المدمنون المشردون في المانيا، مهمشون بإختيارهم
نزار جاف من بون: في العديد من محطات القطارات لاسيما التي تحت الانفاق أو محطات وقوف الحافلات، بشکل خاص و في الحدائق أو الاماکن العامة الاخرى، تطالعك هنا في المانيا صورة مجموعة من الرجال و النساء الذين تتراوح أعمارهم بين الثلاثين الى السبعين عاما أو أکثر وهم يقفون أو يجلسون جماعات في تلك الاماکن و ينهمکون بشرب المواد المسکرة لاسيما البيرة و يبدو على محياهم تعب السنين و أرق حياة غير عادية تمشي على وتيرة غريبة، کما و يطالعك في الکثير من الاحايين مشهد أحد من هؤلاء وهو ينام على أحد مقاعد تلك المحطات أو حتى على الارضية من دون أن يستخدموا أي أغطية للوقاية من البرد ولاسيما أن المانيا معروفة ببردها.
حياة و عالم خاص
هذه الشريحة الاجتماعية المهمشة بإختيارها، لها حياتها و عالمها الخاص بها، وکثيرا ما تراهم و قد إندمجوا في أوضاعهم الاجتماعية المختلفة غير مکترثين بالناس العاديين وحتى إنهم يتصرفون و کأنهم لوحدهم يعيشون في هذا العالم. وتجد نفرا منهم ينهمك في لعبات متباينة للتسلية أو حتى للمقامرة، فتراهم يلعبون بالزار ألعابا منوعة کما يستخدمون القطع النقدية المعدنية في ألعاب اخرى، وفي الوقت الذي تجد فيهم من يملأ ذلك المکان صراخا أو تشاهد آخر يتحدث بصوت عال الى أصدقائه الذين يبادلونه بالاسلوب نفسه في الکلام، فإنك ترى أيضا نوعيات مغايرة تماما و تتحدث بمنتهى الهدوء و تکتفي أنها قد همشت نفسها في حياة تکاد تکون قوانينها و معاييرها مطاطية أو حتى هلامية.
لماذا صاروا هکذا؟
إنه سؤال يطرح نفسه بقوة لکن الاجابات قد لا تکون نفسها في السياق کله، رغم أن الوضع الاقتصادي الآخذ بالسوء في المانيا يمنح شيئا من القوة لإنتعاش هکذا أوساط مهمشة، الا أن ذلك لا يعني أن العديدين من هؤلاء هم أناس عاطلون أو لم يتمکنوا من انتهاز فرص معينة لکي يعيشوا بالصورة المرضية التي يعيشها أي انسان آخر في المانيا. وقطعا فإن القصة ليست کما تصورها السينما الشرقية عندما تجعل من المسکرات ملاذا للهروب من الواقع، فهؤلاء ليسوا بهاربين من واقعهم فحسب وإنما يرفضونه بشدة لأنه لم يعد ملائما لهم. و مع أن العديد من هؤلاء يعيشون في هکذا أماکن، فإن البعض منهم له مکان عيشه الخاص الذي يکاد يکون من جراء قذارته کإسطبل خيل مهمل، و هنا لابد من الاشارة الى الرائحة الکريهة المنبعثة من البعض منهم بسبب من عدم إغتسالهم لفترات طويلة تتجاوز السنة في العديد من الاحيان، ولذلك فإن رکونهم و استقرارهم في منازل قذرة يکاد يکون أمرا عاديا.
الشرقيون أيضا ساروا ضمن القافلة!
وإذا ما کانت ظاهرة المدمنين المشردين لسنوات قريبة خاصة بالالمان، فإن الشرقيين قد بدأوا أيضا اقتحام هذا العالم و فرض حضورهم هناك أيضا، وتجد بين هؤلاء من مختلف الدول و الاعراق من بلاد الشرق المشمسة، لکنهم يکادوا أن يکونوا أکثر عدوانية من الالمان عندما تود التحدث إليهم ولاسيما إن علموا بأنك من أهل الصحافة و الاعلام! لکن إيلاف تمکنت من خلال وسطاء من التحدث بطريقة غير مباشرة مع بعض من هؤلاء الشرقيين و حصلت على معلومات تفيد بأن جلهم من أولئك الذين يعانون حياة عائلية فاشلة أو لديهم أسر مفککة أو يعانون مشاکل مالية أو نفسية دفعتهم لهکذا وسط.
لقاء صحافي غير مباشر
لم أقدم نفسي على إنني صحافي، ذلك إنني تلقيت ردودا غير مطمئنة عندما شرعت بإلتقاط صور لهم إذ بادرني البعض منهم و طلب مني الانصراف عن المکان و إلا! لکنني لم أدع اليأس يتملکني و وجدت الافضل هو أن أدخل عليهم من الشباك، لذلك فقد ذهبت ذات يوم مشمس الى أحد مداخل قطار الانفاق في مدينة بون حيث يتخذه هؤلاء کمکان عام لإلتقائهم و احتساء مختلف المسکرات فيه. في البداية جلست الى جانب رجل مسن يکاد يشارف السبعين من عمره، وکنت أخفي جهاز التسجيل الصغير في داخل ملابسي وهکذا بدأت الحديث معه:
ـ إنه يوم جميل، أليس کذلك؟
+ نعم إنه جميل، صحيح إنه جميل!
ـ قبل قليل کنت أجلس على ضفة نهر الراين، هناك أجمل لکنني لا أدري لماذا رجعت الى هنا؟
+ الراين! لم أره منذ فترة طويلة، هل هو کما کان سابقا؟
ـ نعم، إنه کما کان لم يتغير، لکن يبدو إنك انت الذي طرأ عليك التغيير، صحيح أم أنا مخطئ؟
و ضحك بصوت عال و هو يجيبني:
+ هذا العالم القذر لا يتغير لکننا لوحدنا نحن الناس نتغير فقط، لماذا؟ هل النهر أو الجبل أو الارض أفضل من الانسان؟
ـ لکن لماذا تغيرت؟
ونظر إلي بشيء من الانزعاج و حاول أن يجيبني لکنه فضل السکوت و شرع بإجتراع ماتبقى في قنينته من بيرة ولم يعد يعيرني أي أهمية.
وجلست بجانب إمرأة تکاد قد تجاوزت الخمسين عاما من عمرها لکنها و من خلال ملابسها وطريقة وضعها للمساحيق کانت تحاول أن تدفع الناظر للإحساس بأنها دون ذلك السن ووجدت الافضل هو الدخول من نقطة ضعفها:
ـ أيتها الشابة! کيف يدعك الشباب و الرجال لوحدك وأنت على هذا الجمال؟
ونظرت إلي بکل رقة و أجابتني وإبتسامة عريضة علـى محياها:
+ أحيانا يفضل الرجال البقاء لوحدهم و يلعنون اليوم الذي ولدوا فيه!
ـ ولأجل ذلك تقضين الحياة وحيدة أم هناك سبب آخر؟
+ اوه ربي، الرجال مثل الاطفال کلما منحتهم الحنان کلما تصنعوا دلالا مفرطا و جعلوا الحياة أکثر صعبة.
ـ لکن يجب منح الحنان لك أنت لا للرجل، أنت من يجب أن يتصنع الدلال و ليس الرجل، رباه هل تغير العالم؟
+ طوال حياتي کنت أحاول الاهتمام بالرجال مثل الاطفال ولم أکن أطلب منهم سوى أن يکونوا ملتزمين بما يجب أن يعملوه، لکنهم کانوا دوما مشاکسين!
ـ هذا يعني أن حياتك باتت فارغة من الرجال؟
+ لا لا إنهم لا يدعونني لوحدي! هل وجدت طفلا تخلى عن أمه؟ إنهم يحتاجونني ولذلك فهم مضطرون للعودة لي.