ليس مهماً كيف تفسر الأمر, فالتحذير الذي صدر عن تقييم الاستخبارات الوطنية بأن الحرب في العراق أنتجت مزيداً من الإرهاب يمثل مشكلة كبرى للرئيس بوش وحزبه في عام الانتخابات هذا. فهو يصب في صميم مناقشات بوش وجداله حول احتلال العراق, الذي اعتقد أنه سيجعل من أميركا مكاناً أكثر أمناً.

وكما جاء في مقال ديفيد إغناتيوس في صحيفة واشنطن بوست فإن عدداً من الديمقراطيين يتصرفون وكأن هذا التحذير نهاية النقاش, ويعتقدون أن الاحتلال الذي أسيئت إدارته أنشأ أرضاً خصبة للإرهابيين, ولذلك علينا الانسحاب وترك العراقيين يرتبون ما حدث من فوضى. ويبدو بعض نقاد الحرب المتشددين الحانقين على بوش متلهفين لخسارة أميركا لكي يثبتوا وجهة نظرهم السياسية.

لكن القضية التي أثارها تقييم الاستخبارات الوطنية يحيط بها الغموض أكثر مما يحيط باللعبة السياسية المحلية. رعى العراق جيلاً جديداً من الإرهابيين, لكن السؤال هو ما الذي ينبغي فعله حيال هذا الخطر. كيف يمكن للأميركيين أن يمنعوا العراق من أن يصبح ملاذاً آمناً للإرهابيين الجدد الذين سيخططون لهجماتٍ على مستوى 11/9 تقتل الآلاف من الأميركيين؟ كيف نُرجع الاستقرار إلى الشرق الأوسط الذي اختل توازنه بصورةٍ خطرة بسبب الحماقات الأميركية في العراق؟

ينبغي أن تكون هذه اللحظة المناسبة للديمقراطيين, إن كانوا يستطيعون ترجمة الغضب الشعبي من العراق إلى استراتيجية عقلانية للمستقبل. ومع بعض الاستثناءات بين الديمقراطيين, فالغالبية منهم يتجنبون الإجابة عن السؤال الصعب: ما هي الخطوة القادمة؟ إنهم يتصرفون وكأن جميع الإرهابيين الذين يكرهون أميركا سيتلاشون ويعودون إلى رمال مقاطعة الأنبار في حال سحبت الولايات المتحدة قواتها, وليست هنا المشكلة. مشكلة العراق أنها خطأ يصعب إصلاحه.

يجدر بالديمقراطيين أن يعلموا أنه ما من دولة في الشرق الأوسط, باستثناء إيران, تفضل أن تعجل الولايات المتحدة بانسحابها من العراق. ويكمن السبب في إجماع المنطقة على ذلك هو أن الانسحاب الآني قد تتولد عنه نتائج كارثية تنصب على أميركا وحلفائها. ومع ذلك, يبقى الانسحاب الإستراتيجية التي نسمعها من معظم الديمقراطيين في الكونغرس, سواءً أسموها quot;إعادة انتشار استراتيجيquot; أو شيئاً آخر.

أتمنى أن يُطرح على الديمقراطيين (والجمهوريين, في هذا الأمر) هذا السؤال: كيف نمنع العراق من أن يصبح دولة فاشلة؟ يقول كثير من نقاد الحرب أن الأسوأ قد حصل, وأن العراق تفكك حالياً. وللأسف, فمع حجم الكارثة التي حصلت, يمكن للأمور أن تزداد سوءاً. وإذا اتبعنا نهج الانسحاب السريع للقوات الأميركية فقد تضطرم نيران الحرب الأهلية في العراق, مع انتشار العنف السني-الشيعي الذي تمتد آثاره عبر الحدود إلى المنطقة بأسرها. وقد يصل الخطر إلى إمدادات النفط في هذه الفوضى, ليصل سعر البرميل الواحد إلى أكثر من 100 دولار. وستتدخل كل من تركيا وإيران والأردن لحماية مصالحها. كان جيمس فالوز قد عنون مجموعة مقالاته التي تحذر من حرب العراق بـ quot;أعمى في بغدادquot;. ما يجدر بنا هو ألا نضاعف الخطأ بأن نصبح quot;عميانًا في بغدادquot; أيضاً.

كان السيناتور جوزيف بايدن هو الديمقراطي الذي حاول جهده للتفكير في تلك المشكلات. إذ يعتقد أن حكومة الوحدة الوطنية الحالية لم تنجح في توحيد العراق, وأن على أميركا في المقابل أن تطبق quot;مزيداً من الفيدراليةquot; تمكن العراقيين من نقل السلطة إلى المناطق الشيعية والسنية والكردية. ويقول بايدن إن ما يُصوت له العراقيون حالياً هو الحلول الطائفية, وأن أميركا لن تستطيع نشر الاستقرار في العراق إلا إذا نظمت قواها السياسية لهذه الحقيقة. لم أتفق مع بعض الاستنتاجات التي خلص إليها السيناتور بايدن ولكنه طرح السؤال الملائم: كيف نصلح الوضع في العراق؟

إن أميركا بحاجة إلى أن تحسب حساباً للرسالة التي أرسلها تقييم الاستخبارات الوطنية, فقد ضاعفت العراق من الغضب الإسلامي وخلقت أزمة خطرة لحقت بالولايات المتحدة. ومن الواضح أن الديمقراطيين يريدون أن يتعاملوا مع حرب العراق على أنها الحرب التي افتعلها بوش ويريدون أن يغسلوا أيديهم منها. ولكن من الممكن تخفيف الضرر الذي لحق بالعراق إذا أصبحت الحرب مرة أخرى حرب الأمة, حيث تكرس البلاد كل جهدها في إيجاد وسيلة للخروج من المستنقع الذي يضعنا دائماً في خطر حقيقي. وإذا استطاع الديمقراطيون أن يكونوا قادة لهذا النوع من النقاش حول الأمن, فسيصبحون الحزب الحاكم في البلاد.

ترجمة: سامية المصري
الرياض
27 سبتمبر 2006