل يهتف على ليلاه .