|
سيناريوهات الضربة العسكرية المحتملة لإيران(2/4) دعم دولي لا يستبعد المخاطر على الخليج والعراق
نبيل شرف الدين من القاهرة : تشهد العلاقات الإيرانية الغربية منذ مطلع العام الحالي تدهوراً خطيراً، وقد أدت التصريحات النارية المتبادلة أخيراً إلى ذروة التلاسن السياسي بين الرئيس الإيراني الجديد أحمدي نجاد أبيب وبين الغرب وإسرائيل في السجال الحاد حول المحرقة، الذي تزامن مع إحالة الملف النووي الإيراني على مجلس الأمن إثر موقف مراوغ من قبل طهران في ما يتعلق بأنشطة تخصيب اليورانيوم، إذ تتفاوت التصريحات الصادرة عن مسؤولين إيرانيين تصعيداً وهبوطاً بشكل يبدو مربكاً للمراقبين . فبينما أعلنت إيران أنها لن توقف تلك الأنشطة لأنها لا تنوي استخدامها س
وى في المجالات السلمية، غير أن طهران لا تلبث أن تبادر إلى التهدئة عندما يحتدم الأمر بينها وبين الإدارة الأميركية والغرب، ثم يتطوع أحد المسؤولين من هذا الجانب أو الآخر إلى معاودة إطلاق التصريحات النارية مجدداً كما جرى مؤخراً، وأدى إلى إشعال الأجواء في الشرق الأوسط الملتهب بالأساس، كما فتحت سلسلة التصريحات النارية المتبادلة الباب على مشراعيه أمام تكهنات بزيادة التدهور في العلاقات الغربية الإيرانية إلى حد لا يستبعد معه قطاع من المراقبين إقدام واشنطن على عمل عسكري ضد إيران، مما جعل القلق والتوتر يخيمان على المنطقة المحتقنة .
الخيار العسكري
وفي ضوء هذا التصعيد المستمر الذي تشهده الأزمة الإيرانية الأميركية، فإن التساؤل الملح يكاد ينحصر في ما إذا كانت الولايات المتحدة ستقدم على ضرب إيران في إطار ما تصفه بالمرحلة التالية للحرب ضد الإرهاب حول العالم، وفي هذا السياق يمكن القول إن هناك عدة عوامل تدفع في اتجاه عدم استبعاد حدوث مثل هذه الضربة، حيث يرى مراقبون أن الرئيس الأميركي في حاجة إلى عدو جديد، وتبدو إيران الأكثر جاذبية من بين دول "محور الشر" لتحقيق هذا الهدف، حتى يستمر دعم الرأي العام له في الحرب الطويلة التي بدأها ضد الإرهاب، فضلاً عن إن توجيه ضربة لإيران يصب في اتجاه تنفيذ خطة الحرب على الدول المارقة، كما تبناها بوش في حملته الانتخابية، وهي الخطة التي تستهدف حصار الدول الخارجة على النظام العالمي الجديد، الذي تسعى واشنطن لتكريسه منذ نهاية الحرب الباردة . وبين سلسلة الأزمات التي تتخللها انفراجات محدودة، لا تلبث أن تتراجع تبدو العلاقة بين واشنطن وطهران متوترة بشكل مزمن وجذري، ولعل أول موجات التوتر تلك كانت إثر إعلان واشنطن رفض أي دور لإيران في أفغانستان بعد إطاحة حركة "طالبان"، وهو الموقف ذاته الذي اتخذته أيضاً حيال أي دور إيراني في العراق.
لكن في المقابل تذهب بعض القراءات إلى التأكيد على أن الحملة الأميركية ضد إيران تنحصر في إطار دعائي وربما سياسي يتوقف عند حدود الضغوط فقط، وأنها لا تعبر عن نية أميركية حقيقية لتوجيه ضربة عسكرية لإيران، ويؤسس القائلون بهذا الرأي وجهة نظرهم انطلاقاً من أن الولايات المتحدة لا تملك حالياً الاستعداد العسكري الكافي لتكرار سيناريو العراق مع إيران، كما أن الإدارة الأميركية تعلمت ألا تتجاهل المجتمع الدولي وتتجاوز حلفاءها، كما حدث في المسألة العراقية، وبالتالي فقد وضعت الولايات المتحدة الاتحاد الأورويي في "فوهة المدفع" وتركته ممثلاً في بريطانيا وفرنسا ليتفاوض مع إيران حول ملفها النووي . ويشير خبراء عسكريون استطلعت (إيلاف) آراءهم، منهم اللواء حسين بكر الخبير العسكري المصري، إلى أن هناك عدة اعتبارات ترجح استبعاد الخيار العسكري ، حيث أن تكلفة استهداف إيران لن تكون بسيطة على أصعدة متعددة، فإيران لديها القدرة على إلحاق الضرر بالمصالح الأميركية في الخليج والعراق، ثم إن إقدام الولايات المتحدة على ضرب إيران قد يسبب خسائر كبيرة في الحرب التي أعلنتها ضد الإرهاب، حيث يضع هذا التصعيد الأميركي الشيعة والسنة في خندق واحد .
خيارات الأزمة وتأسيسا على ما سبق استعراضه من الأسانيد التي تعزز فرضية العمل العسكري ضد إيران، أو استبعادها، يمكن اعتبار أن خصوصية العلاقات الأميركية الإيرانية ليست نابعة فقط من التقلب الشديد في مسارها خلال نصف القرن الماضي, بل أن استقراء التصريحات السياسية النارية من الجانبين الأميركي والإيراني الآن لا يعكس تطوراً أو تدهوراً في العلاقات السياسية فحسب، بقدر ما يمكن النظر إليها أيضاً باعتبارها اختباراً جديداً لمدى قدرة واشنطن على قيادة المجتمع الدولي، في مشهد لم يزل قيد التشكل حتى الآن، ويتسم بالسيولة أكثر مما يمكن وصفه بالاستقرار واتضاح كافة معالمه وأبعاده . وبالتالي فإنه من خلال رصد المواقف السابقة، واستقراء كافة معطياتها المتاحة والمعلنة، فإنه يبدو أن القضية النووية الإيرانية ستسير في اتجاهين لا ثالث لهما : الأول: أن تتنازل إيران طواعية عن برنامجها لتخصيب اليورانيوم وتفتح منشآتها النووية لتفتيش المراقبين الدوليين ليتحقق المجتمع الدولي من عدم امتلاكها أو عزمها على امتلاك السلاح النووي، وبذلك تتجنب طهران ـ ولو إلى حين ـ حملات التصعيد الدولي تجاهها، ومحاولات حصارها سياسياً واقتصادياً. الثاني: أن تتمسك إيران بما تراه حقها في تطوير برامجها النووية ومنها تخصيب اليورانيوم وهو ما يعني مباشرة فشل مباحثاتها مع دول الاتحاد الأوروبي، وهو ما حدث بالفعل وأدى إلى إحالة الملف الايراني على مجلس الأمن الدولي الذي لا يستبعد أن يفرض عقوبات اقتصادية لفترة، وفي حالة عدم استجابة إيران للمطالب الدولية فلا يستبعد حينئذ تصعيد العقوبات إلى إقرار العمل العسكري، وهو ما يحقق للولايات المتحدة ما تريده، دون أن تخرج هذه المرة عن إطار الشرعية الدولية كما حدث في العراق . غير أن هناك مراقبين يذهبون إلى التهوين من شأن هذه الأزمة الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة، ويصفنها بأنها من نوع "الأزمات المأمونة" ، استناداً إلى أن الحسابات الأميركية لا تضع إيران ضمن أولويات أهدافها الحالية ، على الأقل في الوقت الراهن .
واشنطن وطهران وبينما اتهم الرئيس الأميركي جورج بوش إيران مراراً برعايتها للإرهاب وبأنها إحدى دول "محور الشر" وبالمقابل وصف النظام الإيراني الولايات المتحدة بأنها "الشيطان الأكبر" وزعيمة "الاستكبار العالمي"، لكن بعيدا عن التصريحات الإعلامية الساخنة وتراث التنافر والعداء السياسي المستحكم بين البلدين يظهر الاقتصاد كعامل جذب بين البلدين اللذين شهدا فترات من التقارب الاقتصادي النشط على مدار ثلاثين سنة ممتدة بين بداية الخمسينيات حتى نهاية السبعينيات، وتجعل هذه الحقيقة العلاقات الأميركية الإيرانية فريدة من نوعها في العلاقات الدولية على مدار نصف القرن الأخير حيث تراوحت بين الصعود في عهد الشاه السابق، وخاصة بعد الإطاحة بحكومة الدكتور مصدق عام 1953 وخلال عقدي الستينيات والسبعينيات والهبوط في المرحلة اللاحقة لانتصار الثورة الإيرانية عام 1979 وفي ربع القرن الممتد ما بين هاتين النقطتين الفاصلتين في تاريخ العلاقات الأميركية الإيرانية اعتقد المراقبون ان هذه العلاقات هي المثال الواجب اتباعه بين القوى الإقليمية والدولية، حيث ظهرت المصالح الوطنية لكليهما في أفضل حالات التناغم والانسجام . إلا أنه بعد الثورة الإيرانية انقلبت العلاقات بين واشنطن وطهران لتصبح علاقات صراع حادة فصارت الولايات المتحدة هي "الشيطان الأكبر" وصارت إيران الدولة "الراعية للإرهاب" وصعدت الولايات المتحدة بإدراج إيران في قائمة الدول الراعية للإرهاب التي تنشرها الخارجية الأميركية فضلاً عن إقرار الكونغرس الأميركي لما عرف إعلامياً باسم "قانون داماتو" الذي يحظر على الشركات الأجنبية الاستثمار في إيران، ولم تكتف واشنطن بذلك، بل جمدت كافة الأرصدة والأصول المالية الإيرانية في الولايات المتحدة، وأوقفت الاتفاقيات مع إيران في كافة قطاعات التجارة وأنشطتها .
|