موسكو: أدت الحملة العسكرية في لبنان الى تغيير ميزان القوى في المنطقة وكنتيجة لذلك ظهور صورة سياسية جديدة للشرق الأوسط. ويتحدث عن ذلك من جهة السياسيون الإسرائيليون والأميركيون ومن جهة أخرى الرئيس السوري بشار الأسد والكثير من ممثلي العالم الإسلامي. والشرق الأوسط يتغير فعلا ولكن كيف؟
كانت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس قد صرحت في بداية الحرب بين إسرائيل وحزب الله بأن التسوية بين لبنان وإسرائيل يجب أن تصبح مفتاحا لإنشاء "الشرق الأوسط الجديد" الخالي من نفوذ أية حركات متطرفة. أي بالدرجة الأولى بدون حزب الله وحركة حماس الفلسطينية. وأعلن الرئيس الأميركي جورج بوش بعد انتهاء الحملة العسكرية أن الحرب في لبنان أدت الى هزيمة حزب الله.
ولكن هذه الحركة كما يبدو من تصريحات قادتها لا تعترف بهزيمتها بل أنها تدعي بدور سياسي واجتماعي في لبنان أكثر وزنا. ولا يبقى أمام قوى البلاد السياسية إلا تقدير الحركة حق قدرها. وأشار وزير الدفاع اللبناني إلياس المر الى أن العسكريين اللبنانيين سيأتون الى الجنوب "لا لنزع سلاح حزب الله بل لحماية البلاد وتعزيز انتصار المقاومة اللبنانية". وأضاف أيضا أن "دور الجيش اللبناني سوف ينحصر في ضمان أمن المواطنين بمن فيهم أفراد المقاومة".
ووسائل الإعلام العربية مليئة بالمقالات عن انتصار حزب الله على إسرائيل علما بأن أية دولة عربية لم تتمكن من ذلك حتى الآن. وذكر الرئيس السوري بشار الأسد "أن النجاحات الكبيرة التي أحرزتها المقاومة الإسلامية بشخص حزب الله قد غيرت وجه المنطقة. وفشلت نوايا الولايات المتحدة لإنشاء "الشرق الأوسط الجديد" وفقا للسيناريو الأميركي". وهذا هو الواقع إذ أظهر حزب الله أن من الممكن مواجهة ليس فقط إسرائيل بل والولايات المتحدة أيضا.
وقال المستشرق الروسي فلاديمير أحمدوف في حديث مع وكالة نوفوستي "إن من الصعب للغاية اليوم الحكم على أن حزب الله منظمة إرهابية عندما يحظى بدعم أغلبية سكان وسلطات لبنان وعندما ترفرف رايات الحركة وترفع فوق رؤوس المتظاهرين الكثيرين في بلدان الشرق والغرب صور الشيخ حسن نصر الله. ولكننا إذا واصلنا الإصرار على أن حزب الله مع ذلك منظمة إرهابية يتعين علينا الاعتراف أيضا بواقع أن الإرهابيين انتصروا في الحرب. ويطرح السؤال التالي نفسه آنذاك: من أجل أي شيء جرت الحرب في أفغانستان ثم في العراق وتثار حملة ضد إيران. هل من أجل مكافحة الإرهاب الذي هو الشعب نفسه؟
ويرى فلاديمير أحمدوف أن حزب الله أثبت حيويته العسكرية والسياسية والإعلامية. وأهم مهمة بالنسبة للحركة الآن ليس محاربة إسرائيل بل تعزيز نفوذها في لبنان. ومن أولويات أعمال المنظمة الآن تقديم المساعدة المادية لضحايا الحرب والتعاون مع السلطات في إزالة آثارها. وبهذا الشكل بالذات يستطيع حزب الله الآن توسيع نفوذه في البلاد وتعزيز مواقعه في مؤسسات الدولة بما فيها الجيش.
ويحرز أهدافا مماثلة العديد من الحركات الإسلامية في بلدان الشرق الأوسط الأخرى. وتعتمد شعبيتها على فكرة العدالة الاجتماعية القريبة بالأخص الى السكان العرب الفقراء. ولهذا يشكلون منافسة شديدة بالنسبة للعديد من الأنظمة الحاكمة. إن الحرب في لبنان لم تؤد إلا الى تعزيز مواقع الحركات الإسلامية.
وتعتبر هذه النزعات كلها دليلا ملموسا على أن الشرق الأوسط يصبح مختلفا. ولا يستطيع أحد اليوم في هذه المنطقة بما في ذلك ممثلو أكثر الحركات الإسلامية راديكالية وخاصة عندما تصبح علنية في مؤسسات السلطة أن يأمل بشكل جاد في أنه سيتم محو دولة إسرائيل من على الخارطة. وفي الوقت ذاته أظهر مثال الحملة اللبنانية الأخيرة مرة أخرى وأنه يتعين على إسرائيل والغرب والأنظمة العربية "المعتدلة" قبول واقع أن الحركات الراديكالية الإسلامية مثل حزب الله وحماس جزء لا يتجزأ من سياسة الشرق الأوسط. ولا يمكن تجاهلها.
ويوجد هنا طريقان: إما السعي الى القضاء على هذه الحركات كليا وهذا غير ممكن كما تظهر الممارسة، أو الاتفاق والعيش بوئام معها.
*بقلم معلقة وكالة نوفوستي السياسية ماريانا بيلينكايا