|
كلا الفريقين غربيا وإيرانيا يلعب بأعصاب المنطقة طهران الملالي من تصدير الثورة إلى الذرّة
نصر المجالي: حين عاد آية الله روح الله الخميني، على متن طائرة محفوفة بأسراب حراسة من سلاح الجو الشاهنشاهي الموالي لآريا مهر رضا بهلوي وريث الأكاسرة في العرف الفارسي بكل تفاصيل الولاء في الحادي عشر من شباط (فبراير) 1979 ، ترقب العالم كله اي قرار ممكن أن يتخذه الملا المنفي الى النجف ثم الكويت وملفوفا بعباءة نحو تركيا والى ضاحية باريسية تفجرت منها الثورة،، وفي المقابل كانت طهران تعج بالمظاهرات الشعبية وأعمال الاضطرابات داعية إلى إسقاط حكم الامبرراطور البهلوي محمد رضا شاه الذي كان يطمح إلى أن تكون إيران خامس أقوى قوة في العالم. وعاد الخميني وانكسر عرش الأكاسرة، كما انكسر في مرة أولى حين البعث النبوي المحمدي حسب ما توارد في كلام عن النبؤة الأولى بعهد محمدي إسلامي جديد قبل أربعة عشر قرنا، وكان أن تصدع عرش كسرى إيذانا بفجر عالمي جديد قاده القرشي محمد بن عبدالله رسولا وإماما للناس كافة. .
وفي يوم عودة الخميني الذي زعماً قيل إنه قاد الثورة من الخارج من بعد منفاه نحو النجف العراقية بتزكية من آيات الله عظمى العام 1963 حيث لم يكن الخميني إلا تلميذا مجتهدا في مراتب العلم في مدارس الحسينيات المعروفة، ارتجف كثيرون من آيات الله الكبرى في العودة الكبرى للإمام غير المثير حاصدا أمجاد كل ثورات آيات الله الكبرى وتفاهماتهم مع الحكم البهلوي الزائل وتطبيقات دستور العام 1906 بين القوى الدينية والحكم الذي تنكر له الخميني على التو من عودته منتصرا .
وحين عاد الخميني في باط (فبراير) 1979 بقي الخبراء الأميركيون العسكريون يزاولون مهماتهم بقيادة الجنرال هوايتزر الذي كان أوفد من قبل إدارة الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر لترتيب وضع الجيش الإيراني سواء بسواء مع حقوق الإنسان وظل الجنرال الأميركي قائما بأمره في ظل حكم الإمام الآتي من المنفى لأسابيع عديدة.
ولم يطرد حكم الخميني الجديد الذي وضعه بيد الملالي من أنصاره ومنح ألقاب "آية الله" لعشرات من رجال الدين في مدن إيران "المقدسة" متحديا آيات الله العظام ممن قاوموا شاه إيران المنهار نظامه، أولئك الخبراء والعسكريون الأميركيون الذين كانوا متعهدين بتطوير الجيش الإيراني ليكون القوة الخامسة في العالم.
ومن بعد أن استقر الوضع لآية الله الخميني "الذي كان بمرتبة مجتهد حسب الدراسات الاكاديمية في الحسينيات" وحيث كفل الاعتراف بحكومته الجديدة التي اقامها من مدرسة الفيضية في جنوب طهران "حيث المناطق الشعبية الفقيرة في عاصمة آل بهلوي" من عواصم عالمية كثيرة ومنها غربية، بدأ الإمام المتفرد بالسلطة مع حشد من الملالي "وهم جلّ أغنياء طهران" اتخاذ القرارات إما عنوة بالسيف والمقصلة وإما رضاء تنازلا من أصحاب الحق الشرعيين دستورا وقضاء وفقهاً.
إيران كانت واحة أمن واستقرار لعقود خلت من بعد النظام العالمي الذي تلا الحرب العالمية الثانية التي رتبت الخرائط وفق منهج الكبار المنتصرين،، وفي عهدها الشاهنشاهي لأربعين عاما خلت كانت تعمل في اطار المنظومة العالمية، وكان الشاه يسعى لتكون إيران خامس قوة في العالم، مرهبا بذلك جيرانه العرب الغربيين.
هذه القوة الرهيبة كانت مصدر خشية للغرب حليف الشاه الذي لم يجد بدّا الا اطاحة الحليف، فأثار ضده عش الدبابير المتمثل في آيات الله العدو التاريخي لاسرة بهلوي، وكان ان شهد العامان 1978 و1979 ثورة عارمة وهوى عرش الطاووس في شباط (فبراير) 1979 واعتلى سرج الحكم الخميني مقيما دولة جديدة تحت اسم الجمهورية الاسلامية في ايران.
ومن بعد ان صفى جميع مناهضيه من انصار الشاه السابق والاحزاب العلمانية واليسارية، تفرغ الخميني بعد ان اختط مبدأ ولاية الفقيه للحكم، الى التطلع نحو جيرانه في الخليج العربي، وصار يدعو جهارا نهارا الى تصدير الثورة.
وهو بذلك يكمل مشوار الشاه ومطالبته بالسيادة على دولة مستقلة مثل البحرين العضو في الامم المتحدة، فضلا عن التدخل السافر تحت شعارات الدين في دول الجوار الأخرى، وطالب بالغاء تسمية الخليج العربي، ورغم الزعم بان الجمهورية محض اسلامية، الا ان الخميني أصر على تسمية الخليج بالفارسي، كما انه رفض حتى تسميته بالخليج الاسلامي كحل وسط.
ظلت ايران في عهد الخميني وخلفائه والى اللحظة مصدر تهديد لكل منطقة الشرق الأوسط، مرة باثارة النعرات الطائفية وأخرى بالتهديد العسكري واثارة الاضطرابات ودعم الحركات المتشددة، سواء كات دينية او علمانية. وهي تبنت نيابة عن العالم الاسلامي الجهاد ضد الطواغيت والشيطان الأكبر (اميركا) وحليفته اسرائيل التي اغلقت سفارتها واهدت مبنى السفارة لمنظمة التحرير الفلسطينية.
ومنذ نهاية الحرب العراقية ـ الايرانية العام 1987 التي حصدت ارواح مليونين من البشر في الجانبين، فان طهران بدأت تحصيل برنامج لأسلحة الدمار الشامل، وظلت جميع المحاولات والابحاث سرية، إلى أن فرغت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون من حكم صدام حسين الذي قدم خدمات هائلة للغرب في لجم الجار الايراني، فإن بوصلة هؤلاء الحلفاء اتجهت شرقا الى ايران وكشفت شبكات الاقمار الاصطناعية الخاصة بالتجسس في العام 2003 أن ايران اقامت منشآت نووية.
وتقول المعلومات ان خمسا من تلك المنشآت تتوزع على الاراضي الايرانية، لكن اخطرها منشأة بوشهر المطلة على مياه الخليج، ورغم النفي الايراني آنذاك بعدم وجود مثل هذه المنشآت واعترافها انها تسعى الى تحصيل طاقة للاغراض السلمية، الا ان موفدين من وكالة الطاقة الذرية زاروا عددا من تلك المنشآت اثبتوا في تقارير لهم ان طهران تسعى فعلا إلى تحصيل اسلحة دمار شامل.
وعلى مدى ثلاثة اعوام بدأ الصراع يتخذ منحى جديدا مع الولايات المتحدة التي ظلت تلوح بعمل عسكري ضد ايران، الا ان الامم المتحدة قامت بدور الوسيط منتدبة ثلاث دول اوروبية هي فرنسا والمانيا وبريطانيا التي اعادت علاقاتها مع طهران بعد انقطاع استمر عشرين عاما، ولم تتوصل جلسات عديدة مع الجانب الايراني الذي ظل يماطل في الكشف عن منشآته النووية.
ومنذ العام الماضي، بدأت ايران تتحدث علنا عن تخصيب مادة اليورانيوم، الأمر الذي دعا الخبراء في الغرب الى القول ان ايران على وشك انتاج قنبلة ذرية معتمدة في ذلك على مساعدة من الصين وروسيا وكوريا الشمالية وخبرات علماء من باكستان.
وفي آخر اجتماع للوكالة الدولية للطاقة في فيينا تمت احالة ملف ايران النووي إلى مجلس الامن، الذي سيبحث الملف في الشهر المقبل، وسط تهديد بفرض حصار اقتصادي ودبلوماسي شامل على ايران، ولكن الصين وروسيا تعارضان أي اجراءات من هذا النوع، فبدأت روسيا بتبني الموقف الايراني فضلا عن عرضها القيام بنقل برنامج تخصيب اليورانيوم الى الاراضي الروسية.
وتفيد تصريحات نقلت خلال اليومين الماضيين عن رئيس الوفد الإيراني الموجود في موسكو لعقد محادثات حول برنامج طهران النووي، إن اقتراحا بنقل برنامج تخصيب اليورانيوم الذي تحتاجه إيران إلى الأراضي الروسية، لا صلة له بمطالبة إيران بإعادة وقف نشاط التخصيب.
وقال علي حسيني تاش، الذي يشغل منصب مساعد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي للشؤون الاستراتيجية في إيران: "المفاوضات مع روسيا غير مرفقة بأي شروط مسبقة" وفق ما نقلته وكالة أسوشيتد برس.
وأضاف المسؤول الإيراني أن لا صلة هناك بين إعادة تعليق نشاط تخصيب اليورانيوم والمحادثات المقترحة من قبل روسيا.
وربما تشكل المفاوضات التي بدأت امس الاثنين بين روسيا وإيران لمناقشة حل وسط، آخر فرصة لنزع فتيل الخلاف الدائر حول البرنامج النووي الإيراني قبل أن تسعى الحكومات الغربية إلى فرض عقوبات على طهران.
ومن المتوقع أن تجتمع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في السادس من آذار (مارس) المقبل، وهو ما يمهّد لانطلاق سلسلة من التحركات قد تؤدي إلى فرض عقوبات دولية.
وكان وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف قال الأسبوع المنصرم إن الاقتراح الروسي مشروط بتخلي إيران عن نشاطات تخصيب اليورانيوم، بما فيها الجهود إزاء ذلك على نطاق محدود والتي كانت طهران بدأتها الأسبوع الفائت.
وتعرض موسكو تخصيب اليورانيوم الذي تحتاجه إيران لمحطات الطاقة النووية في الأراضي الروسية، وهو ترتيب يساعد على تخفيف حدة المخاوف الدولية من احتمال ان تستخدم طهران هذه المادة في صنع قنابل نووية. يشار الى أن الولايات المتحدة تصر على الدوام على القول إن التكتيك الذي تمارسه ايران يمثل مشكلة حقيقية وجدية للأمن الاميركي وامن المنطقة بأكملها، ولهذا فان ملف ايران يأتي على رأس اولويات محادثات وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس في جولتها الحالية التي تشمل مصر والمملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة.
وكانت الولايات المتحدة اسقطت في اواسط السبعينات حكومة ذو الفقار علي بوتو، وهي في مهدها، بواسطة انقلاب عسكري مدبر، وكان الملف النووي الباكستاني - الفرنسي بين اهم الذرائع التي سهلت العملية.
صحيح ان باكستان اصبحت فيما بعد قوة نووية اقليمية، لكن ذلك لم يتم الا برعاية اميركية سواء في مرحلة سياسة ردع البرنامج النووي الهندي المتحالف مع الاتحاد السوفياتي سابقا، او في مرحلة الاحتواء المزدوج لكل من الهند وباكستان في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
وفي اوائل الثمانينات هاجمت طائرات حربية اسرائيلية مفاعل تموز العراقي في بغداد لتبدأ اولى الاشارات المبكرة جدا الى "الشرق الاوسط الاسلامي" حيث ترى الولايات المتحدة ان لامجال الا لقوة نووية واحدة هي اسرائيل (اكملت تل ابيب بناء قلعتها النووية عام 1967 تحت الارض بسبعة او ثمانية مستويات وهي تملك 200 رأس نووية، وكان يكفيها عشر قنابل من عيار ميغا طن لمسح عواصم العالم العربي. لكن اسرائيل تصر دائما أن قوتها الذرية للردع فقط.
وأخيرا، فإن البرنامج النووي الايراني مثير للجدل وهنا تكمن حيرة العالم في شأن الطموح الايراني والسؤال هو هل حقا قطع شوط التحضير الايراني ووصل الى مرتبة الانجاز ام ان المسألة ما زالت تستوجب الحيطة والحذر؟ وهل ايران فعلت تماما مثل اسرائيل حيال تسلحها النووي طوال نصف قرن اذ تتسلح سرا وتنفي ذلك في العلن، وتستخدم ورقتها النووية كورقة ضغط وردع ضمنا فيما هي تصرح علنا بأنها غير راغبة في ممارسة لعبة الرعب النووي في الشرق الاوسط؟ ويبقى التساؤل هل يجرؤ الاسرائيليون على تكرار سيناريو مفاعل تموز العراقي 1981 وهل يمكن تدمير مفاعل بوشهر وبقية المنشآت النووية الايرانية من دون اعتراض الروس البناة او الصين الشعبية الشريك الاقتصادي لها في هذا الملف تحديدا؟.
|