موسكو: لقد توصل اللبنانيون أخيرا بعد مجادلات ومحاجات استغرقت شهرين إلى حل وسط بشأن شخصية المرشح الى رئيس الدولة. ويبدو للوهلة الأولى وكأن الأزمة توشك على الحل ولكن ليس ذلك سوى وهم. والأزيد من ذلك فسوف يظل هذا الحل وهما حتى ولو صادق البرلمان على انتخاب الرئيس الجديد.

ويتمثل الحاجز الشكلي الذي يفصل قائد الجيش ميشال سليمان عن منصب رئيس الجمهورية في ضرورة إدراج بعض التعديلات على الدستور الذي يحظر ترشيح كبار الموظفين في الدولة للانتخابات الرئاسية إلا بعد مرور عامين على الأقل على استقالتهم.

وكانت جلسة البرلمان اللبناني المخصصة لانتخاب الرئيس قد تأجلت خمس مرات منذ سبتمبر الماضي. إذ لم يتيسر إيجاد شخص يرضي الأغلبية الموالية للغرب والمعارضة المدعومة من قبل سوريا وإيران على السواء. وفي 23 نوفمبر انقضت فترة ولاية الرئيس اللبناني السابق إميل لحود وأصبح تأخير انتخاب الرئيس الجديد أكثر من هذا أمرا لا يطاق. ففي نهاية المطاف تم العثور على حل وسط، بيد أن تحقيقه يتطلب التوصل إلى حل وسط آخر لا بد منه من أجل إقرار التعديلات الدستورية.

الطريق إلى الحكومة والحل في لبنان مقطوعة
تصوير عصام سحمراني- خاص إيلاف

غير أن هذا الأخير لن يتحقق - حسب قول أحد زعماء المعارضة الجنرال ميشال عون - إلا بعد موافقة الأغلبية البرلمانية على سلسلة من المطالب أهمها أن يبقى الرئيس الجديد في دفة السلطة فترة عامين فقط وأن يعاد انتخابه بعد الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها عام 2009. وفضلا عن ذلك تطالب المعارضة بحق فيتو في الحكومة التي يجب أن يترأسها رئيس وزراء محايد لا ينتسب إلى الائتلاف الحاكم.

من الجلي أن هذه المطالب تتخطى أطر مجرد الألاعيب الإجرائية أو حتى الحل الوسط الخاص بترشيح ميشال سليمان. فالمسألة هي: ما هي تلك القوى الخارجية التي سوف تحدد السياسة اللبنانية. وتقف هذه المسألة بالذات وراء كل quot;المعارك السياسيةquot; الدائرة حول منصب الرئيس والتي اندلعت ليس خلال الشهرين الأخيرين ولكن قبل فترة طويلة من انطلاقة الحملة الانتخابية الرئاسية.

ومن سخرية الأقدار أن كل هذه الأزمة كانت بدأت من إدراج تعديلات على الدستور من أجل انتخاب الرئيس السابق إميل لحود الذي تولى مثل سليمان وظيفة قائد الجيش. ففي عام 1998 اعتمد البرلمان تعديلا للمادة الـ49 من الدستور اللبناني سمح quot;مرة واحدة وبصورة استثنائيةquot; لموظف في الدولة من الفئة الأولى (وهو في الوقت نفسه يترأس قيادة الجيش) بالانخراط في الصراع على كرسي الرئاسة. وفي عام 2004 سمح تعديل جديد لنفس المادة الـ49 بتمديد فترة ولاية لحود لثلاث سنوات أخرى. وقد تم ذلك على الرغم من مقاومة قسم كبير من المؤسسة السياسية اللبنانية وإن أيد البرلمان تمديد فترة ولاية الرئيس بالإجماع تقريبا. وكان ذلك الحدث حل وسط جديدا في لبنان قُبل بضغط من القوى الخارجية (هذه المرة كان فيه ضلع لدمشق).

صحيح أن سهولة إدراج التعديلات على الدستور اللبناني تتيح تجنب مفاقمة الوضع في البلد في كل لحظة ملموسة، غير أنها تؤدي رغم ذلك في نهاية المطاف إلى نشوب أزمة مزمنة. أما الحلول الوسط فلا يطول عمرها.

وتمتد جذور كل المشاكل التي يصطدم بها لبنان اليوم إي المجادلات التي تدور مدى شهور عديدة حول شخصية المشرح للرئاسة والاغتيالات السياسية وتأرجح البلد على حافة حرب أهلية - إلى التعديل المعتمد عام 2004 بشأن تمديد فترة ولاية لحود. فتلاه صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559 الذي عبر فيه المجتمع الدولي، وفي مقدمته فرنسا والولايات المتحدة، عن استيائه من تمديد فترة صلاحيات لحود لكون هذه الخطوة من تدبير سوري. وكان القرار رقم 1559 يستهدف دمشق بعينها، إذ طالب سحب كل القوات الأجنبية من لبنان (لم يبق فيه آنذاك سوى القوات السورية) وعدم تدخل القوى الخارجية في عميلة الانتخابات في البلد.

ولكن عدم التدخل لم يتحقق بل احتدم الصراع بين القوى الخارجية على النفوذ في لبنان. ولم تكن الولايات المتحدة وفرنسا أقل نشاطا عن سوريا وإيران. وكل ما جرى في لبنان خلال السنوات الثلاث الأخيرة ينجم عن المجابهة بين هذين القطبين الواقفين وراء القوى السياسية اللبنانية. وليس الحل الوسط بشأن ترشيح ميشال سليمان قرارا لبنانيا مستقلا إلا من الناحية الظاهرية.

فهل من قبيل الصدفة أن العثور على الحل الوسط تزامن عمليا مع لقاء أنابوليس حول التسوية الشرق أوسطية؟ ونعيد إلى الأذهان أن الحديث في هذا اللقاء دار بالشكل الرئيسي حول التسوية الإسرائيلية - الفلسطينية ولكن الحبكة الرئيسية التي سبقته كانت تتلخص في الآتي: هل سيحضره الوفد السوري أم لا؟ إذ لم يكن واضحا حتى اللحظة الأخيرة هل ستتلقى دمشق الدعوة وهل ستقبلها إذا استلمتها؟ وكان جوهر المشكلة هو ليس مطلب السوريين بإدراج قضية مرتفعات الجولان المحتلة من قبل إسرائيل في جدول أعمال الاجتماع بقدر ما هو التوتر السائد في العلاقات السورية - الأميركية. فقد كانت واشنطن تتهم دمشق في الآونة الأخيرة بدعم القوى المتشددة في فلسطين ومساعدة المقاتلين في العراق وزعزعة الوضع في لبنان. وقد استدعت الولايات المتحدة سفيرها من دمشق منذ أكثر من عامين على أثر اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري الذي اتهم الأميركان السوريين بتدبيره.

ومع ذلك فقد وصل الوفد السوري إلى أنابوليس وإن برئاسة نائب وزير الخارجية فقط. وبعد يومين على ذلك وافقت الأغلبية الموالية للغرب في البرلمان اللبناني على ترشيح سليمان الذي كانت ترفضه سابقا. فمن، يا ترى، توصل إلى حل وسط - هل السياسيون اللبنانيون أو الغرب ودمشق؟ وأفليس ذلك جزءا من اللعبة الشرق أوسطية الكبيرة التي تسعى أميركا من خلالها فصل سوريا عن شريكها الإقليمي إيران؟

وإذا كان الأمر كذلك فلا يسعنا إلا أن نشعر بقلق على مصير لبنان. كم ستدوم الهدنة بين الغرب ودمشق؟ بل هل هي الهدنة حقا وليس مجرد التقاء آني للمصالح؟ وماذا سوف يحدث عندما ستفترق هذه المصالح من جديد؟ وكم سيتكرر في لبنان الوضع حيث يؤدي الحل الوسط المؤقت إلى تفاقمه من جديد؟

ماريا أباكوفا