تردد فرنسا يعيق العروض للمشاركة في اليونيفيل
الجيش اللبناني يواصل انتشاره في جنوب لبنان
بيروت، الخيام (لبنان): برز في الساعات الأخيرة من يوم أمس تردد فرنسي في الانخراط في القوة الدولية المزمع تشكيلها في لبنان، ما أثار مخاوف على مستقبل المرحلة الرابعة العملانية من القرار 1701 والمتصلة بانتشار نحو 15 الف جندي من القوات الدولية (اليونيفيل) لمؤازرة الجيش في مهماته، بعد بدء تنفيذ المرحلة الثالثة منه وانتشار وحدات من الجيش اللبناني أمس بالتوازي مع الانسحاب الاسرائيلي في أنحاء واسعة من منطقة جنوب الليطاني. ويستكمل الجيش اللبناني اليوم انتشاره غير المسبوق وصولا الى الخط الأزرق، إذ تمركز في بلدة الخيام، أبرز بلدات القطاع الشرقي وتبعد نحو سبعة كيلومترات عن بلدة المطلة الإسرائيلية، فيما تلقت الأمم المتحدة عروضاً لارسال لاتزال غير كافية من عدة دول لارسال القوة الدولية "المعززة" المزمع تشكيلها والتي أعلن قائد قوات الطوارئ الدولية آلان بلليغريني ان دفعتها الاولى ستصل إلى لبنان بداية الاسبوع المقبل.
ترحيب أميركي وفرنسي بانتشار الجيش
وتمركزت عشر شاحنات وناقلات جند مؤللة من اللواء العاشر في مدرسة الخيام التي حاول الجيش الاسرائيلي عبثا ومرات عدة دخولها وشهدت قصفا عنيفا ومواجهات ضارية مع مقاتلي حزب الله. وكان الجيش اللبناني بدأ امس انتشاره.
ورحبت واشنطن، أمس، ببدء انتشار الجيش اللبناني في الجنوب في اطار تنفيذ القرار الدولي رقم 1701 ليصل الى مناطق في جنوب لبنان الذي فقد سيطرته عليها منذ عقود، معتبرة أن الحكومة اللبنانية "التزمت" بسط سيطرتها على كامل أنحاء البلاد، محذرة من قرار دولي جديد، أو عبر "تخطيط مشترك"، لإجبار حزب الله على نزع سلاحه إذا لم تستطع الحكومة اللبنانية ذلك. وقال المتحدث باسم البيت الأبيض طوني سنو إن الإدارة الاميركية لا تتوقع نتائج "بين ليلة وضحاها"، إلا انه أوضح أن "من المهم الإشارة إلى أن الحكومة اللبنانية التزمت باستعادة السيطرة على كامل أنحاء البلاد، وذلك يشمل نزع سلاح حزب الله". وعبر عن ثقته بتصميم الحكومة اللبنانية على احترام الالتزام بنزع سلاح حزب الله.
واشادت فرنسا ببدء الانتشار ووصفته بانه "خطوة ذات دلالة" كما حيت "الانسحاب الذي نفذه الجيش الاسرائيلي دون تأخير"، كما قال ديني سيمونو مساعد المتحدث باسم الخارجية الفرنسية.
إيطاليا
من جانب آخر، جاء في بيان رسمي ان رئيس الحكومة الايطالي رومانو برودي تلقى من نظيره اللبناني فؤاد السنيورة ضمانات حول التزام حزب الله بالتعاون مع قوات الامم المتحدة التي ستنتشر في جنوب لبنان. واكد البيان ان السنيورة ابلغ برودي ان "الجيش اللبناني سيبدأ بالانتشار في جنوب نهر الليطاني واكد له ان حزب الله وافق على التدابير التي ينص عليها القرار 1701 وهو سيتعاون مع قوات الامم المتحدة".
القوة الدولية
وتلقت الأمم المتحدة الخميس عروضاً لارسال جنود الى القوة الدولية المزمع تشكيلها في لبنان، لكن ما زال يتعين عليها القيام بمزيد من الجهود لتشكيل طليعة هذه القوة من 3500 رجل ترغب في نشرهم سريعا، كما اعلن الامين العام المساعد للامم المتحدة مارك مالوك براون. وقال براون في تصريح صحافي ادلى به في ختام اجتماع استمر حوالى ثلاث ساعات بين خبراء الامم المتحدة ومندوبي 49 بلدا يحتمل مشاركته في القوة الموسعة للامم المتحدة في لبنان - المنصوص عليها في القرار 1701 - إن "المسألة قيد الدرس"، مشيرا الى أن الأمم المتحدة تسلمت عروضا كثيرة بعد ظهر يوم امس والبعض الآخر مشروطا بدرس متأن لمضمون عملية القوة المقبلة. واوضح براون ان حوالى ثلث 23 بلدا تحدث خلال الاجتماع، طرح "مقترحات حازمة نسبيا"، وان ثلثا آخر قدم "عروضا مشروطة"، اما الثلث الاخير فأبدى "كثيرا من الحذر". ورفض تسمية هذه البلدان.
وكان الهدف من الاجتماع تحديد مجالات الالتزام بالقوة المقبلة للمساهمين المحتملين الذين يرغب البعض منهم مثل فرنسا الحصول على ضمانات حول سلامة جنودهم قبل اعلان التزامهم. وقال مالوك براون انها قوة "جيدة التجهيز وقوية" ولكنها غير "هجومية". واضاف ان المنظمة الدولية تقترح قواعد التزام "تتضمن استخدام القوة لمنع استعمال المنطقة المقررة لانتشار قوة اليونيفيل لاغراض عدائية (...) ولمساعدة الحكومة اللبنانية على ضمان امن حدودها ومنافذ دخول اخرى". وتابع "ان اليونيفيل ستكون هناك لارساء السلام في حين يجري العمل على حل سياسي طويل الامد" مضيفا ان الحل لانهاء هذا النزاع "ليس عسكريا بل سياسيا".
تراجع فرنسي ونمساوي ومساهمة ألمانية
لكن خطط نشر سريع لجنود الامم المتحدة الاضافيين في جنوب لبنان منيت بانتكاسة عندما تراجعت فرنسا عن توقعات لقيادة طليعة تتألف من 3500 جندي اضافي كانت الامم المتحدة تأمل في نشرهم في غضون اسبوعين. واعترف براون بأن الامم المتحدة شعرت "بخيبة امل" لأن فرنسا التي كانت تعول عليها المنظمة الدولية لتشكل العمود الفقري للقوة، لم تقدم سوى 200 رجل سيضافون الى 200 جندي فرنسي في قوة الامم المتحدة حاليا. لكنه اشار الى ان باريس لم تقل على الارجح بعد كلمتها الاخيرة ووعدت ايضا بالابقاء على ال 1700 رجل في عمليتها باليست لدعم قوة الامم المتحدة.
أما النمسا، فقد أعلنت أمس على لسان وزير خارجيتها أنها لن ترسل المزيد من القوات للمشاركة إلى جنوب لبنان من دون الكشف عن سبب الرفض. الا ان مصدرا مطلعا في وزارة الخارجية النمساوية لم يستبعد أن يكون هذا الموقف قد اتى على خلفية مقتل أربعة من القوات الدولية بينهم ضابط نمساوي خلال غارة اسرائيلية على موقع لهم في جنوب لبنان خلال الحرب التي حصلت هناك وانتهت منذ ايام قليلة.
من جهته، اعلن سفير المانيا في الامم المتحدة توماس ماتوسيك استعداد برلين لتقديم مساهمة تتكون من سفن بحرية قادرة على مراقبة كامل السواحل اللبنانية لمنع تهريب الاسلحة، وعناصر برية للقيام بدوريات على الحدود اللبنانية-السورية. واضاف قائلا بعد اجتماع في مقر الأمم المتحدة للدول المهتمة بدعم تعزيز قوة المنظمة الدولية لحفظ السلام في لبنان "قد نعرض أيضا تقديم عناصر للقيام بدوريات برية بمحاذاة الحدود السورية". وقال ماتوسيك ان العرض مرهون بموافقة البرلمان الالماني.
وفي سياق متصل، قال دبلوماسي طلب عدم الكشف عن هويته إن كلا من بنغلاديش واندونيسيا وماليزيا والنيبال عرضت ارسال كتيبة على الاقل وان الدنمارك عرضت ارسال سفينتين حربيتين. وذكر ان ايطاليا واسبانيا ومصر والمغرب وبلجيكا اوضحت انها تدرس الوضع قبل اتخاذ اي تعهد.
واعلنت الحكومة النرويجية انها على استعداد لارسال اربعة زوارق من قاذفات الطوربيدات.
المطار يستأنف حركته الملاحية جزئياً
واستأنف مطار بيروت الدولي حركته الملاحية بشكل جزئي، أمس، حيث استقبل ثلاث طائرات تجارية لشركة طيران الشرق الاوسط (ميدل ايست) والخطوط الملكية الأردنية (عالية)، آتية من مطار عمان الدولي، بالإضافة إلى طائرة لشركة (بريتيش إيرويز) البريطانية آتية من لندن.
وحملت الطائرة اللبنانية على متنها 78 راكبا، فيما حملت الأردنية 20 راكبا. أما الطائرة البريطانية فقد وصل على متنها 32 شخصا في زيارة إلى لبنان لمدة 48 ساعة، بالإضافة إلى مساعدات إنسانية. وتنشط اعمال اصلاح الاضرار التي لحقت بالمدارج تمهيدا لاستئناف حركة المطار العادية بشكل كامل.
في المقابل، افاد مصدر عسكري اسرائيلي ان الحصار الجوي المفروض على لبنان يبقى ساريا رغم هبوط الطائرتين المدنيتين في مطار بيروت. وقالت ناطقة باسم الجيش الاسرائيلي ان "القيود ستبقى مفروضة طالما اننا لم ننقل المناطق الخاضعة لسيطرتنا للقوات التي ستنتشر هناك". وحث المفوض الاوروبي لشؤون المساعدة الانسانية لوي ميشال اسرائيل على رفع حصارها عن لبنان المفروض منذ شهر.
رد ثلاثي على خطاب الأسد
على الصعيد السياسي، اقترن انتشار الجيش في الجنوب بيوم "ناري" من الردود اللاذعة على خطاب الرئيس السوري بشار الأسد، وجاءت هذه الردود بوتيرة متلاحقة في خطاب لرئيس كتلة "المستقبل" النيابية سعد الحريري ومؤتمر صحافي لرئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط وبيان اصدرته قوى 14 آذار الخميس عقب اجتماع لاركانها مساء الاربعاء لم يكشف.
وفي هجوم حاد غير مسبوق على الاسد، اتهم الحريري الرئيس السوري بـ"نكران الجميل للعرب والتحريض على الفتنة في لبنان"، واصفاً قصر المهاجرين بانه "قصر المتاجرين" لان الرئيس السوري "اراد ان يكون شريكاً مضارباً للبنانيين في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي وحبذا لو ان هذه الشركة استطاع ان يمارسها على جبهة الجولان المحتل". واذ حرص على التوجه الى "الشعب السوري السند الأول لاخوتكم في لبنان"، اعتبر ان "النظام في سوريا يتاجر بدماء اطفال قانا واطفال غزة واطفال بغداد ليستدرج الفتنة الى لبنان وفلسطين والعراق".
وليس بعيداً من هذه الاتهامات ذهب جنبلاط الى وصف الرئيس السوري بـ"المجرم الكبير" متسائلاً: "أليس هناك من مقاومة الا على أشلاء لبنان وأهل الجنوب لتحسين شروط التفاوض مع اميركا؟". وقال ان الاسد "يريد ان يفرض علينا انقلاباً سياسياً في الداخل يسقط الحكومة كي يتجنب المحاسبة من خلال المحكمة الدولية". لكن جنبلاط خصص الحيز الاكبر من مؤتمره الصحافي لتوجيه سيل من الاسئلة "المصيرية والجوهرية" الى الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله. وقد "أمطر" نصرالله بعشرات الاسئلة عن موقفه من الطائف واتفاق الهدنة مفنداً مواقفه في رسائله المتلفزة خلال الحرب ومشيراً الى "تشكيك" نصرالله في الدولة. وحذّر من انه "اذا لم نتفق على صيغة نهائية في تثبيت الطائف واتفاق الهدنة واستيعاب المقاومة في الجيش، فنحن ذاهبون الى المجهول".
أما قوى 14 آذار فأسفت "لمحاولات الرئيس الأسد الدائمة ان يبني انتصارات وهمية لنظامه على دماء شهداء لبنان وكأننا خلقنا فقط لنخدم مصالحه وتحالفاته الاقليمية على حساب الشعب اللبناني".
... ورد على الرد
موقف حزب الله عبرت عنه مساء امس قناة (المنار) في مقدمة نشرة الاخبار فوصفت ما يجري بأنه "تصفية حساب مع المقاومة وشعبها وحلفائها ومناصريها تحت حجج وادعاءات واهية، فيما السبب الحقيقي لا يَخْفَى على أحد".
وسألت "المنار": "لماذا هذا الطعن في الظهر والانقلاب على النصر؟ ألأنَّ اسرائيل ومِنْ خلفِها الولايات المتحدة بكل إمكاناتها العسكرية والسياسية فشلا في إلحاق لبنان بالمشروع الاسرائيلي الاميركي المسمَّى بالشرق الأوسط الجديد؟". لماذا هذا الانقلاب على النصر واستكمال العدوان؟ ألأنَّ أحداً كان ينتظر ويستعد منذ أشهر طويلة ان تعتديَ اسرائيلُ على لبنان وتدمِّرَه وتهزمَ المقاومة وتنزعَ سلاحها وتنفِّذَ القرار 1559 بالدم والدمار والحديد والنار وتقلبَ معها موازين القوى الداخلية، فلمَّا هُزمت اسرائيلُ هزيمةً منكرة وخرجت ذليلةً صاغرةً ساءت وجوهُهُم وضاعت أحلامُهم وخابت آمالُهم وسقطت مشاريعُهم؟ وأضافت: لماذا هذا الانقلاب على النصر؟ ألأنَّ اللبنانيين لا يريدون سوى العزة والكرامة والمجد والفخر، فيما لا ترتضي القِلَّةُ القليلة سوى الذل والتبعية وفتات الموائد غير العامرة إلاَّ بالعار على طاولة السفارة الاميركية؟